الوسوم

ليلة القدر

 

{ إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ ٱلْقَدْرِ وَمَآ أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ تَنَزَّلُ ٱلْمَلاَئِكَةُ وَٱلرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِم مِّن كُلِّ أَمْرٍ سَلاَمٌ هِيَ حَتَّىٰ مَطْلَعِ ٱلْفَجْرِ }

 

القرآن نزل، نزَله الله، وتنزل، وأُنزِل… ولكل كلمة استخدام يناسب الحال. فهو نزل به الروح الأمين جبريل، وأنزله الله تعالى من اللوح المحفوظ إلى بيت العزة في السماء في ليلة القدر المباركة، وهو يتنزل على المؤمنين المخلصين  كل يوم بمعاني ومضامين جديدة حتى قيام الساعة إذا قرؤوه بقلب صاف وعقل حاضر.

ذكر الإمام مالك في الموطأ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم اطلع على  أعمار الأمم كافة فاستقصر أعمار أمته فخاف عليه الصلاة والسلام أن لا يبلغوا من العمل مثل ما بلغ غيرهم في طول العمر فأعطاه الله تعالى ليلة القدر وجعلها خيراً من ألف شهر لسائر الأمم.

و معنى القدر أي العزة والعظمة والشرف والتقدير. فهي ليلة الشرف الكبير، لأنها اختصت بهذه الميزة الكبيرة وهي نزول القرآن فيها (رغم أننا نعلم أن القرآن وصل إلينا منجماً). وللمسلمين أن يباهوا بها الأمم لأن القرآن كتاب فيه ذكرنا. “أنزلنا إليكم كتاباً فيه ذكركم”، والذكر هنا بمعنى الذكرى والشرف، أو بمعنى الحال والواقع, أي أن القرآن كتاب نعرض عليه أنفسنا لأنه يتحدث عن حالنا من إقبال وإدبار، وانتصار وانكسار، فإذا كان حالنا حال عطاء كان فيه ذكرنا بمعنى شرفنا وعزنا وتاريخنا الذي نفخر به، ونذكره لأولادنا وأحفادنا. فالربط بين القرآن وليلة القدر وحال المسلمين هام وأساسي.  

وخيريتها من ألف شهر ليس فقط بمعنى أن العبادة فيها أفضل من العبادة في ألف شهر غيرها، ولكن بشكل عام هي ليلة مباركة، وهي سلام وهي تتنزل فيها الملائكة، ومضاعفة الثواب فيها هذا أمر إضافي يزيد إلى شرفها، وليس كل شرفها. وهنا أمران: الأول أن مقدار خيريتها لا يعلمه إلا هو سبحانه وتعالى، فبكم تفضل ألف شهر؟ لا أحد يعلم هل تفضله مرة أو مرتان أو ألف مرة؟ لا أحد يعلم. وهل الألف شهر مقصود أم مقصود به مجرد التعبير عن التضعيف والتعظيم.. الله أعلم. الأمر الثاني: أن العبادة ليست فقط مقصورة على قيام الليل وصلاة التراويح، وإنما الصدقات عبادة وبر الوالدين عبادة وصلة الأرحام عبادة والإحسان إلى الجيران عبادة… فلا تضيع سائر العبادات لصالح عبادة واحدة … لا تعلم هل يقبلها الله منك أم لا، وإنما أكثر من الخير والبر… تنل الثواب والتقدير والشرف.

أخفي الله عز وجل عنا ليلة القدر كما أخفي رضاه في الطاعات فلا نعلم أية طاعة أفضل عند ربنا، وكما أخفي غضبه في المعاصي فلا يعلم أحد أي المعاصي توجب غضبه أكثر، وأخفي ساعة الإجابة يوم الجمعة ليدعوه طيلة اليوم، وأخفى الصلاة الوسطى في الصلوات لنهتم بالصلوات جميعاً، وأخفى اسمه الأعظم بين أسمائه لندعوه بأسمائه جميعاً، وأخفى أولياءه في عباده لنوقر الناس جميعاً، وأخفى ساعة لقائه لنستعد لهذا اليوم في كل وقت وحين، واخفي ليلة القدر في ليالي رمضان لنجتهد في كل الليالي.

ولا يمكن لأحد الجزم بليلة معينة أنها ليلة القدر، وكل ما ورد بهذا الشأن هي اجتهادات فردية تصح لأهل العدالة من أصحابها، ولا يجوز تعميمها على سائر الناس. وتحري ليلة القدر تجربة شخصية تختلف من شخص لآخر، ويختلف عطاء الله فيها حسب منزلة كل شخص واجتهاده وتوفيق الله له واستعداده لتلقي الفيوضات الإلهية والرحمات الربانية.

والذي أميل إليه أنها تختلف وتنتقل باختلاف الأعوام والأماكن والأشخاص. والحق أن سعينا لمعرفتها لا يكون بالتوفيق لها بعينها، وإنما بالتوفيق لذكراها. و قد ورد أكثر من ثلاثين حديثاً وأثراً في محاولة تحديدها، قال ابن حجر الهيتمي بعد أن استعرضها جميعاً: “اختار جمع أنها لا تلزم ليلة بعينها من العشر الأواخر بل تنتقل في لياليه فعاماً أو أعواماً تكون وتراً إحدى أو ثلاثاً أو غيرهما وعاماً أو أعواماً تكون شفعاً اثنتين أو أربعاً أو غيرهما قالوا ولا تجتمع الأحاديث المتعارضة فيها إلا بذلك وكلام الشافعي رضي الله تعالى عنه في الجمع بين الأحاديث يقتضيه”.

وقد جاء في الحديث الصحيح أن الرسول قد عرف ليلة القدر وهم بإبلاغ الصحابة بها لولا أن جماعة من المسلمين تصايحوا فأنسي رسول الله صلى الله عليه وسلم وقتها بالتحديد. لو لم يكن من مساويء الاختلاف والتناوش والتلاحي بين الإخوة والأصدقاء إلا أن المسلمين حرموا بسبب ذلك من معرفة ليلة القدر… لكان ذلك سبباً في النفور من كل أشكال الاختلاف وموجباته، وتقديم حسن النية والتغافر والتسامح. فما بالك بمن يختلفون في هذه الليلة إلى حد المشاحنة حول تحديد وقتها؟ وأين نصلي صلاة القيام؟ ونصليها كم ركعة؟ وفي أي ساعة؟ وماذا نعد لها؟!! هذا تفريغ للمضمون، ودليل على تمسكنا الساذج بالصور والأشكال، ناسين أن الله إذا حاسبنا فسينظر إلى قلوبنا، وأنه يمكن أن يعتق كل الناس من النار إلا المشاحن والمباغض والحقود… فكونوا من ذلك على بينة هداني الله وإياكم.

هذه الليلة سلام على المؤمنين، لنزول الملائكة فيها بالرحمة والرزق والسلام، و لكثرة ما يُسلِّمون على الناس، فقد رُوي أنهم يُسلِّمون على كل قائم وقاعد وقارىء ومُصَلِّ، واستنتج بعضهم أن معنى “القدر” أي الضيق كقوله “فقدر عليه رزقه”، و ربط ذلك بما يكون من كثرة الملائكة في الشوارع والمدن وأماكن التجمعات حتى تضيق بهم الأماكن. حاذر! إذا هبطت الملائكة لتسلم على المؤمنين فهل ستجدك في المسجد أم ستجدك في المقهي تدخن الشيشة أو أمام التليفزيون تتعاطى المسلسلات؟!!

قال ابن عجيبة: أهل القلوب من العارفين، الأوقاتُ كلها عندهم ليلة القدر، والأماكن عندهم كلها عرفات، والأيام كلها جمعات، لأنّ المقصود من تعظيم الزمان والمكان هو باعتبار ما يقع فيه من التقريب والكشف والعيان، والأوقات والأماكن عند العارفين كلها سواء في هذا المعنى. وقال الشيخ أبو العباس رضي الله عنه: نحن ـ والحمد الله ـ أوقاتنا كلها ليلة القدر. يقصد أن عبادتهم كلها قلبية، بين فكرة واعتبار، وشهود واستبصار.

يقول الواصلون: ثواب هذه الليلة الحقيقي هو كشف الحجاب, و هو فضل لا يدانيه فضل، و منة لا تقاس بمقياس، وجزاء لا يناله إلا أهل القرب والمشاهدة.

جعلنا الله من أهل التوفيق والقبول، وهدانا لمعرفته ووصاله في كل وقت وحين.

 

Advertisements