الوسوم

,

نظرية لكل كارثة

 

لسبب وجيه أعتقد أن ابني محمود الطالب في الصف الثالث الابتدائي يصلح أن يتولى الآن منصب رئيس الوزراء المصري بجدارة وكفاءة…

ورغم أنه لا يعرف الفرق بين الطريق الزراعي والطريق الصحراوي أو بين وزارة الصحة ووزارة العدل… ومصروفه اليومي أقل من 2 جنيه، ولم يعبر الشارع حتى الآن مرة واحدة بمفرده… إلا أنه يملك منطقاً ونظريات جدلية فعالة يستخدمها بحرفية في حواري معه إذا طلبت منه أن يحل الواجب، أو يساعد والدته، أو يترك مشاهدة التليفزيون….

وهو يصدر الرد مباشرة وفق منهجية مبرمجة بكفاءة وبسرعة فائقة وفي أي موضوع وبثقة كاملة، بحيث يجعلك عاجزاً عن مواصلة الحوار، إلا بعصبية تدفعك دفعاً لأن تضربه، لكنه في النهاية يخرج منتصراً أيضاً، لأنه لا يكف عن تذكيرك:أرأيت!! لما عجزت عن محاورتي ضربتني.

وتعميماً للفائدة، ولأغراض البحث العلمي المجرد: قمت بحصر النظريات التي يستخدمها في “تصريحاته” وحواراته، ووجدتها لا تختلف كثيراً مع تصريحات المسئولين في الحكومة المصرية… والتي يتم بها تبرير كل شيء، وشرح كل الكوارث باعتبارها منحاً إلهية، والتعقيب على كل الأخطاء باعتبارها “هي كده”.. و هو – كالحكومة – أمام نفسه ملاك طاهر لا يخطيء ولا ينفعل ولا يقصر، و هو قمة في النظام والالتزام والأدب والبراءة والتعاون، أما ما يحدث من نكبات ودواهي… فرده جاهز ومباشر حسب واحدة أو أكثر من النظريات التالية:

 

1-     نظرية: “يستاهل”

و محمود يستخدمها للتعليق على أسئلة من مثل: لماذا ضربت أخاك؟ كيف أصيب زميلك؟ لماذا أغلقت الباب في وجه الحارس؟

وتستخدمها الحكومة إذا سألتها: لماذا غرق ركاب العبارة السلام، أو غرق الشباب الهارب في قوارب إلى أوروبا، أو سقطت منازل الناس في الدويقة، أو انقطعت المياه عن الناس في كفر الشيخ ومدينة نصر، أو سقطت طفلة الجيزة في بالوعة مجاري، أو انهارت سلالم مدرسة على الطلبة في سوهاج، أو اختطفت عصابة أفريقية مجموعة من السياح والمرشدين المصريين من أراض مصرية… و في كل الأحيان: الحكومة مية مية، والناس دائماً تستاهل.

 

2-     نظرية: “وأنا مالي”

و محمود يستخدمها للتعليق على أسئلة من مثل: لماذا تركت أخاك في الحمام وحده؟ لماذا لا تفتح الباب أو ترد على التليفون؟ لماذا لا تغلق التليفزيون؟ لماذا لا تجمع بقايا الطعام من على الأرض؟

وتستخدمها الحكومة إذا سألتها: متى توفر لابني فرصة عمل؟ ماذا يفعل من خرج بالمعاش المبكر وعمره أربعون عاماَ؟ من سيدفع تكاليف هذه العملية الجراحية؟ متى تقل كثافة الطلبة في الفصول عن ستين طالباً؟ لماذا خرجنا صفر اليدين من دورة بكين؟ ماذا نفعل لمواجهة ظاهرة التحرش الجنسي الجماعي؟

 

3-     نظرية: “بتحصل”

و محمود يستخدمها للتعليق على أسئلة من مثل: ما هذه الدرجة السيئة في الامتحان؟ كيف كسرت الدراجة ؟ أين ضاعت الساعة؟ من أصابك في وجهك؟

وتستخدمها الحكومة إذا سألتها: من المسئول عن حريق مجلس الشورى والمسرح القومي؟ وكيف مات الرجل في عملية لوز بسيطة؟ كيف وصل سعر كيلو الخيار إلى ثمانية جنيهات؟ لماذا ارتفعت هكذا أسعار الحديد؟ ومن المسئول عن زيادة البطالة عن 12%؟  لماذا انهارت البورصة المصرية؟ لماذا انخفض مستوى الخريج المصري واحتل المركز رقم 130 من 131 دولة في سوق العمل الدولي؟

 

4-     نظرية: “كده أحسن”

و محمود يستخدمها للتعليق على أسئلة من مثل: لماذا رميت الكرة من البلكونة؟ من قطع هذا القميص؟ لماذا غلاف كراستك مليء بالشخبطة؟ ألن تمسح هذه الألوان والأوساخ من على وجهك؟

وتستخدمها الحكومة إذا سألتها: متى يمكن أن تكون الشوارع أقل ازدحاماً؟ لماذا تنقطع الكهرباء في الثانية صباحاً؟ لماذا نبيع شركات القطاع العام؟ لماذا نخصص أراضي الدولة لمستثمرين كبار؟ لماذا لم يتم تعيين نائب للرئيس؟

 

5-     نظرية: “كان نفسي”

و محمود يستخدمها للتعليق على أسئلة من مثل: هل حفظت واجب القرآن؟ هل أجبت جيداً في امتحان اليوم؟

وتستخدمها الحكومة إذا سألتها: لماذا لا تعترف الدولة بالإخوان المسلمين؟ لماذا لا تغلق الدولة ملاهي شارع الهرم؟ لماذا لا توفر القدر الأدنى من العدالة للتعيين في وظائف النيابة العامة والقبول بكليات الشرطة؟ لماذا لا تطبق قانون المرور الجديد على الباشوات؟ لماذا لا تلزم كبار رجال الأعمال بتحمل مسئولياتهم الاجتماعية؟ لماذا لا تطبق قانون من أين لك هذا على نواب البرلمان؟

 

6-     نظرية: “ده هوا مش أنا”

و محمود يستخدمها للتعليق على أسئلة من مثل: من كسر هذه الساعة؟ من فتح صنبور الماء؟ من شخبط على الحائط؟ من رمى كل هذا الورق على الأرض؟

وتستخدمها الحكومة إذا سألتها: من المسئول عن السحابة السوداء؟ لماذا ارتفعت أسعار الأراضي في القاهرة الجديدة؟ من  أغلق معبر رفح؟ من قطع العلاقات مع إيران؟  من المسئول عن تسريب أسئلة امتحانات الثانوية العامة؟ لماذا لا يعامل المصري باحترام في السفارات الأجنبية في مصر؟

 

7-     نظرية: “في الخطة”

و محمود يستخدمها للتعليق على أسئلة من مثل: متى ستستحم؟  لماذا لم تحل الواجب؟ متى تغلق التليفزيون؟

وتستخدمها الحكومة إذا سألتها: عن تأمين المنشآت ضد الحريق، وتأمين المزلقانات ضد الحوادث، و تنظيم المساكن العشوائية، وتوصيل الصرف الصحي، ورفع عجز الموازنة، وخفض كثافة الفصول، و توفير منازل لمحدودي الدخل،   

 

8-     نظرية: “اشمعنى أنا”

و محمود يستخدمها للتعليق على طلبات من مثل: ادخل نام، هات هذه اللعبة، أغلق التليفزيون، أحضر لي كوب ماء لأشرب، افتح الباب.

وتستخدمها الحكومة إذا طلبت منها: أن تقطع علاقتها بإٍسرائيل، أو تتبنى موقفاً محايداً من حماس، أو تواجه أرميكا بأخطائها في المنطقة، أو تتخلى عن سياسة بيع القطاع العام، أو تطلق سراح المعتقلين السياسيين، أو توفر فرصة عمل لكل خريج.  

 

9-     نظرية: ” كويس كده”

و محمود يستخدمها للتعليق على طلبات من مثل: لماذا لم تحل كل الواجب؟  لماذا لم تأكل كل وجبتك؟

وتستخدمها الحكومة إذا طلبت منها: انتخابات نزيهة بإشراف قضائي متكامل، أو حرية إصدار الأحزاب، أو تحديد عدد مرات الترشيح للرئاسة، أو إيقاف حبس الصحفيين في قضايا الرأي، أو تفعيل دور نادي القضاة، أو عمل تعديل حقيقي في الدستور.

 

10- نظرية: ” ما عادش ينفع”

و محمود يستخدمها للتعليق على أسئلة من مثل: لماذا لم تدخل مسابقة الخطابة؟ لماذا لا تمشط شعرك؟

وتستخدمها الحكومة إذا سألتها عن خططها في: إزالة التعديات على أراضي الدولة، منع تلوث نهر النيل، إزالة المساكن العشوائية، توفير الدعم لمستحقيه، مد مظلة التأمين الصحي لكل مواطن، تطوير القدرات العسكرية للجيش المصري، إعادة الهيبة المصرية في المنطقة العربية.

………..

المشترك في هذه النظريات أنها تعفي صاحبها تماماً من المسئولية، وتصوره في صورة المغلوب على أمره، أو المجتهد إلى أقصى درجة، وتصور الآخرين باعتبارهم مجموعة من عديمي التقدير للجهد والعرق، والمتربصين للنجاح دون أدنى دراية بالواقع وضغوطه.

والمذهل فيها أن هذه النظريات كافية لتفريغ أي موضوع أو طلب من مضمونه، وبالتالي فهي تضمن النصر الحاسم لمن يجيد اختيار النظرية (أو النظريات) المناسبة للموقف المناسب.

جرب ذلك بنفسك، وستجد أنه يمكنك من خلالها إبطال أي هجوم في أي موضوع، وتحويله إلى مجرد صراخ.. والأكثر إذهالاً أنه يمكنك أن تفعل ذلك وأنت في مأمن من أية مخالفة شرعية أو دستورية أو أخلاقية، يمكنك أن تفعل ذلك دون أن تكذب، أو أن تنفعل، أو أن تخجل، أو أن تتألم.

ماذا تسمي هذا؟

مغالطة- تدليس – تشويه للحقائق- سياسة – نصب – حلق حوش – تزوير – تعمية – …

أياً كان الوصف، فإن ما يزعجني حقاً: هو:

أين تعلم محمود هذه الآليات؟

وكيف تمكن من ممارستها بهذه الدقة والبرود؟!

و زال عجبي عندما اكتشفت أنه التحق –سراً – بالحزب الوطني، ويتلقى دروساً في الكتابة الصحفية من رئيس تحرير جريدة قومية، كما تم تعيينه – مؤخراً- عضواً في لجنة السياسات.

 

Advertisements