الوسوم

سألني المهندس عادل سعيد بعد أن لاحظ أن سعر الدولار في زيادة، هل أحتفظ بما أملك من دولارات أم أحولها إلى العملة المحلية؟

والإجابة الأكيدة والوحيدة والصارمة هي: لا أعرف.

وهي نفس الإجابة التي ستسمعها من مدير صندوق النقد الدولي و أساتذة الاقتصاد في هارفاد ووزير الخزانة الأمريكي  وحبيبك بطرس غالي. وكل إجابة بخلاف ذلك هي مجرد تخمينات لا قيمة لها ولا مصداقية..

وستسمع بعد شهور من يقول لك: لو كنت سمعت كلامي واشتريت دولارات كان دخلك تضاعف 50% أحسن من كل ما تكسبه في المقاولات. وربما تسمع من نفس الشخص: ربنا يعوض عليك… أم أقل لك إن صعود الدولار كان مؤقتاً وإن مصيره إلى هبوط، وأنت أصررت مع ذلك أن تشتري دولارات… اجتهد في عملك لتعويض الخسارة.

ومشكلة أساتذة الاقتصاد (وكذلك الأطباء والسياسيين) أنهم يدعون الحكمة بأثر رجعي، فلديهم دائماً تفسير مقنع جداً ويستند إلى قوانين صارمة ومطردة لما حدث في الماضي، وليس لديهم وفق نفس القوانين أي منطق في التنبؤ بما سيكون… ذلك أن كل الاحتمالات واردة… كلها منطقية وكلها قابلة للتبرير – بعد حدوثها- والسبب في ذلك ليس نقص العلم ولا عجز القوانين، وإنما لأن كل هذه القوانين (في الاقتصاد والطب والسياسة) تحتوي على عنصر غامض اسمه “سلوك الناس”، وهو ما لا يمكن الجزم به رغم كل الدراسات السوسيولوجية، و هو ما يتلاعب بالنتائج كما يتلاعب الموج العاتي بقارب ضعيف.  لهذا أكره الاقتصاد ولا أثق بيقين الاقتصاديين الكاذب.

 

هل كانت الأزمة الحالية حتمية؟

نعم كانت حتمية في ظل ما حدث من سلوك الناس في الأزمة، ولكن لو كان سلوك الناس مختلفاً لما كانت هناك أزمة على الإطلاق. وهل كان يمكن أن يكون سلوك الناس مختلفاَ؟ يمكن جداَ. ما لم يكن معروفاً على وجه الدقة هو متى ستحدث الأزمة، وإلى أي حد ستكون تداعياتها، و إلى متى تستمر، وهل يمكن التعافي منها ومتى؟ النظام المالي الحالي مثل مريض مصاب بالسرطان في مراحله الأولى… لا يعرف الأطباء تحديداً متى سيحدث الانهيار، ولا إلى أي حد سينتشر ، وإلى أي مدى، وهل يمكن البرؤ منه، ومتى؟

لهذا أكره الاقتصاد ولا أثق في الاقتصاديين.

 

لماذا ارتفع سعر الدولار؟

لما انخفضت أسعار العقارات في أمريكا (لا تدخلني من فضلك في متاهة لماذا انخفضت)، بحيث أصبح المنزل الذي وصلت قيمته من شهور 200 ألف دولار لا يجد مشترياً اليوم يدفع فيه 100 ألف دولار، رفض الناس لا شعورياً هذه الخسارة الفادحة، فعوضوا أنفسهم برفع سعر الدولار ولو بنسبة ضئيلة تعوض هذه الخسارة، بحيث يصبح سعر المنزل وكأنه ب 110 ألف دولار، وذك برفع قيمة الدولار بهذه النسبة. حدث نفس الشيء مع برميل النفط الذي انخفض في أقل من شهر من 140 دولار للبرميل إلى 70 دولار للبرميل (لا تدخلني من فضلك في متاهة لماذا انخفض)، وتعويضاَ لهذه الخسارة ارتفعت قيمة الدولار، ولعلك تذكر أن ارتفاع سعر البرميل إلى هذه الدرجة صاحبه انخفاض قيمة الدولار لمستويات غير مسبوقة… وذلك حتى لا يشعر المستورد الأمريكي للنفط الغالي أنه يدفع فيه ثمناً كبيراً. وحتى يضيع على الخليجيين فرصة الحصول على فوائض مالية كبيرة.

أضف إلى ذلك أن انعدام ثقة الناس في البورصة مع انهيارتها المستمرة في شرق العالم وغربه ضاعف لديهم أهمية الاحتفاظ بسيولة نقدية لديهم تحسباً لأية طواريء… فازداد الطلب على الكاش فارتفع سعره.

وفي مصر التي لها قوانينها الخاصة، فإن ارتفاع سعر الدولار كان أمراً متوقعاً… وذلك لتظل تكلفة الاستيراد مرتفعة،  ولو حدث أن بقي الدولار على سعره المنخفض، وفي ظل تدني الأسعار العالمية، فإن هذا يعني انخفاض التكلفة الكلية للمواد المستوردة (80% من الاستهلاك المحلي)، وهو ما يعني فرصة حقيقية للشعب المصري لخفض الأسعار، وحيث أن هذا يمكن أن يحدث هزة كبيرة في السوق المصري، لا يراد لها أن تحدث (فرق سعر كبير بين المعروضات الجديدة والمعروضات القديمة)، فقد جرى توافق سياسي (عرفت لماذا أكره السياسة ولا أثق في السياسيين)  أن يبقى الوضع على ما هو عليه، و لم يكن التجار ليستأثروا وحدهم بهذا المكسب من فرق السعر، وإنما أراد أن يشاركهم فيه مضاربو العملات، فرفعوا الأسعار، وكان فرق الأسعار مما يمكن أن يتحمله التجار فقبلوا ذلك بدون امتعاض، ولا زال هامش الربح يحتمل المزيد من ارتفاع في سعر الدولار حتى 570 قرشاً أو أكثر.

 هل يمكن أن ينخفض سعر الدولار؟

ممكن جداَ… عالمياً: إذا شعر الناس خلال الأسابيع القادمة أن خطة الإنقاذ وهم، وأنها لن تفلح في علاج الأزمة.. ستقل ثقة الناس في الدولار و يبدأ الناس إلى التخلص منه وهنا سينخفض سعره.. كما يمكن أن ينخفض سعره إذا عاود الناس الاستثمار في البورصة، بحيث يصبح “السهم” أكثر جاذبية من الكاش، – وهذا الوقت بالمناسبة هو أفضل وقت لشراء الأسهم وهي في أدنى مستوياتها- فيبدأ الناس في تحويل أموالهم السائلة إلى أسهم مرة أخرى … وهنا ستحدث موجتان: الموجة الأولى انخفاض في سعر الدولار بشكل ملموس، ثم موجة من الارتفاع الحاد في سعر الدولار عندما ينخفض المعروض منه في السوق.

في مصر، -ذات القوانين الخاصة – فإن الأزمة الحالية دفعت بعض الشركات الأمريكية العاملة في مصر إلى تخفيض حجم استثماراتها في مصر – أعرف عدداً من شركات الأدوية إما أغلقت تماماً أو خفضت عمالتها بشكل كبير، كذلك الأمر في شركات التقنية والبترول- وهذا يعني انخفاض الطلب على الدولار اللازم لإدارة أعمالها في مصر، وهو ما يمكن أن يدفع لخفض سعره.. و –ببعض التفاؤل- فإن مؤتمر الحزب الوطني يمكن أن يتخذ قرارات سياسية للتعبير عن انحيازه للمواطن المصري، فيصر على خفض حقيقي للأسعار، فإذا تزامن ذلك مع حركة شعبية قوية مطالبة بخفض حقيقي للأسعار – بعد سقوط كل حجج الحكومة في رفعها- فهذا يعني تقليلاً من هامش ربح التجار، على حساب تجار العملة وهو ما يدفع إلى خفض سعر الدولار..

إذن ماذا أصنع؟

لا شيء.

لأن كل ما قلته وكل ما سيقوله خبراء الاقتصاد مرتبط بالسلوك الجماعي للناس، وتوقيته (متى يبدأ؟) ومدته (حتى متى يتسمر)؟ ومداه. وهو أمر لا يمكن التنبوء به ولا الاعتماد عليه، إلا لأولئك الذين يملكون اطلاعاً تفصيليا ولحظياً على الأحداث العالمية والمحلية بأدق تفاصيلها، و أولئك القادرين على توجيه الرأي العام في اتجاه معين، وأولئك القادرين على تنفيذ عمليات بيع وشراء خلال ثوان، وهي مضاربات تدخل في رأيي في باب القمار.

وهناك متخصصون في هذا المجال على المستوى العالمي مثل جورج سوروس ووارين بافيت الوليد بن طلال.. وقد نجح مثلاُ جورج سورس عام 1992 في أن يدفع بنك إنجلترا إلى الإفلاس، ووقف عام 1997 وراء الأزمة الاقتصادية الحادة للنمور الأسيوية، وحتى هؤلاء العباقرة خسروا بالمليارات في مضاربات خانهم فيها التوفيق.

 يا باشمهندس عادل

دع كل شيء كما هو، وتصرف في عملك كما اعتدت أن تتصرف عادة… إذا أردت دولارات اشتر قدر حاجتك، وقتما تريد، و إذا أردت عملة محلية اشتر قدر حاجتك وقتما تريد.. وتنصح أصدقائك بذلك …نعم يمكن أن تكسب كثيراً من تخمينات صائبة، ويمكن أيضاً أن تخسر كثيراً من تخمينات لم يصادفها التوفيق. إذا كانت هناك نصيحة فإن فائض الأموال الآن يجب أن يتحول إلى أصول عينية… ولكن حتى هذه النصيحة محل نظر وفق الظروف الشخصية لصاحبها.

أنت مهندس متميز وناجح، فاحتفظ بهذه الميزة، ولا تدخل في هذه الحلقة الجهنمية، وإلا تحولت إلى تاجر عملة، وضاع وقتك كله أمام شاشات البورصة، وأسعار العملات، وخسرناك مدوناً رائعاً وإنساناً نبيلاً… “ورزق ربك خير وأبقى”..

هل عرفت سيدي لماذا أكره الاقتصاد؟

لأنه في النهاية لا قيمة للعلم، فمن يعرف كمن لا يعرف… ومن فهم ما حدث كمن لم يفهم، كلاهما عاجز عن اتخاذ القرار الصائب. 

والإجابة الوحيدة الصحيحة لسؤال: ماذا أفعل؟ هي: ما أعرفش.

Advertisements