الوسوم

ليس هناك خطأ مطبعي في العنوان، ولن أدعك مع ظنونك لوقت طويل، فكل من قابلتهم فشلوا في حل اللغز والحصول على الجائزة.  “تريئ ألمتار” هو “طريق المطار”.. وقد رأيتها مكتوبة هكذا في إعلان مطبوع عن مطعم لبناني في دبي.

و من المؤكد أن المسألة أكبر من دبي ومن لبنان ومن الطعام… وفي كل بلد عربي أمثلة مشابهة وربما أكثر إيلاماً.. المسألة أن لغتنا التي كانت هويتنا أصبحت عارنا. بمعنى أننا نخجل منها ونهرب ونتوارى وكأنه صار عيباً وإنقاصاُ من قيمتنا أن نتحدث بالعربية، وبمعنى أنها في المقابل تخجل من استخدامنا المشوه لها، الذي يسيء إليها ويحط من قدرها.

أجروا إحصاءاً مؤخراً فوجدوا أن اللغة العربية هي اللغة الرابعة من حيث الانتشار في دبي. الأولى: الأردية، والثانية: الإنجليزية، والثالثة: لغة “فيه معلوم” (وهي خليط من العربية والأردية والإنجليزية والروسية ابتكره المقيمون في دبي للتواصل في المحلات وسيارات الأجرة)، والرابعة: اللغة العربية.

وحسناً فعلت حكومة دبي حين أصدرت قبل عدة أشهر قراراً بجعل جميع المخاطبات الرسمية باللغة العربية… ولك أن تتخيل أنني وأنا موظف في حكومة دبي أكتب وأتلقى أكثر من 80% من مراسلاتي الداخلية والخارجية باللغة الإنجليزية، دون أن أدعي أنا أو من أخاطبهم أننا أصبحنا في الإنجليزية أفضل، ولكنها عادة استمرت على طريقة: “فلا لغتنا تبقى ولا ما نرقع”.

………

وفي معظم الدول العربية، يندر أن تجد إعلاناً عن وظيفة محترمة مكتوباً باللغة العربية، بل وتجد دائماً هذه الجملة المستفزة عن مؤهلات المتقدم للوظيفة (وأنا أترجمها لأنها تنشر في العادة بالإنجليزية): “يجيد الإنجليزية تحدثاُ وكتابة,, ويعتبر التحدث بالعربية ميزة إضافية”… إضافية يا….!!

و مؤخراً وحتى لا تقع الشركات في مشكلة قانونية بسبب التميز بين المرشحين للوظائف، لا تقول الوظيفة: الإعلان خاص بالأجانب فقط، وإنما تشترط: التخرج من جامعة غربية. وقد وجدت إعلاناً في جريدة مصرية يطلب صيدلياً للعمل، ولم يشترط تقديراً معيناً للتخرج من كلية الصيدلة، وإنما اشترط أن يكون الصيدلي حاصلاً على ثانوية إنجليزية.. وقد اطلعت على نتيجة اختبار أجراه مهندس مصري كان يشغل وظيفة مرموقة في احد الدوائر الحكومية بالخليج العربي، ثم أجروا اختبارات لجميع الموظفين لإعادة التقييم، فحصل في اللغة الإنجليزية على مستوى مبتديء، وهو مستوى يعادل مستوى طالب في الصف الثاني الابتدائي. والمعنى أننا خسرنا العربية بحجة أن سوق العمل لا يحتاجها، ولم نكسب الإنجليزية لأننا لم نتعلمها بطريقة صحيحة، ولأنها ليست لغتنا الأم.

…….

قبل أكثر من عشر سنوات كتبت بحثاً مطولاً عن “صناعة البرمجيات العربية”، لعلي أنشر منه هنا فقرات فيما بعد عن مشكلة تعريب العلوم، وخلصت فيه إلى أن المشكلة ليست في اللغة وإنما في المتلاغين… ولا يمر يوم حتى يتأكد لي هذا المعنى..

قبل عدة أيام وقع بين يدي مقالة عن مستشرق أوروبي اسمه دي هامر جمع كل ما قاله العرب عن الجمل وشئونه، فجاء في 5644 لفظاً… فإذا عجلت الناقة للورد (مكان الماء) فهي “الميراد”، وإذا توجهت إلى الماء فهي “القارب”، وإذا كانت في أول الصف فهي “السلوف”، وإذا كانت في وسطه فهي “الدفون”.. وسألت نفسي: لو جمع دي هامر أو عبد الفتاح ما قاله العرب المعاصرون عن الطائرة وشئونها فكم ستكون الحصيلة. راجع ما تقوله موظفات الخدمة الأرضية في المطارات عن إقلاع وهبوط الطائرات، لتعرف حجم عجزنا عن التعبير؟!!

وقد جمع الفيروزآبادي صاحب القاموس المحيط عدداً من مترادفات الأسماء العربية في كتاب طريف أسماه: “الروض المسلوف فيما له اسمان إلى ألوف”.. وذكر فيه خمسمائة اسم للأسد ومائتي اسم للحية وثمانين اسماً للعسل.

والمسألة ليست مجرد جمع ترادفات مكررة معظمها مما هجره العرب في الاستخدام، وإنما هناك فروق لغوية دقيقة لا يعرفها إلا أهل اللغة والذوق. فمثلاُ: “قعد” غير “جلس”، والأفضل أن تستخدم قعد بعد قيام فتقول كان قائماً فقعد، وأن تستخدم جلس بعد اضطجاع فتقول: كان مضطجعاً فجلس. ولولا أن أشق عليكم لحدثتكم عن الفرق بين القلب واللب والفؤاد، وبين راح ومضى وذهب وانطلق، والفرق بين: الوجل والخوف والخشية والرهبة والخشوع والحذر، وكيف أن لكل منها مقاماً في علاقتنا بالله تعالى.

واللفظ العربي – بخلاف الألفاظ في اللغات الأخرى- معجز وهو يعبر بحروفه وطريقة نطقه عن أدق التفاصيل بما فيها المشاعر الإنسانية بما يجعلك متوحداً مع الكون في تناغم فريد… فصوت الإنسان الخفيض أو الخفي قد يكون همساً أو جرساً أو خشفة أو همشة أو وقشة. ولكل منها استخدامه في موضعه الخاص… ومن أجمل ما قرأت عن صوت الماء: أنه إذا جرى فهو خرير، وإذا كان تحت ورق أو قماش فهو قسيب، وإذا دخل في مضيق فهو فقيق، وإذا تردد في الجرة أو الكوز فهو بقبقة، وإذا استخرج شراباً من الآنية فهو قرقرة.

……

وفي مقابل ذلك فإن الترخص والابتذال الذي نجده في اللغة الإنجليزية المعاصرة يكاد يعود بها لتصبح مجرد قعقعة صوتية خالية من المعنى الدلالي كما كانت عليه اللغات في بداية نشأتها، ولعل ذلك يعود إلى أن سرعة إنتاج المصانع للمخترعات الحديثة أسرع بكثير من سرعة المتلاغين عن إيجاد الكلمة المناسبة للتعبير عن المنتج، فلم يتوقفوا أمام ذلك طويلاً. وفي مجال الحاسوب فإن القائمة تطول إذا رغبنا في حصر أمثلة هذا الترخص والابتذال بداية من  OKالتي لا تزال تمثل مشكلة لدى المعربين لبرمجيات، وحتى ويندوز وجوجول وياهو ودوت كوم … الخ.

وقد امتد هذا الترخص إلى لغتنا العربية، حتى في مجال الطعام… فعجز أصحاب المطاعم عن وضع أسماء مناسبة لما يقدمونه من تقاليع الطعام والشراب. فقد اطلعت على قائمة المأكولات في هذا المطعم الواقع على “تريء ألمتار”، ثم طلبت من النادلة (الجرسونة يعني) حسب القائمة أمامي: سندونش “فياجرا”، وعصير: “كان زمان”.

Advertisements