الوسوم

,

قضي الأمر الذي فيه تستفتيان

 

لا ندم من استخار، ولا خاب من استشار.

لا أعتقد أنني بحاجة لمزيد من الوقت لحسم أمري في مسألة الانضمام للحزب الوطني، ومعظم التعليقات التي وردتني على الإدراج أو علي بريدي الخاص تحمل توجها واضحاً عنوانه “إياك.. إياك”.. تعددت الأسباب والرفض واحد.

……

وحتى أولئك الذين رحبوا لمعرفتهم الشخصية بي، فعلوا ذلك باعتبار أن آخر الدواء الكي، أو باعتبار أن آمن شرهم أكثر من أن أحظى بودهم. وقالها المهندس أبو الحسن بطريقة: (الفكرة مقبولة: فلينضم 100 ألف واحد مرة واحدة، وعليهم أن يعملوا بجد لمدة عشر سنوات متصلة، والنتيجة في النهاية غير مضمونة)، وكأنه يقول: هذا القصر لك، فقط اكتب لي شيكاً بمائة مليون دولار. لا هو يملك القصر، ولا أنا أملك المبلغ ولا حتى دفتر شيكات.

…..

على أن المحاولة كانت مفيدة بما لا يحصى.. فمن الوسائل المعتمدة في البحث العلمي أن تضع فرضية مثل: (النساء البيض أكثر تعرضاً للسمنة من النساء السمر) أو (العمل في الأدوار المرتفعة يخفض الضغط)… وتظل تدرس لمدة 5 سنوات.. ثم تنتهي أن الفرضية خاطئة أو لا يمكن إثباتها… وتحصل على الدرجة العلمية بامتياز… وما يستفيده العلم والعالم من أن فرضية خاطئة لا يقل أهمية عن إثبات أن فرضية صحيحة. وقد وضعت فرضية أن (انضمام المخلصين للحزب الوطني سيصلح حال البلد)… والحمد لله أنني لم أكن في حاجة لأكثر من 5 أيام لإثبات خطئها… ليس هذا فحسب، بل وضع فرضية أخرى تقول: (لا إصلاح لحال البلد في وجود الحزب الوطني)… وهي فرضية ربما لا تحتاج لوقت طويل لاختبارها، حتى من دون أن تقرأ جرائد المعارضة، أو تزور عشوائيات اسطبل عنتر وعزبة خير الله في وسط القاهرة.

…..

وقد تعرفت لأول مرة على العديد من الألقاب اللطيفة للحزب الوطني… فهو الحزن الوثني (محمد غازي)، وهو السيرك الوطني والحذق الوطني (هدى صالح)،  والخزي الوطني (مجهول) ، وهو لا حزب ولا وطني ولا ديموقراطي (د. نادر الفرجاني)، وهو الساعة الصدئة (أحمد زكي)، وهو الكباريه (هيثم أبو خليل)، … والحق أني لست مع الإقذاع في الهجوم والتهكم، ولو أطلقت لنفسي العنان في هذا الباب في جمع ما تكتبه الصحف والمدونون لجمعت مجلداً كبيراً، وناقل الكفر ليس بكافر، ولكن الرسول صلى الله عليه وسلم علمنا حتى مع عظيم الاختلاف أن: ” أحبب حبيبك هونا ما عسى أن يكون عدوك يوما ما و ابغض عدوك هونا ما عسى أن يكون حبيبك يوما ما”.

…..

وقد أعجبتني تعليقات الفيل، وكان لها أكبر الأثر على قراري، خاصة فكرة العضو والاستمارة التي شرحها بوعي سياسي عميق . فهناك قرابة 3 ملايين استمارة عضوية حسب تصريحات مسئولي الحزب، ولكن هذه الاستمارات لا تتحول إلى شخوص حية أبداً. ولا أدري أن يمكن أن ألتقي بواحد من هؤلاء الملايين إذا كان الآلاف من المصريين الذين أعرفهم يفرون من الحزب وسيرته. وأين يمكن أن أجدهم حتى على الإنترنت؟!! إذا كان الفيس بوك ومكتوب وسائر المدونات مأوى وبؤرة للمعارضين والمندسين. ومن المفارقات العجيبة أن المنتمين إلى جماعة الإخوان المحظورة معروفون ومنتشرون، أما المنتمون إلى الحزب الوطني الحاكم فهم  أشباح، لا نراهم إلا عند الفتة في مؤتمر الحزب، وفي المحليات، ولجان انتخابات مجلس الشعب، وتليفزيون السيد أنس الفقي.

……..

ويبدو أن فكرة الحزبية بشكل عام هي فكرة استفزازية (على الأقل في مجتمعاتنا العربية) كما قالت سامية عبد المطلب… وأن احتياجات المواطن البسيط لحياة كريمة هي الأولى بالاهتمام كما قالت أم وسام، ومع ذلك فأنا أتمنى من منال لطفي أن تقبل العرض المقدم لها بترشيحها على قوائم الحزب الوطني على أحد مقاعد المرأة، وأنا أثق أن ذلك لن يجعلها تتخلى عن أي من مبادئها، وكم اشتقنا لصوت نسائي نزيه تحت القبة… وما أدعوها إليه يتشابه مع فعله الإخوان والوفد من تحالف قبل أكثر من عشرين عاماً، مع أن ما بينهما من صراع لا يخفى على متابع. ثم إن فكرة الحزب/ السلم التي أدعو منال إليها، تختلف عن فكرة الحزب/ البيت التي اقترحتها، وأفند الآن أسباب فشلها.

…….

و الحق أن فكرتي هذه تطورت من تجربة عائلية، فقد كان الوالد رحمه الله عضواً معارضاً في البرلمان في مجلس 84. وكان رجلاً مستقلاً نزيهاً شجاعاً… وقد رأيت بنفسي أن أنصاره بعد أن يشتد بهم الإعياء بعد جولة انتخابية مرهقة… يسرون إليه: “مش كنت تدخل وطني وتريحنا”، وبعد أن نجح في الانتخابات، ودفع الناس ثمن ذلك تضييقاً عليهم في منح مراكز الشباب، وميزانية الصرف الصحي، واعتمادات المدارس… ورغم أنهم ابتكروا وسائل رائعة عادت عليهم بأضعاف ما انتظروه من الحكومة ولم يأت… إلا أنهم كانوا يقولون لأنفسهم وقد احتلت مركبات الأمن المركزي مداخل القرية ومخارجها، وأصدروا أوامرهم بمنع التجول بعد السادسة مساء.. “كل ده كان ليه؟!!”، وفي المقابل فإن السيد رفعت المحجوب وغيره من أقطاب الحزب الحاكم عرض عروضاً مغرية من وكالة الأزهر إلى رئاسة جامعته مقابل استمارة عضوية، بل إن الشيخ محمد الغزالي والأستاذ عمر التلمساني والشيخ صلاح أبو إسماعيل حثوا الوالد على القبول، ولكنه لم يستطع اتخاذ القرار… قلت لنفسي: المخاطرة التي لم يستطعها الشيخ لحرج موقفه، ربما استطاعها الابن الأكثر مرونة… ولكن الوضع الآن أسوأ… وأرجو أن يعيش الحفيد في زمن ليس فيه حزب وطني، حتى لا يقع في نفس الورطة.

………..

ومع ذلك فالحزب الوطني ليس شراً كله… فهو من جهة عامل الحث الاستفزازي للوطنيين، ومن جهة أخرى فقد نجح بعض أفراده في تحقيق مصالح ميدانية لمجتمعاتهم المحلية. لكن هذه الأعمال لا تغير من حقيقة الأمر، فعلى رأي صافي ناز كاظم: إن الطرق والكباري التي أنشأها اللورد كرومر أكثر من تلك التي أنشأها جمال عبد الناصر، ومع ذلك فلا يمكن أن نصوت للمحتل ضد الرئيس الوطني.. وقد بالغ بعضهم فأرسل لي قائلاً: إن السيدة ليفني لو حكمت مصر لأدارتها أفضل من أحمد نظيف… وأعتقد أننا نكون أكثر إنصافاً لو قلنا: إن السيدة ليفني ترعى مصالح إسرائيل أكثر مما يرعى نظيف مصالح لمصر، لا لشيء إلا لأن ليفني انتخبها الشعب، ونظيف عينه ابن الرئيس.

……..

وبمناسبة الاحتلال فقد أعجبني تحليل أرسله لي بعض الإخوة سمى فيه الحكم الحالي بأنه |“الاحتلال الوطني” وهو المرحلة التي تلت “الاحتلال الاستعماري”…

وهو معنى نبهني إلى ثلاثة أخطاء جوهرية التي وقعت فيها في وأنا أطرح مشروعي بالانضمام، حين تصورت أن البراجماتية يمكن أن تنتصر على المباديء، وأنه لا بأس من بعض التنازلات لتحقيق الهدف..

وإذا كان ثمة دروس مستفادة من هذا البحث النظري، والحمد لله أنه لم يكن عملياً، فهي ما يلي:

الشرعية لا تتحقق بالتقادم:

الحزب الوطني يفتقد إلى شرعية حقيقية… شرعية نشأة وشرعية استمرار وشرعية تمثيل للأغلبية. ولا أود أن أدخل في مساجلات تاريخية حول كيفية نشأته تحولاً من “حزب مصر” بقرار رئاسي من الرئيس أنور السادات… وتوقيت هذا القرار قبل شهور من توقيع اتفاقية كامب ديفيد. غير أني أود تذكير الناس بما كادوا ينسونه من أن القيمة الأخلاقية للشرعية ستظل قائمة رغم المحاولات العالمية المستمرة لتغيير خريطة العالم، ومحو الأصول، والاحتكام إلى الإنجاز والمال وحدهما.

 إن الافتقاد إلى الشرعية يسحب من الرصيد أي إنجاز.. ولو أجرى أحدهم عشرات العمليات الجراحية الناجحة فيسظل في نظر القانون مجرماً إذا كانت شهادة تخرجه من كلية الطب مزورة. وقد استقر في أحكام الفقه الإسلامي أنه لا تجوز الصلاة في مسجد بني على أرض مغتصبة،  وفي حديث الترمذي: “من زرع في أرض قوم بغير إذنهم، فليس له من الزرع شيء وله نفقته”… وأظن أن ما يفعله الحزب الوطني في مصر هو زرع في أرض المصريين بغير إذنهم، وعليه فليس له من الغنم شيء، أما الغرم فيتحمل وزره وحده.

وسيبقى أي حديث عن شرعية الحزب في تمثيل المصريين وهماً ولو ردده كبار رجال الحزب صباح مساء، حتى يقر المجتمع المصري بأن ممثليه في البرلمان وصلوا بانتخابات حرة نزيهة.

……..

معايير التصعيد لا تتضمن الكفاءة:

و لا أدري كيف غاب عني أن معايير التصعيد في المراتب القيادية بالحزب تستلزم توفر شروط وصفات وقدرات ومواهب من النفاق والرياء وغض الطرف وبذل ماء الوجه لا أملك أياً منها… وقد راقت لي فكرة الانتخابات الداخلية داخل الوحدات الحزبية بديلاً للتصعيد بالاختيار من أعلي. ثم أفقت على حقيقة أن الناخبين – وهم القاعدة العريضة للحزب- لم يدخلوه للسبب الذي أردت دخوله من أجله… وبالتالي فأنا – وأمثالي- لا أعبر عن مصالحهم… ثم إن قيادة الحزب الحازمة التي تقود نوابه المحترمين في البرلمان نظرة عين وزغرة حنجرة فيصوتون بالإجماع ضد مصالحهم الشخصية ومصالح دوائرهم… لن تعدم وسيلة للضغط أو الإغواء على قواعد الحزب في لجنة الثلاثين والعشرين والخمسين… والمائتي ألف.

وقد نبهني مجهول (أعرفه) في تعليقه أن الحزب لا يبحث عن كارت رابح يلعب به، وإنما يبحث عن مزيد من الكروت المحروقة ليكون الكارت الحالي هو الأفضل.. وقال: إن كوتشينة الحزب ليس بها ولد وملكة، وإنما شايب!! وعيل!

…….

الله غالب على أمره:

نعم إن احتكار الحزب الوطني للسلطة هو قدر إلهي.. ونعم إن قبول الأقدار والرضا بها فرض.. ولكن من قال إن قبول قدر المرض يعني التوقف عن العلاج، وقبول قدر الزلزال يعني عدم إزالة الأنقاض؟!!

إنني أعترف أنني وقعت في خلط بين مفهومي “القدر” و “المصير”. الحزب الوطني قدر، مثله مثل: الكيان الصهيوني، ومعتقل جوانتانمو وحكم جورج بوش وتنظيم القاعدة وغرق عبارة السلام وحريق مجلس الشورى.. هو قدر بمعنى أنه كان لابد أن يحدث بأمر الله وتدبيره في وقت من الأوقات لحكمة يعلمنها الله. وعلينا قبوله والرضا به بهذا المعنى. ولكن ليس بمعنى أنه واقع نهائي وأمر دائم وحدث مستمر.

كان من قدر الله على مصر أن يختبرها بالحزب الوطني في فترة من فتراتها… ولا أظن أن الله العليم الحكيم الرحيم بعباده قد حكم على مصر بأن يكون هذا هو “مصيرها”… إلا إذا قرر المصريون ذلك… ولا أظنهم يفعلون.

……..

وبعــــــــــــــــــد..

فإن الملف لم ينته بعد… وإنما فقط قلبنا صفحته الأولى…

ذلك أن أشواق التغيير أقوى من معوقاته.. وحال الحزب الوطني أضعف من أن يصمد أمام جهود الإنقاذ المتعاقبة…

وقد تلقيت في الأيام الماضية رسالة من جهة مجهولة.. تطلق على نفسها اسم “حراس المحروسة”.. ولا أدري إن كانت الرسالة تعقيباً على هذا الموضوع أم مجرد مصادفة…

كل ما أستطيع قوله الآن هو أن ما جاء بالرسالة خطير…

وأعدكم… فور أن تتضح لي الأمور بصورة أكبر أن أشارككم فيها…

فإلى لقاء قريب…

حفظكم الله من كل مكروه وسوء.

 

 

Advertisements