الوسوم

في الهند:

ترجل المستثمر الأجنبي من سيارته الفاخرة في القرية الهندية النائية، جال ببصره بسرعة ولمح عشرات القرود فوق الأشجار وعلى أسطح العشش الفقيرة. تفرس في جموع الشباب الذين التفوا حوله، واختار منهم ممثلاً له يجيد الإنجليزية ومهارات الخطابة والتفاوض.

ولأن وقت الرجل محدود، فقد دخل في الموضوع مباشرة، وعرض عليهم أن يشتري منهم كل قرد ب 10 دولارات. سرعان ما تسابق أهل القرية في جمع القرود وتسليمها للمستثمر الذي بني قفصاً لتجميع القرود. في اليوم التالي عرض على أهل القرية 20 دولاراً سعراً لكل قرد… كانت المهمة أصعب لكن أهل القرية نجحوا في جميع المزيد، حتى كادت القرود أن تختفي من القرية. في اليوم الثالث عرض عليهم 30 دولاراً ثمناً لكل قرد… سال لعاب القرويين، وتسابقوا لجمع المزيد… حتى أنهم لم يدعوا في القرية ولا في القرى المجاورة قرداً إلا أحضروه… وباتت القرية فعلاً خالية من القرود، بينما امتلاً القفص عن آخره.. في اليوم الرابع عرض عليهم المستثمر 50 دولاراً ثمناُ لكل قرد، وأعطاهم فرصة حتى صباح اليوم التالي قبل أن يجمع القرود ويرحل… ووقع الأهالي في حيرة، فكل القرود في القفص، ولا يوجد قرد واحد في الجوار… في منتصف النهار غادر المستثمر القرية لمهمة عاجلة وعهد لمساعده بمهمة استلام القرود الجديدة، ودفع ثمن القرود الجديدة الأهالي ونقل القرود إلى مخازن المستثمر… مرت الساعات وفشل الأهالي في العثور على أي قرد… ومع العصر عرض عليهم المساعد عرضاً مغرياً… أن يبيع لهم من القرود التي لديه في القفص بسعر 35 دولارً… على أن يشتريه منهم صباح اليوم التالي ب 50 دولاراً… كانت الصفقة جيدة… وتسابق الأهالي في جمع كل ما لديهم من قرود، واستدانوا من جيرانهم في القرى المجاورة…. وتمكنوا من شراء القرود جميعاً ودفعوا للرجل ثمنها تغمرهم سعادة غامرة… على أن يقوموا بإعادة بيعها للمستثمر صباح اليوم التالي ويحصلوا على الفرق.

مع أذان الفجر توجه الأهالي إلى منزل قريبهم المساعد… طرقوا الباب لفترة طويلة… لم يرد أحد، كسروا الباب… ولم يكن أحد في المنزل… لا وجود للمستثمر ولا لمساعده، قفص القرود خال… وجيوبهم خاوية… ولا شيء يملأ الأفق سوى القرود.

 

في مصر:

ترجل المستثمر الأجنبي من سيارته الفارهة في القرية المصرية الواقعة قرب نهر النيل، جال ببصره بسرعة، ولمح الفقر يلف المكان… وقبل أن يغادر المكان تقدم إليه شاب مصري مثقف وسيم يجيد الإنجليزية، وعرض عليه المساعدة.. عينه المستثمر مساعداً له، ومكث طول نهاره يجوب المكان… دون أن يعثر على غايته.

عند الظهر عرف المستثمر من مساعده أن أهل القرية يسقون أرضهم من الترعة الممتدة إليهم من نهر النيل… سأله المستثمر ببلاهة مصطنعة عن صاحبها… فقال المساعد: لا صاحب لها… ثم استدرك: أعني هي لنا جميعاً. فقال له المستثمر في استغراب متكلف: هذا كلام لا معنى له، لا يوجد شيء في العالم الحديث اسمه: هي لنا جميعاً… وطلب من الشاب أن يجمع له الأهالي في مركز الشباب بعد صلاة العشاء، فقد جهز لهم مفاجأة سارة.

هناك عرض عليهم المستثمر المشورة الفنية.. ووضع على الطاولة مجموعة من الأوراق قال لهم: هذه صكوك ملكية الترعة… قيمة الصك 100 جنيه، سأوزعها عليكم مجاناً حسب عدد الأسر، وذلك حتى يمكنكم أن تديروا أصولكم بشكل أفضل.. وطلب منهم أن يعدوا بيانات عن أسرهم حتى يكون التوزيع عادلاً… ولم ينس أن يؤكد لهم أن هذه المساعدة لوجه الله.

سهر الأهالي طوال الليالي في حصر أعداد الأسر بما فيهم الأطفال والمسافرين… وعند الصباح كان لديهم القائمة كاملة… والمتفق عليها بين الأهالي… تم توزيع الصكوك المطبوعة بعدالة ونزاهة… ثم غادرهم على أن يعاود زيارتهم بعد شهر.

حين عاد للمرة الثانية سألهم عن حالهم، فقالوا له: لا جديد، سألهم عما فعلوه بالصكوك فقالوا: نحتفظ بها في خزائن ملابسنا… فتعجب لكسلهم، وقال لهم… هذه الصكوك ثروة… فلماذا لا تستغلونها… وقال لهم بيعوها لبعضكم البعض إذا أردتم سيولة… ولا تدخلوا غريباً بينكم.. فنظروا إلى أنفسهم في حيرة… كيف فاتتهم هذه البديهية البسيطة.. غادرهم على أن يعاود زيارتهم بعد شهر..

خلال هذا الشهر حدثت حركة تعاملات كثيفة بين مالكي الصكوك… بعضهم باعها بأكثر من 120 جنيهاً، وآخرون باعوها بأقل من 90 جنيهاً بسبب احتياجهم… حين عاد بعد شهر توجه لرؤؤس العائلات الكبيرة وقال لهم: ماذا فعلتم بصكوكم… قالوا اشترينا المزيد، ولدينا الآن حصة أكبر… فسألهم ماذا فعلوا بها … قالوا: لا شيء… فنبههم أنهم بإمكانهم بفضل حصتهم الأكبر من الصكوك أن يحصلوا على امتيازات أكبر من توزيع المياه… وسرعان ما بدأوا في تطبيقها… غادرهم على أن يعود لزيارتهم بعد شهر.

خلال هذا الشهر حدثت مناوشات كثيرة بين أصحاب الصكوك، ومن باعوها… وتطورت إلى احتكاكات عنيفة… نصحهم مساعد المستثمر بالانتظار حتى يعود المستثمر ومعه حل لهذه المشكلة… عاد المستثمر فتوجه الناس إليه يبحثون عن استشارته، فقال لهم: العدل يقتضي أن من لا يملك صكاً لا حق له في استخدام المياه لأرضه… وأوعز لهم مساعده أنه يمكن أن يقرضهم لشراء صكوك أخرى… بدا لهم هذا الحل كقارب نجاة، أخرج من حقيبته عدداً من الصكوك المطبوعة، باع لهم الصك بمائة وخمسين جنيهاً… تمكن البعض من الشراء وعجز آخرون.. لكن الرجل كان كريماً فلم يحرم من عجز من الصكوك.. على أن يكتبوا له إيصالات أمانة غادرهم على أن يعود بعد شهر.

حين عاد للمرة الثانية… توجه إلى كبار ملاك الصكوك، وقال لهم: إن امتلاككم للمزيد من الصكوك لم يجر عليكم سوى المشاكل، وأن صغار الفلاحين يمكن أن يثوروا عليكم ولن تستطيعون دفعهم… وتتجاوز تكلفة حمايتكم ثمن الصكوك بمراحل. ثم أوعز لهم مساعده أنه يمكن أن يقنع المستثمر المشغول بأن يشتري منهم الصك بثلاثمائة جنيه دفعة واحدة، ولكن هذا العرض مدته محدودة…. قبل نهاية الموعد المحدد كان أكثر من 80% من كبار ملاك الصكوك قد باعوا صكوكهم وكسبوا الفرق، بينما أحجم الآخرون الأكثر ذكاء… باعتبار أن سعر الصكوك في زيادة مستمرة. وفعل الشيء نفسه كل صغار الملاك الذين اشتروا صكوكهم ب 150 جنيهاً من شهر، وباعوها الآن بثلاثمائة جنيه، فكسبوا 150 جنيها للصك في شهر واحد… غادر الرجل القرية وفي يده 80% من الصكوك… وغاب عنهم لمدة عدة أشهر.. يستمتعون بالماء كما يرغبون.

عاد الرجل هذه المرة ومعه 5 حراس (بلطجية)، سرعان ما أصبحوا 50 بعد أن عين لديه عدداً من الذين فقدوا صكوكهم… وجمع أهل القرية في مركز الشباب بعد صلاة العشاء، وقال لهم – وسط حراسه-: أيها الأصدقاء… جاء وقت الحساب، والحساب كما تقولون (ما بيزعلش).. أنا أملك الآن 80 % من الترعة، وقد تركتكم لعدة أشهر لاستخدام مياهي دون أن أطلب أجراً… لن أحاسبكم على ما فات… الآن أنا أعرض عليكم عرضاً محدداً….إما  أن تشتروا مني صكوك الترعة.. وأنا أبيع الصك اليوم ب 5000 جنيه، أو تدفعوا إيجاراً لاستخدام مياهها، وهو مائة جنيه في الشهر لكل صك… جنون جنون الحاضرين، وكالوا له السباب والشتائم، ولولا الحرس لفتكوا به… وخرج من بين الجموع شاب جرييء… وقال له: يا خواجة… لا تنس نفسك… إذا كنت تملك الترعة، فأنت لا تملك ماءها… فالماء لا يأتي من بيت أبيك أو أمك… الماء يأتينا من نهر النيل.

هنا أشار المستثمر إلى مساعده، فأحضر حقيبته… وأخرج منها المستثمر ورقة خضراء كبيرة… رفعها أمام الجميع… وقال لهم: اقرأوا…

قرأ الجميع في ذهول: عقد بيع نهائي مسجل…. موضوع البيع: نهر النيل.

…….

 

Advertisements