الوسوم

هل سيحج هذا العام 1429 هـ مليونان؟ هل هم ثلاثة ملايين؟

 حتى لو كانوا مائة مليون، فهذا لا يمنع أن يكون لدينا مائة مليون تجربة حج مختلفة. وهذه الخصوصية تجعلنا أمام أكثر اللوحات إبداعاً وتفرداً طوال العام.

اختلاف التجارب سببه اختلاف الجنسيات والأجناس والأعراق واللغات والأعمار، لكن سببه الأكبر هو اختلاف المواجيد، أو اختلاف الحالات الشعورية للحجاج، وكما قال ابن عمر ما أكثر الركاب، لكن الحاج قليل. أو كما ورد في رواية عن أنس بن مالك: يأتي على الناس زمان يحج أغنياء الناس للنزهة وأوساطهم للتجارة وقراؤهم للرياء والسمعة وفقراؤهم للمسألة.

إذا كنت حاجاً… انتبه: من أي نوع سيكون حجك؟ ربما لا يكون المرء مؤهلاً للحكم على نفسه، لكن لا بأس أن نظن بربنا خيراً. أما أنك سترى في رحلتك للحج الأنواع الأربعة الواردة في رواية الإمام أنس، فيؤسفني أن أقول: نعم ستراهم هناك، بل وسترى ما هو أسوأ. 

وإن لم تكن حاجاً… فاغتنم فضل الأيام العشر صياماً وقياماً وبراً. وعش مشاعر الحجاج فربما نلت بعضاً من بركتهم، وفي الحديث أن القاعدين في المدينة من أهل الأعذار شاركوا الأجر أصحاب غزوة مؤتة في معاناتهم الشديدة، لأنه لم يمنعهم إلا العذر، فلا تحرم نفسك الفضل والأجر والثواب.

*******

يقال إن الإمام أبا حنيفة كان يراوده تردد في تحديد أفضل العبادات الإسلامية.. وعندما حج  أيقن أن الحج هو أكمل العبادات.. والحج هو العبادة الكاملة ليس فقط باعتبار كونه عبادة مالية وبدنية، بخلاف الصلاة والصوم (عبادة بدنية) والزكاة (عبادة مالية)، وإنما باعتبار طول مدته واتصالها، وشدة مشقته، وتنوع مناسكه، وعظم نفقاته، وتعدد اختباراته النفسية والقلبية والسلوكية.

والحج هو عبادة التحقق والتمثل. وما أكثر ادعاءات الناس، وما أكثر افتضاحهم عند المواجهة.

كلنا يدعي عبوديته لله تعالى. هناك فقط ستتحقق من صدق وقدر هذا الادعاء. حين تنحر إسماعيلك، هذا الذي يحتل جزءاً من قلبك الذي ينبغي أن يكون ممتلئاً بحب الله وحده. ترى أي إسماعيل ستسعى أن تذبح: العمل..المال.. النساء.. الطمع.. الحسد..السلطة..الأولاد..الكبر..طول الأمل.. وكيف ستتحقق من أن الله افتدى إسماعيلك؟ وقبل هديك؟

كلنا يدعي حب الرسول صلى الله عليه وسلم. هناك فقط ستتحقق من قدر هذا الحب ودرجته. ولدى الحاج فرصة – يدركها بعضهم وتفوت أكثرهم- من أن يتحقق ويتمثل سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم، هنا سار، وهنا سمع أبو هريرة الحديث، وتحت هذه الاسطوانة كان يتنفل، ومن هنا هجم خالد بن الوليد على الرماة يوم أحدـ وفوق هذا التل قال الرسول لأهله: إني رسول الله لكم بين يدي عذاب قريب، وأمام هذا الباب قال لهم اذهبوا فأنتم الطلقاء. وهنا صلى إلى بيت المقدس قبل أن تتحول القبلة إلى الكعبة المشرفة..

كلنا يدعي عداوته للشيطان. هناك فقط سيتمثل لك إبليس فترجمه بيديك، وتلعنه وجهاً لوجه، وتتذكر به كل شياطينك وترجمهم. تذكر شياطينك وكيف احتقرتهم وأهنتهم، افعل ذلك هناك.. وافعله دائماً بعد أن تعود. إذا صافحت الحجر الأسود فأنت صافحت قطعة من الجنة، فلا تجعل هذا اليد المباركة تمتد إلى حرام، أو تبطش بضعيف أو تعدي على مسكين. وإذا حلقت رأسك، وكنس الحلاق شعرك، فتذكر أن تكنس أنت أيضأ من قلبك كل عداوة لمؤمن، وكل تعلق بحرام، وكل ميل إلى هوى… وكما صار رأسك أملس خالياً من الشعر اجعل قلبك نقياً خالياً من الكراهية.

كلنا يدعي أنه أفضل أخ لإخوانه.. هناك فقط ستعاملهم بغير رتوش، وستكتشف طبيعة علاقتك معهم من عرفت منهم ومن لم تعرف. لا تضيع فرصتك في عرفات وتنفر منها دون أن تعرف حقيقة نفسك، وأن الله قد اطلع على سريرتك وقبض على صحيفتك، ولا تنس ذا وقفت بجبل الرحمة أن تدعو الله أن يرحم كل مؤمن ومؤمنة، ولا تنس وأنت في منى أن تؤمن الناس من اعتداءات لسانك وقلبك ويدك. وكلما ارتويت من زمزم ودعوت دعاء الزيادة في العلم والرزق والصحة، تذكر أن تروي قلبك بكل أشربة الطاعة والقرب والصفاء.

*******

الحج يستخرج أفضل ما فيك، ويستخرج أسوأ ما فيك..

فالطاقات التي ظهرت ومكنتك من أداء المناسك على صعوبتها لم تكن لتظهر سوى في الحج. والمواهب التي ساعدتك على الدعاء وعلى العبادة وعلى الصدقة وعلى الصبر وعلى حلو الحديث لا تبرزها سوى رحلة الحج…

وفي المقابل فإن ما بقي منك مما لم تستطع دفعه ولا إخفاءه ولا مغالبته – رغم هذه الطاقة الروحية الخاصة-  من شوائب الغيبة أو الغضب أو الكبر أو المكر أو الحقد أو الحسد أو الخبث واللؤم أو سوء الطوية أو الطمع أو سوء الخلق..هو خلاصة عيوبك فانتبه لها.

هذه المساوئ التي تظهر من الحاج ويلحظها منه إخوانه.. في هذا الجو الروحي الخالص لاشك أنها متمكنة من قلب من ظهرت عليه.. وهذا إنذار واضح له بضرورة أن يواجهها بقدر أكبر من الحسم والاستعانة بالله عز وجل. وإلا فإذا كان هذا شأنها معه وشأنه معها وهو في أيام الله وعلى أرض الله وفي بيت الله، فكيف بها معه حين يعود إلى ممارسة حياته اليومية في بلده وبين أهله وجيرانه.

*******

والحج عبادة متكاملة يوفر وقتها الممتد لأيام لمن وفقه الله لأدائها أن يجمع معها كل العبادات الأخرى، فيقوم الليل، ويصوم النهار  (في غير يوم عرفة)، ويتصدق بأكبر قدر يستطيعه، ويكثر من الذكر والدعاء والتهليل والتحميد والتكبير والتسبيح والاستغفار والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم. وصلة الرحم – ما ظنك بمكالمة تليفونية إلى عمتك وأنت بجوار الحرم- والإحسان إلى جيرانه من رفقاء رحلته، والكرم والسخاء وحلو العشرة وطيب الكلام والإسٍراع في الخدمة والمروءة وبذل المعروف، والتعاون على البر والتقوى ومساعدة الضعفاء..وغير ذلك من أعمال البر والإحسان مما تضطره إليها ظروف الرحلة وتخرج منه في أنقى صورة وأبعدها عن الرياء والنفاق.

وهكذا يرفع حجه إلى الله تعالى مكللاً بباقة من الفضائل التي حث عليها الشرع فتكون حجته أدعى إلى القبول ورجاؤه في المغفرة أقرب إلى الاستجابة. وخاسر من يحرم نفسه من أدنى فرصة من هذه الفرص العظيمة الخاصة المتميزة.

الحج هو التجربة التي تمكنك من التمييز بعمق بين قيم الإسلام ومبادئه وبين عادات المسلمين التي يلح بعض الدعاة على تقميص (من إلباس القميص عنوة) من يعتنق الإسلام بها، مع تخليهم عن جوهر الدين وروحه ومقومات عزه ونهضته.

و فوائد الحج والوقوف على أسراره ليست بضاعة تؤول ملكيتها لمن دفع أكثر. أو قل إن ثمنها ليس فقط في التكاليف المادية والمشقة البدنية، بحيث يحصل عليها كل حاج بالضرورة.. إن الجزء الأكبر من ثمنها في قلب الحاج نفسه.. والحاج حتى بعد أن يعود من حجه لا يعلم إن كان يملك الثمن وإن كان دفعه، أم أنه عاد من تجارته مع ربه بغير بضاعة وبغير رأس مال.  

ومن لم يضبط موجة قلبه لاستقبال الفيوضات الإلهية.. فقد المناجاة.. وما قيمة المذياع إذا كانت الكهرباء مقطوعة، أو كانت الموجة غير الموجة. وما قيمة النبع، إذا انعدم الدلاء.

*******

في الحج ستسمع كثيراً كلمة السنة و البدعة، وستتحقق من معناهما بعيداّ عن التنظير، وفيه ستتحقق من معنى التشدد والترخص والتيسير، وسيكون بمقدورك أن تختار لنفسك أي الطريقين تسلك، وفيه ستتحقق من الفروق العملية بين الصوفية والسلفيين، ولا زال الرأي فيهما: أن يتسلف التصوف وأن تتصوف السلفية، وفي الحج ستتحقق من صدق التعلق بالله وليس بالرموز.

وسيبقى كل حديث عن مكارم الأخلاق ومساوئها نظرياً خالياً من العمق والقيمة بعيداً عن تجربة الحج.

وسيبقى كل حديث عن اليقين بالله والتوكل عليه أقرب إلى الادعاء الذي تنقصه البينة، حتى يثبت أو ينتفي في الحج.. فهنا كل الحسابات تفسد، وكل الخطط تفشل، وكل الترتيبات تتم وفق ما أراد الله لا ما أراد الحاسبون والمخططون والمرتبون. فمن أراد المبيت يجد نفسه بكر، ومن خطط التبكير تأخر، ومن رتب أن يطوف نهاراً تأخر حتى العصر، ومن خطط أن يرمي نهاراً اضطر أن يرمي ليلاً. والصحيح القوي أقعده المرض، والغلام الضعيف حرسته رعاية الله، وهكذا.. وكأن الله يقول لعباده: اختاروا ألا تختاروا.. ففي التسليم الرضا والسعادة.

تقبل الله حج كل حاج.. وهدانا وإياكم إلى نعمة القرب منه تعالى، وأكرمنا وإياكم بلذة النظر إلى وجهه الكريم..

وإذ تأذن ربكم لئن شكرتم لأزيدنكم .. ولئن كفرتم إن عذابي لشديد

وكل عام …أنتم بخير.

Advertisements