الوسوم

من هنا نفهم. هذه قراءة خاصة في تاريخ المد الإسلامي الحديث ومستقبله مع التركيز على مصر، وفيها تلخيص لأكثر من ثلاثمائة مرجع ومصدر عن هذه الفترة التاريخية… كتبتها ليعود إليها الفتيان والفتيات ليتعرفوا بشكل مبسط ومكثف على تاريخ الدعوة والحركة الإسلامية المعاصرة على مدار قرن كامل، وفيها تحليلات ووقائع وشخصيات لم تأخذ حقها من النشر والرواج.

ولن تجد لسنة الله تبديلاً

والتفسير الذي يغلب كل تفسير هو أن هذا المد الإسلامي الجارف هو أحد معالم “سنن الله الكونية”، وأن أي محاولات ساذجة لتجفيف المنابع أو القضاء على الإسلام وما يستلزم ذلك من ميزانيات بالمليارات تم رصدها بالفعل، سيكون مآلها كما قال تعالى: “فسينفقونها ثم تكون عليهم حسرة ثم يغلبون”. لأن دين الله باق، والإسلام لا يموت والأمة تمرض أو تشيخ لكنها سرعان ما تتعافى إذا تناولت الدواء، أو كما في حالتنا: “أجرت الجراحة”، وهي في سبيلها الآن لأن تفعل.

وبالرغم من أن الظاهرة شملت كل دول العالم الإسلامي بغير استثناء وحيد من أندونيسيا وماليزيا حتى المغرب وموريتانيا، بحيث لم يعد يمكن التمييز مع انتشارها بين قلب وأطراف… وبالرغم من عالميتها التي هي نتيجة منطقية لعالمية هذا الدين، إلا أنه ظلت لكل تجربة خصوصيتها في البلد الذي نشأت فيه، لأن تطورها كما يرتبط بسماوية مرجعيتها، فهو أيضاً يرتبط بالطبيعة السكانية والسياسية والاجتماعية للبيئة التي يتحرك خلالها.

وهذا التنوع يؤكد صلاحية هذا الدين لتمثيل أعراق مختلفة، وأوضاع اجتماعية متباينة، وحماية المنتسبين إليه من تباين الظروف السياسية من دكتاتورية غاشمة إلى حريات سياسية علمانية. وفي كل الأحيان فإن مرور الزمن لا يؤكد أن الحركة الإسلامية لا تزال تتنفس فحسب، وإنما هي أيضاً تتحرك وتنتشر، وتكتسب كل يوم أعضاء وحلفاء ومراقبين، كما تكتسب بالضرورة حفنة من الأعداء والمتربصين.

و تخطئ أية قراءة لتاريخ الحركات الإسلامية في العالم، وفي مصر تحديداً إذا حاولت أن تختزلها في تيار بعينه أو جماعة بذاتها... ويصبح الخطأ أشد إذا تم هذا الربط باسم علم من الأعلام أو شيخ من الشيوخ أو قيادي من القيادات.

ويظل للقيادات التاريخية دورها في إحداث الاتزان، وفي التوجيه والتأثير على مستوى السياسات العامة وعلى مستوى القرارات التكتيكية، فهم يحددون متى تصخب المواجهة ومتى نخفف العيار، وهم يقررون – إذا ضاقوا من أمر- هل يصخبون بالإنكارأم يستترون بالاستنكار.

ومع ذلك فإنه من الخطأ الظن باستئثار أحدهم بمكانة الزعيم الأوحد أو القائد الأعلى على مالهم جميعاً من حكمة وفضل. ولست أدري هل كان ذلك لصالح العمل الإسلامي أم كان ضده؟ أغلب الظن أنه كان لصالحه.. وأن العمل الإسلامي لازال حتى هذه اللحظة في حاجة إلى هذا التعدد في الروافد حتى يضمن بقاءه وغناه، أما قولبته في شكل بعينه فمن شأنه أن يسهل أمر محاصرته والتنكيل به.

******

من قرنين وأكثر

من الصعب التأريخ لبدايات “عودة التوجه الإسلامي” للعمل السياسي والاجتماعي في مصر في العصر الحديث، خاصة وقد كانت مصر ترزح تحت وطأة الاحتلال الإنجليزي (1882) والانتماء العثماني (1518)، وكانت النخب المصرية مترددة بين الاستسلام للثقافة الغربية وما تحمله من آفاق نهضوية مغرية بحكم التقليد، وبين التسليم بواقع الولاء لدولة الخلافة على ما فيها من ضعف وجمود.

وما أشبه الليلة بالبارحة، إذ على الأمة أن تختار اليوم بين خيارين أحلاهما مر، بين أن تستسلم لحكم أصحاب الدكتاتوريات الغاشمة، أو أن ترضى بمشروع الإصلاح الكبير الذي تروج له أمريكا راعية الإصلاح في العالم.

ومن المهم تصحيح المفهوم المغلوط الذي تبناه بغير وعي كثير من الكتاب – بما فيهم الإسلاميين- من أن الحركة الإسلامية الحديثة هي حركة طارئة، ودعوتها إلى تطبيق شرع الله والاحتكام إلى تعاليمه هي دعوة جديدة على الشعوب العربية.

فالصحيح أن الاتجاه الإسلامي –ولا شيء سواه- ظل يسود على مسرح الحياة الفكرية والسياسية والاجتماعية في مصر، منذ دخل عمرو بن العاص مصر فاتحاً، وظل كذلك بغير منازع حتى دخلت خيل نابليون الأزهر (1798). وحين خرجت القوات الفرنسية (1801) تركت خلفها بذور الفكر القومي الذي غذته النخب المبتعثة إلى أوروبا، وتبناه الحكام الإقليميون ذوو النزعات الاستقلالية، وتغاضت عنه الشعوب التي كانت بالكاد تكافح لتضمن “رغيف” يومها، و”هدوم” عيالها، و”علف” بهائمها.

ويعتبر رفاعة الطهطاوي (1801-1873) أبا الديمقراطية المصرية حسب وصف لويس عوض، وذلك أن الشيخ الأزهري الذي ولد عام خروج الفرنسيين توجه إلى فرنسا إماما مرافقا  لفرقة عسكرية أرسلها محمد علي إلى هناك للتعلم والتدريب، فأتقن اللغة الفرنسية ودرس الفلسفة اليونانية والجغرافيا والمنطق، وقرأ مؤلفات فولتير وروسو. وألف في عام 1834 كتاباً بعنوان “تخليص الإبريز إلى تلخيص باريز” دون فيه مشاهداته حول عادات ومسالك أهل فرنسا، وأبدى إعجاباً واضحاً بالأمة الفرنسية لدفاعها عن الديمقراطية من خلال ثورة 1830 ضد الملك تشارل العاشر. وحرص الطهطاوي على إثبات أن النظام الديمقراطي الذي شهده في فرنسا هو تطبيق راق لتعاليم الإسلامي ومبادئه.

وعلى بعد آلاف الأميال وفي نفس التوقيت تقريباً كان خير الدين التونسي يقوم في تونس بدور مشابه، وذلك من خلال كتابه الذي أصدره عام 1827 وأسماه “أقوم المسالك في تقويم الممالك”، وهو كتاب توجه به إلى السياسيين والعلماء باعتباره خطة شاملة للإصلاح، وذلك عن طريق إنهاء الحكم المطلق المضطهد للشعوب والمدمر للحضارات، ثم الانفتاح على تعليم الفنون والعلوم الحديثة ضمن إطار القيم الإسلامية.

(رحلتنا مستمرة……)

Advertisements