الوسوم

من هنا نفهم. هذه قراءة خاصة في تاريخ المد الإسلامي الحديث ومستقبله مع التركيز على مصر، وفيها تلخيص لأكثر من ثلاثمائة مرجع ومصدر عن هذه الفترة التاريخية… كتبتها ليعود إليها الفتيان والفتيان ليتعرفوا بشكل مبسط ومكثف على تاريخ الدعوة والحركة الإسلامية المعاصرة على مدار قرن كامل، وفيها تحليلات ووقائع وشخصيات لم تأخذ حقها من النشر والرواج.

وانتصر الحل الوطني

في هذه الفترة الملتهبة من مخاض العمل الوطني، تنازعت الزعامة ثلاثة اتجاهات:

اتجاه مثل الحل الإسلامي، ووقف مع تعضيد دور الخلافة ثم إصلاحها من الداخل، وبرز من هذا الاتجاه مصطفى كامل الذي لم يمهله القدر لمزيد من الترويج لفكرته، ويقول عنه أعداؤه إن ما أراده من العثمانيين قد ناله، وهو رتبة البكاوية.

والاتجاه الثاني مثل الحل القومي العربي، وكان صوته في هذه الأثناء خافتاً، وحمل لواءه عبد الرحمن الكواكبي السوري الجنسية  (1854- 1902)، وقد نال الكواكبي شهرته بسبب كتابيه طبائع الاستبداد و أم القرى، وحكم عليه بالإعدام، ولكن ضغط الجماهير في حلب دفع إلى تحريره من سجنه عام 1886. وظلت أفكاره خامدة حتى أحياها بعد ذلك بسنوات ميشيل عفلق وأتباعه من أنصار القومية العربية، الذين أنشأوا حزب البعث في كل من الشام والعراق.

 أما الاتجاه الثالث فقد مثل الحل الوطني، وتبناه بامتياز سعد زغلول، واكتسب زخماً هائلاً رشحه للتفوق والاستئثار بحمل لافتة العمل الوطني، خاصة بعد ثورة 1919، وانضمام عنصري الأمة المسلمين والأقباط. ووجد فيه الشعب المصري تعبيراً عن رغباتهم في طرد المحتل، وهو ما مثل لهم أولوية تسبق أولوية بناء الفرد على أسس إسلامية رشيدة.

ويتبنى بعض المفكرين مثل الأستاذ محمد قطب وطارق البشري وغيرهما فكرة إسلامية ثورة 1919 التي قام بها الشعب المسلم في مصر تجاه الغاصبين الكفار، وكانت تنطلق من الأزهر مهد الإسلام بالضبط، كما انطلقت من قبل أيام نابليون ..   والتي سرقها سعد زغلول، بعد عودته من المنفى ورفعه شعار الدين لله والوطن للجميع.

المعنى تؤكده بعض وثائق المتحف البريطاني الخاصة بثورة 1919م، والتي نشرت صحيفة الأهرام في عام 1969م  ترجمة لها بعد مضى خمسين عامًا على صدورها، وكان مما جاء فيها أن الثورة حين ازدادت اشتعالاًُ سحبت بريطانيا مندوبها السامي من مصر، وجاءت باللورد اللنبي- الذي تغلب من قبل على جيش الخلافة العثمانية-  فمكث شهرًا كاملاً يدرس الأحوال في مصر، ثم أرسل إلى حكومته تقريرًا مطولاً منشورًا بكامله في الوثيقة: أبرز ما فيه جملتان ذواتا دلالة عميقة، وأهمية بالغة وهما: أن الثورة تنبع من الأزهر، وهذا أمر له خطورته البالغة. والثانية: أفرجوا عن سعد زغلول، وأعيدوه إلى القاهرة. وكأن اللنبي يقصد بنصيحته تلك أن يطفئ نار الثورة الإسلامية بعلمانية سعد زغلول الوطنية.

و فيما تسيد أصحاب الاتجاه الوطني العلماني الساحة، انكفأ أنصار الاتجاه الإسلامي على العمل الخيري والاجتماعي، والدعوة إلى تمثل مرحلة الرسول صلى الله عليه وسلم والصحابة في السلوك اليومي. كما استغرق جانب تصحيح العقيدة جهداُ كبيراً ولا يزال، بعد أن أصبحت بعض العادات والموروثات الاجتماعية الفاسدة أكثر تغلغلاً في قلوب المصريين، وأولى بالإتباع من صريح القرآن الكريم وصحيح السنة المطهرة.

وكان مفهوم البرلمان المصري مرادفاً لفكرة ناد للأرستقراط، من أصحاب الامتيازات، ولا مكان فيه للطبقة المتوسطة أو الدنيا. وهو ما جعل الإمام حسن البنا يعارض التعددية الحزبية، ويرى أن الأحزاب السياسية تهدد الوحدة الإسلامية، التي اعتبرها أساسية لاستعادة نظام الخلافة. وعبر عن ذلك بوضوح حين قال: لقد انعقد الإجماع على أن الأحزاب المصرية هي سيئة هذا الوطن الكبرى، وهي أساس الفساد الاجتماعي الذي نصطلي بناره الآن، وأنها ليست أحزاباً  حقيقية بالمعنى الذي تعرف به الأحزاب في أي بلد من بلاد الدنيا، فهي ليست أكثر من سلسلة انشقاقات أحدثتها خلافات شخصية بين نفر من أبناء هذه الأمة اقتضت الظروف في يوم ما أن يتحدثوا باسمها وأن يطالبوا بحقوقها القومية…. ولا مناص  بعد الآن من أن تحل هذه الأحزاب جميعاً، وتجمع قوى الأمة في حزب واحد يعمل لاستكمال استقلالها وحريتها، ويضع أصول الإصلاح الداخلي العام…

و قد استمر البرلمان والأحزاب على هذا النحو حتى حل عبد الناصر الأحزاب بعد قيام ثورة يوليو 1952، ثم اخترع فكرة مجلس الأمة، كما اخترع فكرة 50% من الأعضاء من العمال والفلاحين، ونص عليها في الدستور المصري.

******

ظهور الإخوان المسلمين

وفي عشرينات القرن العشرين تنامت حركات داعية إلى عزل الأزهر ومحاولة تهميش دوره، واستبعاد رجاله عن المشاركة في القرارات المصيرية للدولة، بحجة جمود التعليم، وعدم مواكبته روح العصر. ووجدت هذه الدعوات طريقها إلى الصحافة وإلى رجال البرلمان.

ووجدت هذه الدعوات صدى لدى جموع مختلفة من الرأي العام خاصة بعد إنشاء جامعة فؤاد أو الجامعة المصرية (جامعة القاهرة الآن)، واقترح بعض النواب عام 1925 إلغاء منصب المفتي، وإلغاء وزارة الأوقاف وتحويل مهامها إلى وزارة الشئون الاجتماعيةـ وإلحاق مدرسة القضاء الشرعي ومدرسة المعلمين ودار العلوم بوزارة المعارف.

وتصدى لهذه الدعوات عدد من الأزهريين الذين نظموا حملات مضادة، وتحالفوا مع بعض الصحفيين من أمثال الرافعي ورشيد رضا وغيرهم، وبلغت الأزمة ذروتها حين لم يحتمل الأزهريون ما تنادى به البعض من أن يتخلى الأزهريون عن زيهم التقليدي، وأن يرتدوا البدلة والطربوش.

وقاد حملة التصدي لهذه الدعوة الشيخ محمد الأحمدي الظواهري (1878-     ) الذي نبه إلى خطورة هذه الدعوة على النفوذ الديني في البلاد، ووجدت أفكاره تجاوباً من الملك فؤاد الذي تعرض لهزة إثر صدور كتاب الإسلام وأصول الحكم للشيخ علي عبد الرازق، على غير هوى الملك. وحين تولى الشيخ الظاهري مشيخة الأزهر عام 1929 سعى لتطويره، وعرف باسم أبو الكليات الأزهرية، إذ في عهده عرف الأزهر لأول مرة كليات أصول الدين- اللغة العربية – الشريعة.

في نفس هذا الوقت نشأت جمعيات إسلامية لتعويض غياب الدور الأزهري في الشارع. فنشأت الجمعية الخيرية الإسلامية، وجمعية الشبان المسلمين (1927) وبعد ذلك الجمعية الشرعية، وجمعية أنصار السنة. ثم نشأت حركة الإخوان المسلمين عام 1928 على يد حسن البنا في الإسماعيلية، ثم انتقلت بعد ذلك إلى القاهرة.

وتطورت حركة الإخوان المسلمين بشكل سريع، وعرفت في البداية بأنها حركة الأفندية، لقدرة مرشدها العام على استقطاب المهنيين، ثم الحرفيين إليها. ومع الوقت انضم إليها عدد محدود من الأزهريين، اكتسبت بهم قوة، واكتسبوا من خلالها فرصة على العمل العام، وسرعان ما أصبحت الحركة الإسلامية الأولى لا في مصر وحدها وإنما في العالم الإسلامي كله.

وتميزت دعوة الإمام البنا بالسهولة والمباشرة ؛ إذ لم يكن هناك ما يدعو إلى خفاء أو سرية آنذاك. وقد قرأ حسن البنا الزعيم الملهم واقعه على أنه: أمة متدنية في الأخلاق, وحاكم ظالم يغرق في الفساد, واستعمار كريه كان يسميه استخراباً، ما جعله يشبه هذه الفترة بما كان عليه الحال أيام بعض حكام الأمويين والعباسيين، ويرى أن مهمة الإخوان هي أولاً : إقامة أمة صالحة , وثانياً : إقامة حكومة صالحة.

كان الإمام البنا ممن يرون أن إعادة الخلافة فرض عين على كل مسلم ومسلمة. وقبل وفاته بعدة أشهر وجه رسالة إلى رؤساء وملوك الدول الإسلامية في يونيو 1947 طالبهم فيها بتحمل مسؤولياتهم والقيام بمهمة خدمة الأمة، وهي المهمة التي قال إنها تنقسم إلى شقين: الأول تخليص الأمة من القيود السياسية حتى تنال حريتها ويرجع إليها ما فقدت من استقلالها وسيادتها، والثاني بناؤها من جديد لتسلك طريقها بين الأمم وتنافس غيرها في درجات الكمال الاجتماعي.

ومن اللطيف أن نشير هنا إلى أن الاسم الذي اختاره الإمام حسن البنا لتعريف نفسه قائداً أو زعيماُ لمجموعة الإخوان المسلمين، هو اسم المرشد، بما يحوي من معاني التوجيه والتعليم، بخلاف لفظ الأمير الذي استخدمته قيادات الجهاد والجماعة الإسلامية فيما بعد، وبخلاف لفظ الرئيس الذي يستخدمه رؤساء الأحزاب، وتستخدمه الجمعية الشرعية، وبخلاف لفظ المسئول الذي يستخدمه المتصوفة.

ولم يستخدم لفظ المرشد الأعلى إلا إخواننا الشيعة في إيران. ولعل أحداً يوفقه الله لاستقصاء هذه الألقاب والوقوف على دلالاتها وعمق ارتباطها بالحركات التي تنتمي إليها، وظني أنه سيكون بحثاً طريفاُ عظيم الفائدة.

******

(رحلتنا مستمرة……)

Advertisements