الوسوم

من هنا نفهم. هذه قراءة خاصة في تاريخ المد الإسلامي الحديث ومستقبله مع التركيز على مصر، وفيها تلخيص لأكثر من ثلاثمائة مرجع ومصدر عن هذه الفترة التاريخية… كتبتها ليعود إليها الفتيان والفتيات ليتعرفوا بشكل مبسط ومكثف على تاريخ الدعوة والحركة الإسلامية المعاصرة على مدار قرن كامل، وفيها تحليلات ووقائع وشخصيات لم تأخذ حقها من النشر والرواج.

وسقطت الخلافة الإسلامية

على الجانب الآخر من البحر المتوسط، كان كمال أتاتورك في استانبول يجهز على آخر أشكال الحكومات الإسلامية في التاريخ، و في نوفمبر 1922م نجح أتاتورك” في الفصل بين الخلافة والسلطة، ونصب الأمير”عبد المجيد” خليفة للمسلمين مجردًا من السلطة المدنية، وقصر الخلافة على الأمور الروحية، وأعلن الجمهورية التركية، فأحدث هذا التصرف حراكًا فكريًا في العالم الإسلامي، وخاصةً مصر، فأخرج شوقي قصيدته عن الخلافة، وكذلك فعل حافظ، وكتب”رشيد رضا”على ست حلقات في مجلة المنار كتابه: الخلافة أو الإمامة العظمى هاجم فيه تصرفات “أتاتورك”. وفي مارس 1924م كتب آخر شيوخ الإسلام في تركيا “مصطفى صبري” الذي استقر بعد ذلك في مصر مهاجراً، كتاب: “النكير على منكري النعمة من الدين والخلافة والأمة“.

وأضفى توقيت نشر كتاب الشيخ “علي عبد الرازق” :”الإسلام وأصول الحكم في إبريل 1925م قيمة مضاعفة للكتاب الذي لم يكن بحثاُ أكاديمياً بقدر ما كان سلاحًا سياسيًا في معركة سياسية بين القصر و حزب الأحرار الدستوريين الذي ينتمي إليه الشيخ علي،  وفي هذا الكتاب هدم فكرة الخلافة الإسلامية من أساسها، وكال التهم جزافًا إلى كل خليفة تولى أمر المسلمين، ونفى فكرة الحكومة الإسلامية التي تعين الخليفة في عمله.

و تصدى عشرات العلماء – ربما بمباركة من القصر- للرد على هذا الكتاب، وأوصت لجنة شكلها الأزهر بدراسة الكتاب والرد عليه بإخراج هذا المؤلف من زمرة علماء الأزهر و فصله من عمله، قاضياً شرعياً في محكمة المنصورة الشرعية. وفي القصة أيضاً أن الشيخ علي عبد الرازق قد عاد في وقت لاحق إلى عمله، بل وتولى وزارة الأوقاف. وخاتمتها أن الشيخ علي عبد الرازق رجع عن تلك الأفكار ونقل عنه الدكتور محمد عمارة انه قال : أن مقولة الإسلام دين لا دولة له كلمة ألقاها الشيطان على لساني. ونقل عنه الشيخ القرضاوي أنه كان في أواخر حياته يصلي خلف الشيخ الغزالي في الجامع الأزهر.

لم تمض سوى أربعة أيام منذ أصدر أتاتورك قراره في 2 مارس عام 1924 بإلغاء الخلافة الإسلامية، حتى أصدر علماء الأزهر في 6 مارس 1924م بيانًا نشرته جريدة الأهرام بعنوان: “خلع الخليفة غير شرعي” موقعًا عليه من ستة عشر عالمًا، وكان ذلك في أعقاب إلغاء الخلافة بأربعة أيام أعلنوا فيه: بطلان عزل الخليفة “عبد المجيدالذي انعقدت له البيعة من المسلمين جميعًا؛ لأن خلعه صادر من فئة قليلة، وفي نفس الوقت طالبوا بعقد مؤتمر في أسرع وقت؛ لمناقشة هذا الأمر الجليل، وحذروا المسلمين من التأخر، وأن الخلاف سيضعف الإسلام، ويوهنه، ونشطت الدعوات إلى عقد هذا المؤتمر، وتعددت؛ حتى غدا ذلك مطلب الأمة.

وعقد علماء الأزهر مؤتمرًا موسعًا في 25 مارس 1924م برئاسة شيخ الأزهر، وقرروا في مؤتمرهم دعوة المسلمين بعد عام لاختيار خليفة، وتكونت لجنة للإعداد للمؤتمر جاهر القصر وصحفه بالدعوة له في شتى أنحاء “مصر” كما صدرت مجلة باسم المؤتمر الإسلامي في أكتوبر 1924 أعلن فيها أن المؤتمر لن يقتصر على بحث مسألة الخلافة، بل سيتطرق إلى بحث أسس حكومة إسلامية، وكذلك منهج تعليمي إسلامي، وقد واجه المؤتمر عراقيل عدة لم تؤد إلى تأجيله إلى سنة 1926م فحسب، بل كانت سببًا في إلغائه بالكلية.

ورغم أن سقوط الخلافة العثمانية, كان أهم أسباب حماس الإمام البنا لتأسيس جماعته، حيث كان يرى أن “إعادة الخلافة فرض عين على كل مسلم ومسلمة” ، إلا أن الاتجاه الغالب وقتها كان يميل إلى تصديق أن سقوطها أمر عارض، وأنها عائدة لا محالة بعد سنوات قليلة، إن لم يكن في تركيا ففي مصر, حيث طلبها لنفسه الملك فؤاد ملك مصر والسودان، كما دخل بورصة الترشيح الشريف الحسين بن علي ملك الأردن والحجاز (1856- 1931)، والملك أمان الله خان ملك أفغانستان!!

وبسقوط الخلافة، لم يعد التحدي الذي يواجه المسلمين هو الاستبداد، بل ضياع رمز الوحدة الإسلامية الذي كان الإصلاحيون يبذلون كل ما في وسعهم لإصلاحه والحفاظ عليه من الزوال. وتغيرت النظرة إلى الديمقراطيات الأوروبية التي طالما أعجب بها الإصلاحيون، فانعقد الإجماع على اعتبارها قوى إمبريالية مزقت الخلافة وتقاسمت تركتها وتداعت على المسلمين كما تداعى الأكلة على قصعتها. وبذلك تبدلت الأولويات وقفز على سطحها الكفاح لتحرير ديار العروبة والإسلام، وحماية الثقافة من الطمس والتبديل، وتحولت دعوة الإصلاح السياسي إلى دعوة للتجديد الفكري والثقافي والديني.

******

وتكاثرت السكاكين

يقول سلامة موسى في كتابه اليوم والغد الذي نشره عام 1927: “إنني كلما ازدادت معرفتي بالشرق زادت كراهيتي له، وشعوري بأنه غريب عني، وكلما زادت معرفتي بأوروبا زاد حبي لها، وتعلقي بها، وزاد شعوري بأنها مني، وأنا منها … هذا هو مذهبي الذي أعمل له طول حياتي سرًا وجهرًا، فأنا كافر بالشرق مؤمن بالغرب.”

ولم يكن سلامة موسى في مقولته تلك إلا معبراً عن تيار نخبوي عريض أتاحت له الظروف الاجتماعية والطبقية التعليم في الغرب، فعاد مبشراً بمفاهيم علمانية خالصة في مقابل الفكرة الإسلامية، وظناً منهم أن تقليد أوروبا الناجحة شبراً بشبر وذراعاً بذراع يضمن  لمصر وللشرق الرقي والنجاح، طالبوا بمساواة بين الرجل والمرأة، وإلغاء المحاكم الشرعية، وتعديل قوانين الأحوال الشخصية.

واستطاع المستشرقون الذين تولوا التدريس بالجامعة المصرية منذ تأسيسها عام 1908 أن يدخلوا المناهج الغربية للبحث العلمي إلى مصر، مع البعثات العلمية إلى أوربا، مصحوبة بحركة ترجمة واسعة عن الفكر الغربي، الأمر الذي أفرز نخبة فكرية جديدة تضاعف تأثيرها مع ضعف الأزهر ورجاله، فانفردت بتشكيل مناخ مصر الثقافي خلال النصف الأول من القرن العشرين.

وشجع الضعف العربي العام المبشرين على أن يعقدوا عام 1924 مؤتمر “المبشرين” بالقدس، وبلغ بهم التفاؤل مداه فجعلوه تحت شعار: “تنصير العالم في جيل واحد”. في تغير نوعي في مفهوم التنصير الأوروبي الذي كان يستهدف من قبل المسحيين الشرقيين لضمان ولائهم. ولم يقتصر دور المنصرين حينئذ على حد مهاجمة العقيدة الإسلامية في محاضرات عامة، بل تعداه إلى التقاط الصبية من أبناء المسلمين، وردهم عن دينهم الأمر الذي أدى إلى ذعر، واستفزاز الرأي العام الإسلامى.

 ولعب الاحتلال مع مدارس الإرساليات التنصيرية الدور الأكبر في مساعدة المنصرين. ولقد حاول المصلحون من كل الاتجاهات الفكرية مقاومة حركة التنصير، فأنشئت مجلة الفتح، وأسندت رئاسة تحريرها للشيخ”محب الدين الخطيب” وهو أحد رموز التيار السلفي.

******

(رحلتنا مستمرة……)

Advertisements