الوسوم

من هنا نفهم. هذه قراءة خاصة في تاريخ المد الإسلامي الحديث ومستقبله مع التركيز على مصر، وفيها تلخيص لأكثر من ثلاثمائة مرجع ومصدر عن هذه الفترة التاريخية… كتبتها ليعود إليها الفتيان والفتيان ليتعرفوا بشكل مبسط ومكثف على تاريخ الدعوة والحركة الإسلامية المعاصرة على مدار قرن كامل، وفيها تحليلات ووقائع وشخصيات لم تأخذ حقها من النشر والرواج.

يحيا سعد باشا

كان الاتجاه السياسي للناس في الريف المصري في هذه الأيام يميل إلى تأييد حزب الوفد، إلا إذا عرف عن أحد أعيان القرية انتماؤه إلى الأحرار الدستوريين أو غيره من أحزاب الأقلية، فكان الاتجاه السياسي للقرية يتحول تماماً لصالح اتجاه كبيرها.

و سعد باشا – الذي نشأ فلاحاُ – حتى اعتلى أرقى المناصب رئيساً للوزراء ورئيساً لمجلس النواب، هو أسطورة الريف، وهو قدوة كل فتى، وملهم كل سياسي، ومعلم كل خطيب، حتى أنهم كانوا يقولون إن العجل ينزل من بطن أمه وهو يهتف “يحيا سعد.. يحيا سعد”. وبلغ من حب الناس لسعد، وكل ما يتعلق بسعد أن كتب أحدهم قصيدة عن حماره، حمار الزعيم، ظلت الناس تحفظها حتى عهد قريب، ومما جاء فيها..

حمار الزعيم زعيم الحمير      على عرش كل الحمير أمير

أقـام  الحمير له حـفلـة      وأهدوا لـه قفـة من شعير

فإن يكن “للتاكسي” صفارة       فإن “النهيق” مكـان الصفير

و لم يكن خليفته مصطفى النحاس باشا أقل منه وطنية ولا دهاء ولا خدمة لأهل بلده، وإن عرضه زواجه للسيدة زينب الوكيل وكانت تصغره بسنوات إلى إطلاق العديد من النكات الحادة، ظلت ذاكرة الناس تحفظها حتى عهد قريب.

وكان ارتباط الناس على اختلاف مستوياتهم بالسياسة، واهتمامهم برموز العمل السياسي يؤكد على وعي حضاري جدير بالتأمل والاعتبار، فقد كان الشاب جلال الدين الحمامصي (1913- 1986) الذي أصبح بعد ذلك صحفياً شهيراً يبرق كل عام إلى رئيس حزب الوفد معلناً إياه بنتيجته في الامتحان الدراسي مع كشف بالدرجات، وكأن رئيس الحزب هو ولي أمره.

ولو لم يكن لثورة 23 يوليو وما تلاها من قرارات، من مساوئ إلا أنها قضت على هذا الوعي السياسي، وأبدلته بأمية سياسية ولا مبالاة مستفزة لكفاها ذلك ضرراُ على مستقبل الأمة وحيويتها النهضوية.

 

مواقف وطنية خالدة

تفخر مصر في تاريخها النضالي لإنهاء الاحتلال الإنجليزي بثلاثة مواقف هامة، أجدها درساً جيداً لإخواننا الفلسطينيين في مواصلة النضال لاقتطاع الحقوق ولو بشكل مرحلي.

الموقف الأول هو: دستور 1923 والذي نص صراحة على استقلال مصر، وقامت بصياغته لجنة من ثلاثين شخصاً بتكليف من الملك فؤاد، وكان يأخذ بنظام المجلسين، وأقر بنظام الملكية الدستورية مع رئيس للوزراء ينتخبه الشعب ويعينه الملك. وقام الملك بإلغاء الدستور عام 1930 لكنه تعرض لضغوط استمرت لمدة 3 سنوات اضطرته لإعادته مرة أخرى عام 1934.

والثاني هو معاهدة 1936 التي وقعها مصطفى النحاس (1879- 1965) مع الإنجليز، وكانت تقدماً هائلاً لصالح مصر في العلاقة بينهما. وهي نفس السنة التي وقعت فيها سوريا اتفاق استقلال مشابه مع فرنسا.

أما الموقف الثالث: فهو قرار مصطفى النحاس يوم 8 أكتوبر 1951 بإلغاء معاهدة عام 1936. وإعلان فاروق ملكاً للسودان. وبررت الحكومة المصرية هذا العمل من طرف واحد بأن أعادت على الناس التذكير بجميع الإجراءات المشابهة التي اتخذتها انجلترا منذ قرن. ولكن بريطانيا وفرنسا والولايات المتحدة وتركيا رفضوا الاعتراف بالقرار المصري.

جاء في المادة الأولى من معاهدة 1936: “انتهى احتلال مصر عسكريا بواسطة قوات صاحب الجلالة الملك والإمبراطور.” كما نصت على تبادل السفراء في المادة الثانية، وعلى مساعدة إنجلترا لمصر في دخول مصر عصبة الأمم باعتبارها دولة مستقلة ذات سيادة في المادة الثالثة، وهي انجازات هائلة لم يكن يحلم بها سعد زغلول نفسه ورفاقه المفاوضين عام 1919.

ولكن المادة الثامنة من المعاهدة كانت تتضمن انتقاصاُ من سيادة مصر على قناة السويس وجاء فيها: “….إلى أن يحين الوقت الذي يتفق فيه الطرفان المتعاقدان على أن الجيش المصري أصبح فى حالة يستطيع معها أن يكفل بمفرده حرية الملاحة على القنال وسلامتها التامة يرخص صاحب الجلالة ملك مصر لصاحب الجلالة الملك والإمبراطور بأن يضع في الأراضي المصرية بجوار القنال بالمنطقة المحددة في ملحق هذه المادة قوات تتعاون مع القوات المصرية لضمان الدفاع عن القنال.”

وهي مادة تذكرنا بمواد “سيادة العراق” المنقوصة على أرضه بعد انتهاء الاحتلال الأمريكي لها، وفق قرار مجلس الأمن الصادر في يونيو عام 2004.  والذي أتاح لقوات الاحتلال، المسماة تجميلاً “قوات التحالف”، أن تبقى في العراق بناء على طلب الحكومة العراقية، دون أن يسمح للحكومة العراقية بشكرها على “خدماتها الجليلة” وتوديعها إلى غير رجعة.

و كانت إسرائيل تحتج بأن منع مصر لسفنها من المرور في القناة يعد انتهاكًا للقانون الدولي والهدنة بين الجانبين (فبراير 1949)، واتفاقية قناة السويس الموقعة (1888م)، أما مصر فكانت تدفع هذه الحجج بأن الهدنة لم تتحول بعد إلى اتفاق سلام، وأن التدخل المصري في شئون الملاحة في القناة ضروري لسلامتها.

واستمر الحظر المصري للسفن الإسرائيلية، وحدثت أزمة عندما حاولت السفينة الإسرائيلية (بات جاليم) اختبار النوايا المصرية بعبور القناة؛ فاحتجزتها السلطات المصرية، ثم ضمتها مصر بعد ذلك إلى بحريتها. وأنظر بإعجاب إلى هذه المواقف الوطنية من حكومات ما قبل الثورة، حين أقارن هذه المواقف بتصريحات الرئيس المصري عن عدم قدرة مصر على منع حاملات الطائرات الأمريكية المتجهة لضرب العراق، من عبور قناة السويس عام 2003، بحجة اتفاقية قناة السويس، التي لا يعرفها أحد ولا يتعامل بها أحد.

وقد توالى على رئاسة الوزارة المصرية كثيرون تفاوتوا في عدائهم أو ولائهم للمستعمر الإنجليزي، كان أبرزهم أحمد ماهر الذي رفض سنة 1939 وهو رئيس للوزراء إعلان الحرب على ألمانيا وعلى ايطاليا، واستند في ذلك إلى تصريحات الشيخ المراغي، وقلص إلى أقصى حد كل تعاون مع الانجليز الذين أكرهوه على الاستقالة في يونيو 1940. وظل أحمد ماهر الرئيس الوطني المجاهر بعدائه للإنجليز في الإقامة الجبرية تحت رقابة الانجليز حتى أكتوبر وفي تلك الفترة خطط عدد من الضباط الأحرار عملية لتهريبه.

وفي فبراير سنة 1942 عاد مصطفى النحاس رئيساً للوزراء بعد أن احتلت الدبابات الإنجليزية قصر عابدين، ويقول أعداؤه إنه تولى الحكم على أسنة الرماح الإنجليزية، بينما يرى المحققون الذين تابعوا الأحداث عن كثب أنه بفعلته هذه قد حمى عرش مصر، وأنه لولا قبوله الوزارة  لأجبر السفير الإنجليزي الملك فاروق على وثيقة التنازل على العرش، التي أمسك بالفلم فعلاً لتوقيعها، لولا أن أحمد حسنين باشا أشار إليه ألا يفعل فأسقط القلم من يده قبل التوقيع.

 (رحلتنا مستمرة……)

Advertisements