الوسوم

من هنا نفهم. هذه قراءة خاصة في تاريخ المد الإسلامي الحديث ومستقبله مع التركيز على مصر، وفيها تلخيص لأكثر من ثلاثمائة مرجع ومصدر عن هذه الفترة التاريخية… كتبتها ليعود إليها الفتيان والفتيات ليتعرفوا بشكل مبسط ومكثف على تاريخ الدعوة والحركة الإسلامية المعاصرة على مدار قرن كامل، وفيها تحليلات ووقائع وشخصيات لم تأخذ حقها من النشر والرواج.

إرهاصات الثورة

ساهمت تداعيات النكبة في اجتراء الكثيرين على الملك وسلطته، خاصة مع تزايد الشائعات عن فساد الملك، وبذخ حاشيته، وعبث الأميرات شقيقات الملك، ومجون أمه الملكة السابقة نازلي.. وحين رفضت الحكومة مطالب الشيخ عبد المجيد سليم شيخ الأزهر بزيادة ميزانية الأزهر لمواجهة زيادة عدد الطلاب، صرخ بصوته الجهوري: “أتقتير هنا، وإسراف هناك!”. وتناقلت الكلمة بتعليقاتها الصحف الحزبية المتصارعة.

ودفع الشيخ الجليل منصبه ثمناً لهذه الكلمة، لكنه لم يتوقف في مجالسه الخاصة عن انتقاد ما يراه من انحرافات، فذهب إليه بعض المقربين من القصر، وقال له: إن هذه الكلمات خطر عليك! فقال له: هل يمنعني هذا الخطر أن أتردد بين بيتي ومسجدي؟ قال: لا، قال: إذن فلا خطر.

وتفنن الطلاب في هتافاتهم في المظاهرات ضد القصر، وكان هتاف إحدى المظاهرات: يسقط عفيفي، وحافظ عفيفي! يقصدون بـ (عفيفي) حافظ باشا عفيفي، رئيس الديوان الملكي، أما “حافظ” عفيفي، فيقصدون به حاميه، وهو الملك.

وركزت الصحافة بما فيها صحافة حكومة الوفد على الإنجليز، وتبارى الصحفيون في كشف حوادث الفساد، وبرزت أسماء فتحي رضوان، وإحسان عبد القدوس، ومحمد حسنين هيكل، وفكري أباظة، وسيد قطب، وخالد محمد خالد، ونشرت جريدة (الاشتراكية) التي كان يصدرها الزعيم أحمد حسين مؤسس مصر الفتاة، صورة لمجموعة من الأطفال العراة الجوعى الضالين ، وتحتها عنوان كبير يقول: (رعاياك يا مولاي!). وقضى بسببها في السجن بضع شهور.

وكان كل شيء ينذر أن تغييراً لا بد أن يقع، فكان التغيير هو “حركة الجيش المباركة” في 23 يوليو 1952م. التي أطلق عليها في الأيام الأولى “انقلاب الضباط”، ثم عرفها الناس بعد ذلك باسم “الثورة”.

وقد أصدر الأستاذ محمد حسنين هيكل بمناسبة ذكرى مرور نصف قرن على قيام ثورة يوليو 52 كتابة ضخماً تتجاوز صفحاته 500 صفحة ذكر فيه بالتفصيل والتوثيق الوقائع التي قادت إلى سقوط الملكية، وقيام الثورة، سماه “سقوط عصر”، فليرجع إليه من يريد.

******

الثورة: حل عبقري لمشاكل مستعصية

كانت ثورة 52 حلاً أراح جميع الأطراف.. الشعب والقوى السياسية المصرية والضباط الأحرار والإنجليز أنفسهم. ودفع الملك ثمنه وحده.

وتفسير ذلك كما يلي:

فكر الاستعمار على النحو التالي: لم تعد عوائد الاستعمار العسكري تغطي نفقاته، والسماح للدول القطرية أن تحظى بوهم الاستقلال أجدى من إيصال المنطقة إلى حالة من الاحتقان التي يمكن أن تسفر عن ثورة حقيقية تعيد المنطقة إلى فكرة “الخلافة الإسلامية” ودولتها. خاصة بعد أن أصبح لها دعاة، وحزب سياسي هو “حزب التحرير الإسلامي” الذي أنشأه في الأردن الشيخ الأزهري تقي الدين النبهاني عام 1951، وله دعاة وأنصار في مصر.

وهكذا حمل الاستعمار عصاه ورحل، ولكنه خلف له وعنه “وكلاء” يرعون مصالحه. و توزعت مهام هؤلاء الوكلاء ومناصبهم، فتولى بعضهم سدة الحكم، وتقلد بعضهم مهام الثقافة والإعلام والتعليم. أما استقرار الأمن فعهد به إلى “محترفين” تم تدريبهم في الداخل والخارج، ليقوموا بحماية النظام القائم، أياً كان نوع الراية التي يرفعها، أو القلادة التي يرتديها.

ولابد هنا من تعقيب توضيحي، بغرض الاستفادة فيما يخص الغد لا تحليل ما حدث بالأمس. فالعرض السابق لأهداف ومآلات حركات التحرر الوطني لا يطعن في إخلاص القائمين عليها، فلم يعرض الوطن أبداً في أدبيات هذه الحركات باعتباره بديل الدين أو وريثه. وربما كانت هذه الحركات هي أفضل المتاح في حينه. لكن “أفضل المتاح” هذا لا ينبغي أن يتطور ليصبح “مناط القصد”. وأنا هنا أتحدث عن فلسطين أكثر مما أتحدث عن مصر.

فإذا كانت تطورات الأحداث وجهاد أبطال الانتفاضة المباركة في غزة والضفة الغربية، وقادتها الشهداء وعلى رأسهم الشهيدان أحمد ياسين (مارس 2004) وعبد العزيز الرنتيسي (إبريل 2004)، والشهداء الذين تقدمهم كل يوم. إذا كان هذا الجهاد المبارك قد حمل الرئيس الأمريكي على التصريح لأول مرة في تاريخ الولايات المتحدة الأمريكية بالحديث عن “دولة فلسطين”، على الأرض المحتلة عام 1967، فإن علينا أن نساند كل الجهود الرامية لتحقيق هذه الدولة على أرض الواقع، دون الطعن في إخلاص المفاوضين أو من يتبنون هذا الحل.

ولكن هذا التركيز في تحقيق هذا الهدف ينبغي ألا ينسينا أن حقوقنا الثابتة في فلسطين المحتلة تتجاوز بكثير هذه المساحة. بل إن هذه الحقوق التاريخية والقانونية تتعارض بالأساس مع وجود دولة إسرائيل.. بل إني أتجاوز إلى القول بأن إعادة إنشاء دولة فلسطين ينبغي أن ينظر إليه باعتباره خطوة على طريق إنشاء دولة الإسلام الكبرى.

فإذا تحقق هدفنا المرحلي – وهو بإذن الله سيتحقق- بإنشاء دولة فلسطينية “ما”، فينبغي عندها ألا تفتر الهمم، وتتجه الأنظار إلى الداخل كما حدث مع بقية الأقطار العربية. وإني لأنظر إلى هذه الدولة باعتبارها القاطرة التي ستقود الدول العربية إلى تحقيق هذا الهدف النبيل والمشروع من إقامة دولة الإسلام الكبرى.

ولعل في هذا المثال ما يشرح هذه العلاقة الجدلية الدائمة بين فكرة “الحركة” وفكرة “الدعوة”، وما بينهما من خصوص وعموم، ومرحلية ودوام، وتعدد وظيفي في إطار توجه كلي مشترك.

******

رحلتنا مستمرة..

Advertisements