الوسوم

من هنا نفهم. هذه قراءة خاصة في تاريخ المد الإسلامي الحديث ومستقبله مع التركيز على مصر، وفيها تلخيص لأكثر من ثلاثمائة مرجع ومصدر عن هذه الفترة التاريخية… كتبتها ليعود إليها الفتيان والفتيات ليتعرفوا بشكل مبسط ومكثف على تاريخ الدعوة والحركة الإسلامية المعاصرة على مدار قرن كامل، وفيها تحليلات ووقائع وشخصيات لم تأخذ حقها من النشر والرواج.

الإخوان المسلمين وثورة يوليو

أقيلت وزارة الوفد بعد حريق القاهرة في يناير 1952م ، الذي قضى على عدد من المباني والفنادق الكبرى، وشكلت وزارات عدة بين حريق القاهرة ، وقيام ثورة يونيو.

وكان الضباط الأحرار في الجيش المصري بقيادة جمال عبد الناصر قد استفادوا من سوء الأوضاع في الحياة السياسية المصرية، ومن رصيد الكراهية للملك في نفوس الشعب، ومن الوعي العام الذي أحدثه الإخوان بالدرجة الأولى، ومعهم الحزب الاشتراكي وغيره من أحزاب المعارضة، وبدءوا يرتبون أنفسهم، ويعدون العدة ليوم مشهود يعلنون فيه انقلابهم على الملك.

وثمة جدل كثير حول دور حركة الإخوان المسلمين في قيام الثورة، والتحالف الضمني بينها وبين رجال الجيش الذين نفذوها، وعدد المنتسبين إلى الإخوان المسلمين من أعضاء مجلس قيادة الثورة، ثم هذا المد والجزر بين عبد الناصر تحديداً، وحسن الهضيبي مرشد الإخوان في هذه المرحلة.

والمعروف أنه قبل قيام الحركة كان هناك اتفاق بين الإخوان والضباط الأحرار على كيفية حكم مصر وتعاهد الضباط الأحرار والإخوان على ذلك أمام الشيخ محمد حسن الأودن رحمه الله عليه وصلوا المغرب جماعة خلفه على أنهم إذا تم الانقلاب يكون الوضع على صورة معينة وهى شريعة الله سبحانه وتعالى وكان هذا فى يونيو 1952 دون أن يفكر الإخوان في المشاركة فى الحكم لأن كل الذي يعنيهم هو تطبيق شرع الله بصرف النظر عمن يطبقه .

وقد أعلن الإخوان تأييدهم لحركة الجيش في جلسة استثنائية للهيئة التأسيسية عقدت يوم 26 يوليو وأعلنت بيانها في الأول من أغسطس في مشروع بيان أعلنته وأعربت الجماعة فيه عن فرحتها بنجاح الحركة المباركة. واحتوى بيان الجماعة عرضا لآراء الجماعة في قضايا الإصلاح الاجتماعي والأخلاقي والسياسي والاقتصادي التي تواجه الشعب المصري مع بداية العهد الجديد، وقد ذهب والد الإمام الشهيد حسن البنا للمركز العام ـ للمرة الأولى منذ وفاة الإمام الشهيد ـ واتجه للمسجد وقال للإخوان: ” أيها الإخوان اليوم تحققت رسالتكم إنه فجر جديد بالنسبة لكم ويوم جديد للأمة فاستبقوا الفجر أيها ألإخوان شدوا من أزر نجيب وأعينوه بقلوبكم ودمائكم وأموالكم وكونوا جنوده فتلك هي رسالة ( حسن ) التي أراد الله لها النجاح “.

******

يرى الإخوان أنهم شركاء حقيقيون في الثورة بل إن جمال عبد الناصر نفسه كان عضواً في الإخوان تحت اسم حركي هو “عبد القادر زغلول”. وتنبنى هذه الرواية السيد حسن العشماوي المنسق بين الإخوان والضباط الأحرار، والذي فر إلى الكويت  بعد حادث المنشية، وبقي في مهجره حتى توفاه الله عام 1972.

ويرون أن عبد الناصر أقسم على مصحف ومسدس عام 1943 مقدما البيعة إلى الشيخ حسن البنا، وانخرط بعدها في أعمال الجهاز الخاص. وبعد انقلاب 52 أشاد بحريق القاهرة في فلسفة الثورة ،وأفرج عن قتلة رئيس الوزراء النقراشي والقاضي الخازندار ومفجري القنابل في ممتلكات الأجانب والمسيحيين.

وقد اختير الشيخ الأودن عضواً في لجنة صياغة الدستور المصري بعد قيام ثورة يوليو، وهي اللجنة التي تشكلت في 13 يناير 1953 من 50 عضواً مثلوا كافة الاتجاهات السياسية في مصر في ذلك الوقت. وكان معه من زملائه الشيوخ: الشيخ عبد الرحمن تاج والشيخ حسن مأمون، كما مثل الإخوان المسلمين فيها: عبد القادر عودة وصالح عشماوي وحسن محمد عشماوي. و كان سيد قطب يحضر اجتماعات مجلس الثورة حتى سنة 56 كمستشار للتعليم.

وقد طالب الإخوان بنصيبهم في الحكم نظير جهودهم في إنجاحها. وقد أشار إلى ذلك السادات بوضوح وتفصيل في خطابه الأخير في 14 سبتمبر سنة 1981 قبل أيام من اغتياله. وحصل الإخوان على تمثيل وزاري تمثل في تعيين الشيخ الباقوري (1907- 1985) وزيراً للأوقاف، وكذلك الدكتور عبد العزيز كامل عام 1954، بعد أن كان محكوماً عليه بالإعدام.

وحدث أن تبنى المستشار حسن الهضيبي المرشد العام للإخوان بعض المواقف، وأصدر بعض البيانات والتصريحات – خاصة فيما يخص جلاء الإنجليز عن مصر- اعتبرها عبد الناصر تدخلاً مرفوضاً في شئون الحكم الذي استأثر به رجال الثورة.

وأنا أحيل من يرغب في التوسع إلى الكتابات المتخصصة في هذا الشأن، غير أني أشير هنا إلى خلاصة ما انتهت إليه هذه الكتابات، التي تؤكد أن الأخوان باركوا قيام الثورة، بل إن عوام الإخوان كانوا يرون أن حركة الجيش هي حركة إخوانية، فكانوا يستقبلون قادتها بالتهليل والتكبير. الأمر الذي كان يثير حفيظة عبد الناصر نفسه خشية من أن يسرق الإخوان في زعمه النصر منهم، وينسبونه إليهم.

******

حدثت الموجة الأولى من الاعتقالات عام 54 بعد حادث المنشية الشهير، والذي اتهم فيه عدد من المنتمين إلى الإخوان بتدبير محاولة اغتيال عبد الناصر، وهو أمر لازال الإخوان بعد 50 عاماً من حدوثه يعتبرونه حادثاُ ملفقاُ لتبرير الاعتداء عليهم والتنكيل بهم. وقد تتبع هذه الحادثة بتحليل واف دقيق الكاتب الكبير الدكتور محمد عباس، فليرجع إليه للاسترشاد.

وقد تعرض عبد الناصر لمحاولة الاغتيال هذه في 25 أكتوبر، وصدر قرار يوم 29 أكتوبر بحل الجماعة. وبعدها بأقل من شهرين صدرت الأحكام بشأن المتهمين في الحادث، وأبرزها إعدام عبد القادر عودة، ويوسف طلعت، ومحمود عبد اللطيف، وإبراهيم الطيب، ومحمد فرغلي، وهنداوي دوير.

و كان عبد القادر عودة في سلك القضاء وهو صاحب أعظم الإصدارات عن علاقة القانون الوضعي بالتشريع الإسلامي مثل: (الإسلام وأوضاعنا القانونية ) و ( الإسلام وأوضاعنا السياسية ) و (التشريع الجنائي في الإسلام ) وغير ذلك من المؤلفات، وحين  وصل إلى حبل المشنقة  قال: أشكر الله الذي منحني الشهادة. إن دمي سيكون لعنة على زعماء الثورة.  

ثم واصل عبد الناصر جولة ثانية من الاعتقالات عام 1965 شملت هذه المرة آلافاً من خيرة الرجال المسلمين. وبلغت ذروة المواجهة بإصدار أحكام بإعدام بعض القيادات كان على رأسهم الشهيد سيد قطب بعد أن رفضت وساطة السعودية والعراق وباكستان في تخفيف الحكم، ورفض سيد قطب نفسه أن يكتب التماساً للتخفيف.

ويمكن اعتبار الخمسينات والستينات فترة “ركود” فيما يخص العمل الإسلامي في مصر، ويعود هذا الركود في أغلبه إلى أن التيار الفاعل في هذه الحركة: “الإخوان المسلمون” كان قابعاُ خلف السجون، أو طريداً في الخليج العربي وأوروبا الغربية، وبات بقية التمثيل باهتاً على مسرح العمل الدعوي والسياسي، شمل ذلك الجمعيات الأهلية، كما شمل الأزهر الشريف نفسه جامعاً وجامعة.

******

(رحلتنا مستمرة……)

Advertisements