الوسوم

من هنا نفهم. هذه قراءة خاصة في تاريخ المد الإسلامي الحديث ومستقبله مع التركيز على مصر، وفيها تلخيص لأكثر من ثلاثمائة مرجع ومصدر عن هذه الفترة التاريخية… كتبتها ليعود إليها الفتيان والفتيات ليتعرفوا بشكل مبسط ومكثف على تاريخ الدعوة والحركة الإسلامية المعاصرة على مدار قرن كامل، وفيها تحليلات ووقائع وشخصيات لم تأخذ حقها من النشر والرواج.

هل كان عبد الناصر ضد الدين؟

صدر قانون تطوير الأزهر في بداية الستينات (قانون 103 لسنة 1961)، وهو ما اعتبره البعض الضربة الأخيرة للتواجد الديني في مصر، مقارنين ذلك بما حدث لجامع الزيتونة في تونس التي تحولت ساحاته العامرة إلى مسابح مشتركة للشبان والفتيات بملابس البحر.

صاحب ذلك مد شيوعي اشتراكي كاسح شمل أجهزة الثقافة والإعلام، ومعظم مؤسسات التعليم. وفترت همة الناس في الحديث عن الدين أو ارتياد المساجد، وغاب البعد السياسي عن الصفحات الدينية المحدودة الحجم والتأثير في الصحف والمجلات، وتحولت كثير من خطب الجمعة إلى مسلسلات مملة لموضوعات أخلاقية جافة خالية من الروح والمضمون، واتجهت طموحات الشباب وأحاديثهم إلى “مجتمع التصنيع”، و”الفن: سينما ومسرح” و “الرياضة: صالح سليم وحمادة إمام”.

وصدرت بعض الكتب لخالد محمد خالد والشيخ محمد الغزالي والشيخ السيد سابق، وقد خاطر بنشرها رغم انتمائهم إلى الإخوان المسلمين الأستاذ وهبة حسن صاحب مكتبة وهبة، وبعض البيانات التي أجيد التعتيم عليها من بعض شيوخ الأزهر كالشيخ محمود شلتوت والشيخ محمد أبو زهرة والشيخ عبد الرحمن تاج وغيرهم، ثم المنشورات العلمية للمجلس الأعلى للشئون الإسلامية التي ارتبط نشرها للأسف ببعض قضايا الفساد المالي والإداري التي فتحت ملفاتها في عهود لاحقة.

وفيما عدا ذلك لا يكاد يذكر المتابعون لهذه الفترة من الأنشطة الدينية إلا افتتاح مسجد هنا أو أداء صلاة جمعة هناك، أو استضافة لمنظمة المؤتمر الإسلامي، أو عقد اجتماع لمجمع البحوث الإسلامي الذي أصبح بديلاً لهيئة كبار العلماء، وصار تكوينه عن طريق التعيين بعد أن ظل لسنوات طويلة عن طريق الانتخاب.

وتحت عنوان “الحفاظ على مكاسب الثورة”  أصدر عبد الناصر عدداُ من القرارات السياسية خلال الخمسينات والستينات اتجه معظمها إلى تهميش دور التواجد الديني الإسلامي والمسيحي على الساحة السياسية.

وليس ثمة ما يحمل على الاعتقاد أن عبد الناصر كان يتبنى موقفاً عدائياً فكرياُ أو شخصياً من الإسلام، كذلك الذي كان يحمله الحبيب بورقيبة مثلاً، الذي لم يكف طوال فترة حكمه على اتخاذ المواقف والتصريحات التي تكن كراهية للدين وحنقاً على رجاله.

ولم يكن عبد الناصر من السذاجة بحيث يتصور أن بمقدوره أن يقضي على النزعة الفطرية لدى جموع المصريين لممارسة الشعائر الدينية والالتزام بتعاليمه الأخلاقية، بل إن له مواقف شخصية تدل على صدق انتمائه للطبقة المتوسطة بما تحمله من قيم أخلاقية، وإنما كانت كراهيته إلى حد البطش لكل ما من شأنه أن يهز كرسي السلطة، يتساوى في ذلك محمد نجيب مع الإخوان مع فلول الشيوعيين مع الأقباط.

وكان أي حديث عن توجهات الإسلام السياسية والاقتصادية والاجتماعية يثير لديه حساسية مفرطة، لظنه أنها تضاد “العصرنة” التي اتخذها عنواناً لحكمه، ولقناعته بأنها ستمتد لتشمل مشروعية حكمه، وطريقته في الممارسة السياسية، وعلاقات مصر الدولية مع الشرق والغرب. وهي قضايا عنده لا تحتمل الرأي والرأي الآخر.

وأياُ ما كان الأمر فقد أصابت النكبة الكبرى حركة الإخوان المسلمين في عهده، وأصيبت بالشلل معظم حركات العمل الأهلي الإسلامي، وتم تأميم العمل الإسلامي وصبغه بصبغة حكومية لا بقصد القضاء على روح الإسلام عند الأفراد، وإنما بقصد ختم كل الأعمال الإسلامية البارزة بخاتم “النسر”.

وفي عهد عبد الناصر تم إنشاء إذاعة القرآن الكريم، وأصدرت دار الشعب الحكومية عدداً من الإصدارات الإسلامية الهامة، أهمها دائرة المعارف الإسلامية، وتم الجمع الصوتي للقرآن الكريم لأول مرة في تاريخ الإسلام، وصدر قانون تطوير الأزهر الذي كان إيجابياً حسب ظن الدكتور البهي، وشهادة القرضاوي (وإن خالفهما في ذلك كثيرون)، وتولى السيد أنور السادات نائب الرئيس منصب سكرتير منظمة المؤتمر الإسلامي، وتأسست جمعية الهداية الإسلامية ورأسها حسين الشافعي عضو مجلس قيادة الثورة ونائب الرئيس، وعقد أكبر مؤتمرات مجمع البحوث الإسلامية حتى الآن، وكان موضوعه الجهاد، كما نجح كمال الدين حسين في الإبقاء على بعض الروح الإسلامية في مناخ التعليم العام حين كان وزيراً للتعليم.

وأدخل ناصر التدريب العسكري إلى الأزهر منذ منتصف الخمسينات خلال مشيخة عبد الرحمن تاج. وفتح باب التعليم الديني على مصراعيه حتى أصبح ثلث التعليم العام حالياً ( كان عدد المدارس والمعاهد الدينية قبل 52 عشرة لا غير وأصبحت ستة آلاف وثلاثمائة 1996)، وأقام مدينة البعوث الإسلامية لخمسة آلاف طالب من “العالم الإسلامي” بإقامة كاملة مجانية، وبدأ إنشاء مؤسسات شبيهة وفروع في غزة والجزائر واليمن والسودان وإسلام أباد.

وفي مقابل ذلك أحكم عبد الناصر سيطرته على مؤسسة الأزهر ففقد استقلاله تماماً. وتم تعيين أحمد حسن الزيات رئيساً لمجلة الأزهر التي حولها إلى مجلة تصدر باسم عبد الناصر لتمجده وتنتصر لقراراته. كتب الأستاذ الزيات في مجلة الأزهر مخاطباً الرئيس ومعلقاً على “الميثاق” الذي أراد به عبد الناصر أن يكون بديلاً للدستور : “إن ميثاقك الذي عاهدت الله الوفاء به وعاهدك الشعب على اللقاء عليه حروف من كلمات الله لم يؤلفها أحد قبلك في أي عهد لا في القديم ولا في الحديث لا في الشرق ولا في الغرب”!! وكتب أيضاً: “وسينتشر ضوء ميثاقك المحكم الهادي في كل نفس ، وفي كل أرض ، انتشار كلمة الله ، لأنه الحق الذي وضعه الله في شرعه والنهج الذي سنه لجميع خلقه”!! وهي سقطة للأزهر والأزهريين، توالت بعدها السقطات.

……….

(رحلتنا مستمرة)

Advertisements