الوسوم

من هنا نفهم. هذه قراءة خاصة في تاريخ المد الإسلامي الحديث ومستقبله مع التركيز على مصر، وفيها تلخيص لأكثر من ثلاثمائة مرجع ومصدر عن هذه الفترة التاريخية… كتبتها ليعود إليها الفتيان والفتيات ليتعرفوا بشكل مبسط ومكثف على تاريخ الدعوة والحركة الإسلامية المعاصرة على مدار قرن كامل، وفيها تحليلات ووقائع وشخصيات لم تأخذ حقها من النشر والرواج.

ليس في الأمر ثمة تناقض بين حملة العلمنة الجارفة التي شملت مناحي الحياة جميعها، وهذا التأميم الشامل للعمل الإسلامي بما فيه الأوقاف، التي غير قانونها ما جرى العمل عليه منذ مئات السنين، بحيث بات المراقب لا يعلم هل الحكومة مع الإسلام أم تحاربه. وتحليلي أن السبب في هذا التوجه لا يخرج عن ثلاثة احتمالات:

       المزايدة على الإخوان المسلمين، وإرسال رسالة للشعب المصري أن الإخوان لا يستأثرون بالعمل الإسلامي، وأن عبد الناصر ربما يقدم للإسلام في ظنه أفضل مما يقدمون، وبالتالي يقضي على المطالب الشعبية المنادية بعودتهم. وحسب شهادة كثيرين، فإنه كان يهتم بالتأكد من استمرار تدفق الموارد المالية لأسر المعتقلين، في وسيلة ذكية منه للحفاظ على التوازن الاجتماعي لأسر عشرات المعتقلين، أما تعذيبهم في السجون، فنقرة أخرى.

       التحكم في مسار العمل الإسلامي، بحيث يسير في إطار التوجهات العليا للدولة، ولا يشتط إلى مطالب تخالف أولولياتها المرحلية. ومن أجل ذلك استقطب عدداً من شباب الأزهر النابهين لعضوية التحاد الاشتراكي، وبعد ذلك التنظيم الطليعي، نذكر منهم الدكتور الأحمدي أبو النور وزير الأوقاف في عهد مبارك، والدكتور عبد الرحمن النجار وكيل الوزارة في عهد السادات، وكانا مع غيرهما يشاركان بفعالية في اجتماعات أمانة “الدعوة والفكر”.

       المحافظة على الحد الأدنى من الاستقرار السياسي، وعدم الجهر بمصادمة الناس في معتقداتهم، والإبقاء على مجال للتنفس لا يستطيعون معه الزعم بعدائه للدين أو مجاهرته الواضحة بكراهيته. والتمحك في الرسول صلى الله عليه وسلم، ووصفه بأنه “أبو أول اشتراكية”، وبحثه الدائم عن الدعم الديني لقراراته السياسية كالتأميم وتحديد النسل، ومحاربة العدو الصهيوني.

وبخلاف الأعمال الاستباقية التي ذكرنا طرفاً منها، كانت لعبد الناصر مواقف شخصية تفسر إلى جانب الانتصار للقيم الأخلاقية ذات المرجعية الدينية مثل وقوفه مع قرار مصادرة رواية أولاد حارتنا لنجيب محفوظ بعد تقرير الأزهر بمنعها من النشر، وإن نشرت مسلسلة في الأهرام، ومنع عرض مسرحية الحسين شهيداَ لعبد الرحمن الشرقاوي، وفي اجتماع له مع الصحفيين بعد تأميم الصحافة هاجم مجلة روزا اليوسف ورسومات حجازي الكاريكاتورية، لأن نسب أرداف المرأة في رسوماته مثيرة. وهاجم النكات والرسوم التي يظهر فيها الزوج مخدوعاً والمرأة تخفي رجلاً في خزانة الملابس، وقال في لهجة لا تخلو من تهديد: “إن مصر ليست النساء المطلقات في نادي الجزيرة. مصر هي كفر البطيخ”.

وتحول تحدي الإسلاميين في الخمسينات والستينات من النضال من أجل الاستقلال إلى الجهاد من أجل المحافظة على الهوية الإسلامية للأمة، ولم يكن الطرف الآخر هو المستعمر المغتصب، وإنما نظم الحكم المستبدة، ولم يتحمل عبء هذا التحدي عسكريون يحملون السلاح وإنما مثقفون يكتبون ويخطبون ويسجنون.

وحتى بدايات السبعينات كان فكر الإسلام السياسي محصوراً في كتابات أبي الأعلى المودودي وسيد قطب وأبي الحسن الندوي على مستوى الإسلام الحركي، أما على المستوى الأكاديمي فيمكن اعتبار بعض كتابات محمد الغزالي وضياء الدين الريس وطه سرور هي الأبرز في هذا المجال، ولكن بشكل عام تأثر حجم الإنتاج الفكري في هذه المرحلة بالتضييق الذي مارسته السلطات على حركة الطبع والنشر والتواجد الإعلامي بشكل عام.

وقد حاز كتاب سيد قطب (1906- 1966) “معالم في الطريق” شهرة مدوية بين شباب الحركات الإسلامية.. ولعل مما ساعد على ذيوعه الظروف الخاصة لمؤلفه الذي اعتقل عام 1954، واستمر في المعتقل لسنوات، قبل أن يعاد اعتقاله مرة أخرى ويتم إعدامه عام 1966، وقد كتب مذكراته عن هذه الفترة في كتاب تم نشره فيما بعد تحت عنوان “لماذا أعدموني”، وهو مطروح الآن في الأسواق.

ويتلخص فكر سيد قطب في هذا الكتاب الصغير الذي ظل ممنوعاً من التداول حتى عهد قريب إلى تقسيم العالم إلى قسمين: إسلامي وجاهلي. وهو يرى أن الجاهلية التي حاربها الرسول صلى الله عليه وسلم قد عادت مرة أخرى. وخطورة هذا الكتاب ليست أنه ينادي بمواجهة الغرب الملحد والكافر، ولا حتى في تكفير الحاكم، وإنما في تكفير المجتمع ككل، و قد بنى رأيه هذا على ما قام برصده من مظاهر الابتعاد عن ثقافة الإسلام في المعتقدات والسلوك مما نراه واقعاً في أفعال الناس اليومية فضلاً عن الشكل الذي اتسمت به آدابهم وفنونهم وقوانينهم التي هي نتاج ثقافة الجاهلية. و “القطبيون” هم أولئك الذين تبنوا هذا الفكر وتقمصوا دور الصحابة في عصر الرسالة الأول، بينما قام الناس جميعاً بدور الكفار والمشركين.

ويتردد بين متابعي الحركات الإسلامية أن سيد قطب هو المناظر المصري لأبي الأعلى المودودي المفكر الهندي الكبير، ومبتكر عبارة “الحاكمية لله”، والتي تنتهي بشكل عملي أيضاً إلى تقسيم المجتمع إلى إسلامي وجاهلي، وله كتيب صغير شهير اسمه: “ردة ولا أبو بكر لها”. ولكن المودودي كان ناشطاً سياسياً وكان –ربما لنضج الحياة السياسية بالهند- يؤمن بالديموقراطية، ويراها هي الشكل العصري من الشورى الإسلامية، بينما كان سيد قطب أميل لفكرة الديكتاتور العادل، وكان رفضه للديموقراطية مبنياً على كونها صناعة غربية، ورأيه في أنها لم تنجح في الرب فكيف يستوردها الشرق؟!

وشهدت الدول العربية في نفس الفترة عدداً من رموز الصحوة الإسلامية الوليدة مثل: علي الطنطاوي ومصطفى السباعي في سوريا، وفتحي يكن في لبنان، ومالك بن نبي في وعلال الفاسي في الجزائر، لكن أياً من هذه الكتابات لم تكن مدعومة بظهير سياسي قوي يحميها ويوفر لها وسائل الانتشار، خاصة مع سيطرة تامة من المثقفين العلمانيين بدعم حكومي كامل على كافة أنشطة الحياة الأدية والفنية والثقافية في مصر وتونس الحبيب بورقيبة وجزائر أحمد بن بيلا، كما كان الخليج العربي خاصة في الكويت والبحرين يعتبر عبد الناصر ملهمه الأكبر وزعيمه السياسي والثقافي والديني في نفس الآن، باستثناءات محدودة في السعودية التي أفسحت الطريق لإيواء عدد ممن هربوا من قادة الإخوان المسلمين في الخمسينات والستينات، وهو ما أثر بشكل سلبي على علاقة عبد الناصر بالملك سعود شخصياً، وبالسعودية بشكل عام.

******

(رحلتنا مستمرة)

Advertisements