الوسوم

كيف حسبتها إسرائيل؟

التوقيت:

 أعياد الكريسمامس واحتفالات بعام جديد، وانشغال أمريكي استعداداً لاستقبال رئيس جديد (لم نسمع صوته بعد)، وهدنة سقطت، وسباق محموم للظفر بلقب “الأكثر شراسة” أمام الناخب الإسرائيلي الذي يرتب خياراته في الانتخابات الجديدة.

الظروف:

انقسام بين فتح وحماس، غزة تحت حصار خانق مستمر منذ عام ونصف، غضب مصري على حماس وتخوف من استمرار نجاحها، أزمة مالية عالمية تجعل الاهتمامات الدولية والمساعدات محدودة، ترحيب عربي بمبادرة السلام، تجهيز لمفاوضات السلام مع سوريا ( ستصحب بطلب للتضييق على الفصائل هناك)، فشل رؤية بوش لحل الدولتين، انسداد الأفق السياسي، انسحاب الرباعية من التأثير الفاعل على مسرح الأحداث، تململ مصري من موضوع الأنفاق وبدو سيناء والمعابر، غياب رؤية عربية موحدة، عجز الشارع العربي عن التأثير في القرار السياسي، اتفاقيات ومعاهدات تكبل دول المواجهة مثل مصر والأردن، عجز المقاومة عن التصدي للغارات الجوية، الرغبة في تحقيق نصر عسكري ساحق لتعويض الخسارة في حرب لبنان.

التجهيز:

 بدأ من أكثر من شهر، استبعاد الحديث عن مد التهدئة، حشود على الجبهة، تهيئة للرأي العام الإسرائيلي للحرب، أعمال استخبارات بالتعاون مع السلطة الفلسطينية وبعض الجواسيس، زيارات مكوكية لتركيا ومصر لإحراج الدولتين أو للإيحاء بالتهدئة، ترحيب بيريز بالمبادرة العربية للسلام، غارات استطلاعية مكثفة، رسائل للفلسطينيين للدعوة للتخلي عن حماس حتى ينجوا من القصف، توريط الفصائل في إطلاق صواريخ على أهداف وهمية لخلق الذريعة وكسر وحدة الصف الفلسطيني، واستكمال الغطاء الغربي، الضرب يوم السبت يوم العطلة اليهودية المقدسة، واستهداف المقار الأمنية لحماس لشل قدرتها التنظيمية التخطيطية.  

 

الأهداف الإسرائيلية من الاعتداء

1-    إسقاط حكومة حماس

2-    ضرب القدرات العسكرية والتنظيمية للفصائل الفلسطينية

3-    إجهاض مشروع المقاومة

4-    عقد اتفاقية سلام وفق الشروط الإسرائيلية وبناء على الواقع الجديد

5-    الثأر لهزيمة إسرائيل في حربه مع حزب الله

(لاحظ أنها أيضاً تصلح أهدافاً لبعض الأنظمة العربية)

 

من المسئول؟

لن تضرب إسرائيل إلا إذا كان لديها رغبة وقدرة وفرصة

وإسرائيل لديها رغبة-

والمسئول عن ذلك حماس. وهذا يحسب لحماس ولا يحسب عليها. فتزايد الرغبة الإسرائيلية في الضرب سببه أن حماس تبلي بلاء حسناً في مشروع المقاومة، ونجاح حماس في الصمود وعدم الاستسلام وخوفاً من انتشار الفكر المقاوم على امتداد الوطن العربي، زين لإسرائيل وهم أنه لا سبيل لكسر شوكة حماس بالتجويع أو الضغط السياسي أو الحصار، وإنما لا بد من ضربة عسكرية موجعة، مع مد اليد الأخرى بلقمة السلام المتعفنة.

وإسرائيل لديها قدرة-

 ولا أتحدث عن قدرة عسكرية فالتفوق العسكري كاسح، وإنما أتحدث عن القدرة السياسية، فإسرائيل تعلم أنها يمكن أن توجه ضربات عسكرية همجية عنيفة يسقط فيها مئات المدنيين في الوقت الذي يمكن أن تتحمل فيه رد الفعل الدولي والعربي دون ضرر كبير بسمعتها أو استقرارها السياسي.

لا مصر سوف تقول لها الحرب على غزة حرب على مصر،

ولا السعودية سوف تقول لها: إذا ضربت فاعتبري مبادرة السلام لاغية،

ولا السلطة سوف تقول لها إذا ضربت فسأتخلى عن خيار السلام،

ولا سوريا سوف تقول لها لو ضربت فسأضرب الجولان،

ولا لبنان سوف تقول لها لو ضربت فسأضرب شمال إسرائيل،

ولا مجلس الأمن سيعتبر ما فعلته جريمة حرب، وإنما سيدين الاستخدام غير المتكافيء للقوة وسيدعو حماس للتوقف عن إطلاق الصواريخ،

ولا البيت الأبيض سيقول لهم توقفوا عن استهداف قادة حماس،

ولا المقاومة في غزة يمكنها أن تتصدى لطائرات ف -16 الأمريكية،

ولا اجتماع القمة العربي – في حالة عقده- سيخرج بقرارات موجعة،

ولا سيقود الهجوم الإسرائيلي إلى توحيد الصف الفلسطيني إذا كان هناك فريق يمكن شراؤه أو تضليله،

ولا عدة قذائف صاروخية ستوقظ المارد العربي الذي لم يستيقظ لأضعافها في العراق،

ولا إسرائيلي واحد سوف يسقط في مواجهة مباشرة مع المقاومين…

إذا كانت لدي كل هذه الأوراق، والطرف الآخر منزوع الأنياب على هذا النحو المخزي… فلماذا لا أضرب وبكل عنف وهمجية، ولماذا لا أحقق انتصاراً رخيصاً أستعيد به مجدي الضائع وزهوي الذي تردى.

 وإسرائيل لديها فرصة –

فالتهدئة سقطت، ولم يتحمس أحد لتمديدها، والذريعة موجودة دائماً: حماية أمن إسرائيل، حماس منظمة إرهابية تتلقى دعماً من إيران.

لا تقع في الفخ الإسرائيلي، وتترك كل ما سبق من تحليل، وتقول كما يقول الغائبون عن الوعي: المسئول هو الصواريخ.

لو لم تكن هناك صواريخ لقالت إسرائيل: الأنفاق،

ولم يكن هناك أنفاق، لقالت إسرائيل: حماس،

لو لم تكن هناك حماس، لقالت إسرائيل: جلعاد شاليط ،

ولو لم يكن هناك شاليط لقالت إسرائيل: السلطة الفلسطينية

لو لم تكن هناك سلطة، لقالت إسرائيل: “أهو كده وبس”… و “اللي مش عاجبه يشرب من البحر”

……….

ماذا يريد الفلسطينيون؟

في ضوء وضوح الأهداف الإسرائيلية الخمسة المعلنة والتي اتفقت عليها جميع الأحزاب السياسية الإسرائيلية، يجب أن يكون الموقف العربي والفلسطيني بنفس الدرجة من الوضوح والحسم.

لا تورط نفسك في متاهات ومغالطات وتصريحات وتصريحات مضادة… أهداف إسرائيل واضحة، وسأعيدها هنا: إسقاط حكومة حماس – ضرب القدرات العسكرية والتنظيمية للفصائل الفلسطينية – إجهاض مشروع المقاومة – عقد اتفاقية سلام وفق الشروط الإسرائيلية وبناء على الواقع الجديد – الثأر لهزيمة إسرائيل في حربه مع حزب الله.

وأنا أعيدها لتقرأها بتأمل حتى تعرف أنها ليست أهداف إسرائيل وحدها، ولكنها أيضاً للأسف أهداف لبعض الأنظمة العربية، وبعض القادة العرب، وبعض العواصم العربية.

ما يريده الفلسطينيون، ينبغي أن يكون تماماً عكس هذه الأهداف، وهو ما ستكشف عنه القمة العربية في حال عقدها، هل ستقف مع الحق الفلسطيني أم ستقف مع الضغط الصهيوني الأمريكي…

أهدافنا هي:

1-    وقف تام وفوري للعدوان الإسرائيلي

2-    إلغاء كامل للحصار عبر اتفاقات منصفة للحركة على المعابر

3-    وحدة الصف الفلسطيني حول مشروع المقاومة

4-    سحب فوري للمبادرة العربية

5-    إلغاء كافة أشكال التطبيع والتعاون مع العدو الصهيوني.

وهي أهداف لا تحتاج لأكثر من إرادة حرة لاتخاذ القرارات… لا أحد ينادي بتضحيات، ولا أحد يعرض أمنه القومي للخطر، ولا أحد يقول بتحدي المجتمع الدولي…

………

ماذا سيحدث في الأيام القادمة؟

تحقيق الأهداف الإسرائيلية في غاية الصعوبة إذا نجح الصمود الفلسطيني، وتلقى الحد الأدنى من الدعم العربي والإنكار الدولي للجرائم الإسرائيلية.

والإسرائيليون دائما ً ما يبدءون الحرب ثم يعجزون عن إنهائها.

وسيسقط المزيد من الشهداء، وربما تعرضت حياة بعض قادة حماس للخطر، لكن إسقاط حماس وإجهاض المقاومة لن يتحقق إلا بتدخل عربي يتجاوز التواطؤ إلى المشاركة.

وأغلب الظن أن إسرائيل ستخرج من هذه المعركة بخسارة سياسية فادحة، فالحرب التي تشنها إسرائيل جواً على المنشآت والأفراد العزل تخلو من أية قيمة أخلاقية، وصور الشهداء والجرحى في وسائل الإعلام الغربية لا يتحملها ضمير إنساني راشد. ومشروع السلام سيتعرض لأكبر انتكاسة، و “المعتدلون” العرب لن يجدوا ما يواجهون به شعوبهم الغاضبة، ووحدة الصف الفلسطيني أمامها فرصة تاريخية لن تتكرر دفع ثمنها مئات الشهداء…

لكن نجاح تحقيق النصر السياسي العربي وتحقيق الأهداف العربية، وإفشال الأهداف الإسرائيلية مرهون بإرادة عربية حازمة لا تحاول استغلال الأحداث المأساوية لتحقيق انتصارات مؤقتة، وإنما تتحلى بروح المسئولية وتعمل بوحي من ضمير مخلص.

ليس هناك سبيل لمواجهة عدو أسفر عن وجهه الخبيث رغم كل محاولات التقرب والتسوية إلا تمكين المقاومة الفلسطينية من القيام بدورها في مواجهة العدة الصهيوني…

لدى حماس 20 ألف جندي مسلح يمكنهم أن يحققوا ضربات موجعة للعدو في مواجهات برية، ولديهم صواريخ يمكن أن يصل مداها إلى 25 كيلو متراً في عمق الأراضي الإسرائيلية إن تمكنوا من إطلاقها، ولديهم سلاحه الأمضى وهو التفجيرا ت الاستشهادية في قلب إسرائيل.

ولكن أياً من هذه الخيارات لن يكون متاحاً إلا في ظل غطاء عربي إسلامي حكومي وشعبي يمثل ضغطاً داعماً للإخوة على خط المواجهة…

لكن إذا تحولت القمة العربية إلى دعوة لإلقاء السلاح، وتصفية لمشروع المقاومة، وترويج مفضوح للمبادرة العربية، وحديث ممل عن السلام كخيار استراتيجي وحيد، وتفويض مجلس الأمن في اتخاذ قراراته التي لم تكن منصفة ولم يجد المنصف منها طريقه للتطبيق طيلة 60 عاماً، فنحن إذن بإزاء مشاركة عربية في العدوان يجب أن يدفع ثمنها الحكام العرب…

وعندها لن نتهم الحكام بالتخلي عن مسئوليتهم،

وإنما يجب أن تتهم أنفسنا أننا تركناهم في كراسيهم…

وإن غداً لناظره قريب.

Advertisements