الوسوم

مع انسحاب آخر الدبابات الإسرائيلية من أراضي القطاع المنكوب، لأهل غزة الأبطال أن يفخروا بصمودهم الأسطوري، أما إعلان النصر فمرهون بتحقيقهم مكاسب حقيقية في أربعة معارك عسيرة: معركة المصالحة الوطنية، ومعركة إعادة الإعمار، ومعركة فك الحصار، ومعركة محاكمة مجرمي الحرب الإسرائيليين. أرجو أن يكون الدعم العربي هذه المرة حقيقياً حتى لا نهدر صمود الأبطال، وحتى لا يذهب دم الشهداء هدراً.

…….

مع كل يوم يمر تتكشف حقيقة جديدة مخزية بخصوص مأساة. لا أقصد فقط حجم الدمار ولا عدد الشهداء ولا مصير المشردين، ولكني أقصد النوايا الخفية والاتصالات السرية والاتفاقات المعقودة في ضوء المصابيح الزرقاء.

………

إذا استمر اكتشاف جثث جديدة للشهداء في غزة، فمن المرجح أن يتجاوز عددهم عدد ضحايا عبارة السلام (انظر المفارقة) في مصر، وإذا استمر التضييق على إدخال مواد الإغاثة إلى غزة، فمن الوارد أن يتجاوز عدد من سقطوا في غزة بسبب نقص الطحين (القمح)  عدد من استشهدوا في طوابير الخبز المصرية، مع الاعتذار لفضيلة المفتي.

……

استقبل جورج بوش الابن بعد شهور من ولايته حادثة تفجير برجي التجارة العالمي في نيويورك، فأعلن إستراتيجيته الوحيدة لحكمه المشئوم الذي استمر 8 سنوات وهي الحرب على الإرهاب.

ويستقبل باراك حسين أوباما عهده بعد عدة أيام من كارثة غزة المفجعة. أرجو أن يكون عنوان عهده هو الحرب على الظلم. فالظلم هو الأب غير الشرعي للإرهاب.

أما الحرب على الفساد فعلينا أن نبدأها في مصر والعالم العربي فوراً دون أن ننتظر عوناً من رئيس داخلي أو خارجي، حالي أو منتظر… فالفساد هو الغواية الكبرى التي تزين للظلم الخطيئة، ومن علاقتهما الآثمة ينتج الإرهاب.

عالجوا المرض لا العرض.

………

خذ عند هذا السيناريو:

إسرائيل دمرت أكثر من 20 ألف بيت، وقتلت وأصابت أكثر من 7000 نفس. العرب تبرعوا بكافة تكاليف إعادة الإعمار ( تحدثوا عن إعادة إعمار المباني والطرق لم يتحدث أحد عن إعادة الإعمار النفسي والطبي والمادي لأسر الشهداء أو الجرحى). الفلسطينيون –كالعادة – اختلفوا حول من يقوم بإدارة أموال التبرعات.  إسرائيل ستحل لهم المشكلة وتشرف بنفسها على عمليات إعادة الإعمار. مجاهدو حماس السابقون سيقومون بشراء الأسمنت والحديد وسائر مواد البناء لبناء المنازل والمدارس والمساجد التي دمرت خلال العدوان.

والكل سعيد.

إسرائيل بمكاسبها من مواد البناء استردت تكاليف الحرب، وأهل غزة أعادوا بناء بيوتهم القديمة بتصاميم حديثة، وخادم الحرمين الشريفين – بأموال السعوديين والمقيمين في السعودية- استعاد هيبة السعودية، ومكانتها التي اهتزت بصمتها طيلة أيام العدوان.

ويا دار ما دخلك شر.

……

وخذ هذا السيناريو أيضاً:

مصر (أحمد عز) تطالب بحق حصري في توفير مواد البناء لإعادة إعمار غزة (كما تطالب بحق حصري في رعاية المصالحة الوطنية الفلسطينية). إسرائيل تشترط لمنح مصر هذه الصفقة ضمانات محددة لوقف تهريب السلاح وتدمير الأنفاق ومصر تقبل وتقدمها بكفاءة عالية. يتم فتح معبر رفح وتجهيزه على أعلى مستوى لعبور البضائع المصرية إلى غزة… إسرائيل تأخذ عمولتها… ويتسرب جزء من حديد عز إلى ورش الحدادة لتصنيع رؤؤس صواريخ القسام، مقابل رشاوى تدفعها إيران للجنود الإسرائيليين والمراقبين الدوليين. وتبدأ قصة التصعيد من جديد.

ألم أقل لكم: الإرهاب.. الظلم … الفساد … حلقة مجنونة يجب العمل على كسرها.

…….

حيرني حسني مبارك..

هل هو داهية ثمانيني كما تصفه الصحف الإسرائيلية: يعلن عن غلق المعبد ويتركه مفتوحاً ليل نهار، ويقسم على رغبته في تدمير الأنفاق ويطلب من ضباطه غض الطرف عن عمليات التهريب، ويهاجم حماس في العلن ويتفق معها سراً؟  أم هو مجرد دمية ضعيفة لا حول له ولا قوة أمام ضغوط بوش، ومناورات ليفني، وغارات باراك، وقرارات أولمرت من جانب واحد؟!

هل نجاحه في جمع أكبر رؤساء العالم في شرم الشيخ خلال ساعات لمباركة مبادرته هو دليل على نفوذه واحترام الزعماء له، أم دليل على أنه مجرد وكيل مبادرات وسمسار اتفاقات… يتحمل عبء الدعوة، ويتلقى سيل النقد والتنديد، ويقبض الثمن؟!

الإجابة عند عمر سليمان… أو على الأرجح عند جمال مبارك.

……..

بودي أن أعرف من هو صاحب هذه العبارة اللولبية الخادعة المستفزة: السلام هو خيارنا الاستراتيجي..

علينا أن نتنبه للأفخاخ والمخازي المغالطات المبدئية والعملية التي توقعنا فيها هذه العبارة الملعونة… وهاك بعضها:

….

أفهم أن السلام – وعكسه الحرب- هما أوضاع تكتيكية تلجأ إليها الأمم لتحقيق مصالحها حسب الظروف ، وليس قدراً أو قيداً تطوق به نفسها دونما داع، ودونما فائدة. أبسط قواعد التفكير تقول: إن مصلحة الأمة لا تتحقق بالالتزام بوضع واحد طول الوقت، وبدون إظهار القدرة على المناورة والمبادرة للعدو المتربص فلن يجد صعوبة في النيل منك متى شاء وكيف شاء.

…….

تصحيح: السلام لا يعني نفض اليد من المقاومة، والمقاومة لا تعني حمل السلاح طول الوقت.

……….

أفضل أن يكون العدل هو خيارنا الاستراتيجي…. حتى لو كانت المصلحة هي خيارهم الاستراتيجي… وعلينا أن نثق وأن نؤكد للآخرين أن العدل وحده هو الذي يحقق السلام الحقيقي.

………

أنت لا تصنع السلام مع نفسك، ولا تحققه أمام المرآة. إذا كان الطرف الآخر بسلوكه الإجرامي يؤكد في كل لحظة أن الحرب هي خياري الاستراتيجي (يسميها: الأمن)، فمن العبث أن أستجدي لأسالم من لا يراني شريكاً ونداً، لأني هنا أستسلم له، لا أسالمه.

………

أمريكا هي صاحبة أكبر جيش في العالم وصاحبة أكبر ميزانية تسليح وصاحبة أكبر عدد من العمليات العسكرية سنوياً. ولا ترى أن ذلك ينتقص من قيمها ومبادئها التي تتيه بها على العالم.. أمريكا لا تخجل من أن السلام ليس خيارها الاستراتيجي. لا ينبغي أن نخجل من الحرب ونتكلم عنها بصوت هامس كأننا ندعو لممارسة الرذيلة… أحياناً تكون مبادرات السلام هي الرذيلة مجسدة.

…….

ليكن هدفنا الدائم والمعلن هو السلام القائم على العدل، دون أن نتنكرلحقيقة أن الوصول لهذا السلام يقتضي منا أحياناً أن نحارب أعداء السلام بشراسة.

……

بينما إسرائيل تم تصميمها لتحارب طول الوقت، فقد تم في الثلاثين عاماً الأخيرة إعادة تصميم تعليمنا واقتصادنا ورياضتنا وشوارعنا وبيوتنا وكأن الحرب قد حذفت من القاموس. كم مدينة عربية بها ملاجيء؟ لماذا تم هدم جميع الأسوار أمام مداخل البيوت؟ كم نسبة الذين يلتحقون بالتجنيد وماذا يفعلون بعد التحاقهم؟ ماذا نفعل بميزانيات التسليح والتدريب العسكري السنوية؟ ما معنى أن نقتطع من ميزانياتنا السنوية مئات المليارات للإنفاق العسكري ثم إذا حاربنا إسرائيل (عدونا الوحيد) حاربناها بصواريخ القسام المصنعة في ورش الحدادة، وصواريخ غراد المهربة براً وبحراً؟! متى سمعتم لآخر مرة عن هيئة التصنيع العربية؟!

……..

هل جلب لنا السلام الاستراتيجي الرخاء؟ هل تحولت ميزانيات التسليح المخفضة إلى مشاريع تنمية مستدامة… راجعوا لو سمحتم الأرقام المعلنة في قمة الكويت الاقتصادية… لتعلموا أن من فرط في الأرض، فقد فرط في الحياة الكريمة. قارن بأرقام إسرائيل الاقتصادية، لتعرف أن أول قرارات مؤتمر الكويت الاقتصادي، كان ينبغي أن يكون مراجعة خيارنا الاستراتيجي المشئوم.

……..

لا أقول تعالوا غداَ لنحارب… فلا يمكن أن تدفع أحداً ليفعل شيئاً وهو غير مستعد له، (لو طلبت من ابنك أن يعبر البحر غصباً عنه فسيغرق)… مع أننا فعلناها من قبل في حرب تحرير الكويت، وجهزنا 50 ألفاً في أقل من شهر… سؤالي المشروع هو: إلى أي حد نحن مستعدون عسكرياً لمواجهة التهديدات الأمنية؟!!   

……..

أنا خريج مدرسة الخديوي إسماعيل الثانوية العسكرية.. أقر وأعترف بأنني لم أر في حياتي بندقية إلا في صور المجلات والتليفزيون ومحلات لعب الأطفال… وفي حصص ضرب النار كانوا يأخذوننا إلى المناطق العسكرية… لنلعب كرة القدم.

…..

لي أقارب وأصدقاء في الجيش المصري يفخرون بإنجازاتهم الرائعة في إنشاء الجسور ورصف الطرق وبناء المدارس وزراعة الصحراء وإدارة محطات البترول وبيع المواد الغذائية وتصميم مواقع الإنترنت، والطباعة الفاخرة جداً لنشرة الترقيات العسكرية.

…….

 أقول قولي هذا وأذكركم أن غزة ليست آخر الحروب..

 وأستغفر الله العظيم لي ولكم..

والسلام عليكم.

 

Advertisements