لدي قناعة بأن هناك مشكلة في التعليم الأزهري، وهذه المشكلة قديمة قدم الأزهر، أو هي قديمة قدم التعليم النظامي نفسه.

ويشار دائماً إلى أن  السبب في ضعف خريجي الأزهر يعود إلى عجز المدرسين وعدم كفاءة المناهج واستهتار الطلبة. وأعتقد أن المشكلة أعقد من ذلك، وتعود إلى قصور في تحديد دور ورسالته الأزهر وليس إلى مجرد تقصير في التطبيق.

إذا كان الهدف من إنشاء الأزهر هو حفظ التراث الديني ونقله للأجيال المتعاقبة، فقد أبلى الأزهر بلاء حسناً في هذا الجانب، ولو لم يكن هناك الأزهر لفاتنا الكثير من تراث أئمة الفقه والتفسير والحديث والفرق الإسلامية واللغة العربية، ليس فقط كمطبوعات أو مخطوطات، وإنما كأفكار ومناهج تفكير ولغة خطاب تنتقل من جيل إلى جيل.

أما إذا كان الهدف هو مساعدة العوام من غير المتخصصين في العلوم الشرعية على التعرف على مراد الله من شرعه، وتوجيههم إلى ما فيه صلاح دنياهم وأخراهم كأفراد وكمجتمع، فمن الواضح أن أداء الأزهر في هذا الجانب لا يرتقي إلى مستوى الطموحات منه كمؤسسة دينية عريقة، وهو ما جعله يتراجع عن كونه المؤسسة الدينية الوحيدة ليفسح المجال لمؤسسات أخرى تنازعه هذا الدور داخل مصر قبل أن يكون خارجها.

ويبدو أن مسئولي الأزهر وخريجيه – ورثة الأنبياء – لم يقوموا بأداء واجبهم تاماً في تحقيق هدف الدعوة وهو إخراج الناس من الظلمات إلى النور وإرشادهم ليكونوا أقرب إلى الجنة وأبعد عن النار. يذكرني طلبة الأزهر بطلبة كليات الهندسة الذين يدرسون علم  “ميكانيكا السيارات” كاملاً ، ويعرفون بشكل نظري يؤهلهم للحصول على الامتياز كل شيء عن دورة الوقود ودورة التبريد وميكانيكا حركة التروس، دون أن يتعلموا كيف يقودوا السيارة، ودون أن يستطيعوا الإجابة على سؤال بسيط يقابل الناس صباحاً وهو “لماذا لا تدور السيارة؟”.

أتحدث عن أوائل الكليات الأزهرية الدينية ، ممن واصلوا تعليمهم  بتفوق لمدة تزيد عن ربع قرن من الدراسة المتخصصة العميقة حتى حصل الواحد منهم على شهادة الدكتوراة فأصبح متخصصاً في التفسير أو الحديث أو الشريعة أو العقيدة… هل تعرض خلال هذه الدراسة الطويلة المتخصصة إلى ما يشفي غليله للإجابة على أسئلة مباشرة وبسيطة مما اعتاد أن يسألها الناس، وهل وجد عوناً من أساتذته وشيوخه من خلال ما يتعلمه في الأزهر في أن يكون لنفسه زاداً علمياً وعملياً يساعده في معرفة الإجابة على أسئلة من نوع:

         كيف أخشع في صلاتي؟

         لماذا خلق الله الشر؟

         كيف يحاسبني الله وقد قدر علي مصيري سلفاً؟

         لماذا ينتصر اليهود علينا؟

         ما معنى اسم الله “المقيت”، وما معنى اسمه “الصمد”؟

         هل الحروب في الإسلام دفاعية فقط؟

         أيهما أفضل الذكر أم قراءة القرآن أم الدعاء؟

         ما الفرق بين المسلم والشيعي؟ وهل يمكن أن يتحول السني إلى المذهب الشيعي؟

         هل يمكن للجن أن يؤذي الإنسان؟

         ما معنى “ومن لم يحكم بما أنزل الله فأؤلئك هم الكافرون”؟

         ما هي شروط الخروج على الحاكم؟

         هل التعامل بالفيزا كارد حلال أم حرام؟

         وغيرها كثير…

ويوجد عشرات الأزهريين المتميزين الذين يمكن أن يجيبوا إجابات مستفيضة ومقنعة عن هذه الأسئلة وأمثالها، ولكنهم لا يفعلون ذلك بسبب ما درسوه في الأزهر، وإنما بسبب اجتهادهم الشخصي وقراءاتهم الخاصة خارج المناهج الدراسية، ويشترك معهم في هذه القراءات آلاف المثقفين ممن لم يحصلوا على فرصة للتعليم الديني النظامي.

وفي المقابل فإن مئات الآلاف من الخريجين الذين تضخهم مؤسسة الأزهر العريقة كل عام في سوق العمل، لم يجدوا في ورقة الأسئلة في أية مادة من مواد التخصص الذين درسوها لسنوات طوال سؤالاً واحداً من هذه الأسئلة، وهي أسئلة ليست افتعالية ولا تعجيزية، وإنما هي أسئلة اليوم والليلة، أسئلة الكبار والصغار.

أعلم أن هناك مشروعاً ينادي بتجريم إصدار الفتاوى من غير المتخصصين، ولا أظن أنه سيجد حظه في التمرير.. ولا اعتراض لي على الفكرة، ولا يمكن أن أقف في صف المعترضين على “التخصص”، ولكني أتساءل عن التعريف الدقيق لكلمة “فتوى”، وعن الجهة التي تحدد من هم المتخصصون، وما هي الشروط الواجب توافرها فيهم؟ وما هي آلية التطبيق؟ … ولن أكون مقتنعاً إذا تم حصر المتخصصين في خريجي الأزهر… ذلك أن الأغلبية الساحقة من خريجي الأزهر – ومن بينهم بعض أساتذة جامعة الأزهر نفسه- غير مؤهلين للفتوى، كما أن هناك من خارج المؤسسة العريقة من هم قادرون ومؤهلون للإفتاء بحكم سعة اطلاعهم واتساع احتكاكهم بالجماهير وطول ملازمتهم للشيوخ من خارج مؤسسة الأزهر.

وحتى يتم إعادة النظر في “تصور” الناس والحكومة والأزهريين عن الأزهر ورسالته، وحتى تتسع القناعة بأن رسالته تتضمن أمرين متلازمين: الأول: “حفظ التراث الديني” وهو مهمة تقنية أكاديمية، والثاني: “ربط حياة الناس اليومية بالقيم الدينية النبيلة” وهو مهمة دعوية اجتماعية تعاني من قصور واضح في الأداء.

وحتى يتم إعادة مناهج الأزهر وتأهيل مدرسي الأزهر وفق هذه الرسالة والرؤية لتكون المناهج أكثر اتصالاً بالواقع، ويظهر هذا في عناوين الكتب، وفصول المواد الدراسية وأسئلة الامتحانات، ويكون أساتذة الأزهر أكثر انغماساً في الحياة المعاصرة، ويظهر هذا في استخدامهم للتقنيات الحديثة في التدريس، واستخدام الأمثلة من واقع الحياة وليس من كتب التراث… حتى نصل إلى هذه المرحلة، ونطمئن إلى مستوى “من نأخذ منه ديننا”،  عندها سنقف جميعاً خلف هذا القانون، وسنطالب بأقصى لمن يتجرأ على فتنة الناس عن دينهم وتضليلهم بالفتاوى المشبوهة، وسندعو إلى إعدامه وتحويل أوراقه إلى فضيلة “المفتي”.

Advertisements