تحتاج مصر إلى مؤتمر للمصالحة الوطنية بين المصريين يشبه هذا الذي ترعاه بين الفصائل الفلسطينية. و يبدو لي أن المصريين بحاجة إلى تنفيذ عناصر المبادرة التي أطلقتها مصر بعد العدوان الإسرائيلي على غزة ربما بأكثر مما يحتاجها الفلسطينيون:

         فالمصريون بحاجة إلى تثبيت التهدئة بين الشعب من جهة والحكومة والشرطة من جهة أخرى.

         وهم بحاجة إلى حوار وطني تشارك فيه الفصائل المصرية الحقيقية وليس الأحزاب الكرتونية التي تسربت في السنوات الأخيرة.

         وهم بحاجة إلى جهود مكثفة لإعادة إعمار ما دمره الفساد وسطوة رجال الأعمال.

……..

ولا توجد مشكلة مهما عظمت يمكن أن تستعصي على الحل إذا ما تحقق شرطا الإخلاص والخيال. وأعني بالخيال البحث عن حلول غير تقليدية خارج مخزن الحلول الأثرية البالية.. والخيال لا يقل أهمية عن الإخلاص، وليس صحيحاً أنه أمريكي المنشأ والصياغة، فقد كان الرئيس الراحل أنور السادات علماً من أعلام الخيال، أًصاب وأخطأ لكنه في كل الأحوال أدهش، ولحلح، وغيََََََر… ونحن في أمس الحاجة بعد سنوات الشلل الطويلة إلى الكثير من الإدهاش واللحلحة والتغيير.

……

لا نعرف على وجه الدقة الأسباب التي دعت الرئيس إلى اتخاذ قراره المفاجيء بالإفراج عن أيمن نور، ولا فحوى الزيارة التي قام بها جمال مبارك لأمريكا، ولا أسباب الهجوم المنظم على وزارة أحمد نظيف وشخصه، ولكني أعرف ما قاله موشى ديان: "إن الحمار وحده هو الذي لا يعرف أن يغير رأيه"…

وما دام الرئيس مبارك قد غير رأيه، فأدعوه في هذه الفرصة النادرة إلى تشكيل حكومة "خيالية"، يعلن عن تشكيلها فوراً على أن تستمر حتى موعد الانتخابات الرئاسية القادم، ويستفيد فيها الجميع من تموضعه الحالي، ولا يشعر أي طرف أنه أزيح خارج  اللعبة قسراً، وسيتاح للمختارين وغيرهم ممن قدر عليهم أن يكونوا في المعارضة أن ينتهزوا هذه الفرصة لإثبات جدارتهم بتبوأ مناصب أعلى بما فيها الترشح للرئاسة، إذا نجحوا في تحقيق خططهم، وأماني المصريين..

………..

من أبرز وجوه هذه الحكومة المفترضة:

أيمن نور – رئيساً للوزراء

فأيمن نور سياسي شاب طموح، وأثبت قدرة على تخطي الصعاب بالصبر والإصرار، وهو وجه مقبول من الغرب ويضع عليه الشباب آمالاً كبيرة – ربما مجرد نكاية في جمال مبارك-، ولديه عدد من الأفكار الجيدة التي طرحها في برنامجه الانتخابي مما يمكن استيعابها في برنامج الرئيس مبارك الأوسع والأكثر تحديداً، وعليه أن يثبت أنه كان جاداً في أفكاره ولا يزايد بها. وهذه هي الطريقة الوحيدة لإثبات حجم وحقيقة شعبيته وليس مقالاته في الجرائد ولا تصريحاته في الفضائيات. وأياً كان أداء الحكومة فالنتيجة محسومة لصالح الرئيس، فإن نجح أيمن فالفضل للرئيس الذي اختاره ودعمه، وإن فشل فهذه أفضل طريقة لحرق الرجل وإقصائه عن مسرح العمل السياسي بالكلية. وإذا فشل أيمن نور في إدارة عدد من الوزراء، فمن سيغامر باختياره رئيساً لثمانين مليون مصري.

عمر سليمان – وزيراً للدفاع

على أن يكون على رأس مهامه خلق صف ثان من القادة العسكريين المحترفين، وإرسال رسالة واضحة للعدو الصهيوني أن كون السلام هو الخيار الاستراتيجي لا يعني التفريط في الأمن أو التهاون في مسئولياتنا العسكرية، وهي رسالة ضرورية الآن بعد أن تم إبعاد الكفاءات البارزة والشخصيات القوية تحت ظل الإدارة الحالية لأسباب لا تخفى على لبيب.

جمال مبارك – وزيراً للتضامن الاجتماعي

هل يمكن أن يكون هناك رئيس لمصر لم يجرب نفسه في منصب نيابي أو زاري؟ على جمال مبارك إن كان صادقاً في رغبته في الترشيح لمنصب الرئاسة في الفترة القادمة أن يجربه الناس في وزارة لا تحتاج مهنية عالية، ولكنها مقياس للقدرة على الاقتراب من الجمهور والإحساس بمشاكله، ليس فقط بالسلام باليد على مواطنين مختارين للمقابلة، وإنما بالانغماس الحقيقي في الحياة اليومية لجموع المصريين. كيف سيتعامل الوزير مع رغيف العيش ومعاش السادات وبقالات التموين وسائقي الميكروباص وقروض بنك ناصر ومصابي الزلازل وحوادث القطارات (التي لا أظنها ستتوقف في عهد الحكومة الجديدة).

حمدي قنديل – وزيراً للخارجية

فهو من القلائل في مصر الذين تجد الكلمات المناسبة الحاسمة مكانها على لسانه بسلاسة ويسر. وتم اختباره عشرات المرات فكانت كلماته هي الأقرب تعبيراً عن ضمير المصريين والعرب. لا يدانيه في ذلك إلا عمرو موسى عندما كان عمرو موسى. أعلم أن دور الخارجية لا يقتصر على التصريحات والمؤتمرات الصحفية، لكن حمدي قنديل ذو توجه واضح تجاه ما يجري في المنطقة، ونحتاج مع انتخاب نتنياهو في إسرائيل أن يكون في حكومتنا صقور، قلباَ ولساناً، بعد انتكاستنا الحالية في وزيرنا الصبوح.

حسام بدراوي – وزيراً للتعليم

حتى نرى "جودة التعليم" على أرض الواقع، وليس ملفاً من الملفات التي تزين بها لجنة السياسات في الحزب الوطني صورتها أمام الجمهور.

أبو العلا ماضي – وزيراً للداخلية

كسراً لعادة أن يكون وزير الداخلية ضابطاً، واختياراً لمثقف معارض بارز لم يتعرض لمحنة السجن الطويل بحيث تنتقص من حيدته ونزاهته، وهو قريب من فهم الخلفيات الفكرية التي يتحرك فيها الشباب ذو التوجهات الدينية المحسوبين على الإرهاب، وهو وثيق الصلة بالعديد من العاملين في الأجهزة الأمنية، وهو قادر على إرساء أمن حقيقي لا يستند إلى قوة غاشمة، وإنما إلى حوارات مجتمعية ناضجة في النقابات والجامعات والمصانع وسائر التجمعات المهنية والفئوية.

أحمد درويش – وزيراً للتعليم العالي والبحث العلمي

هذا الرجل لديه رؤية واضحة لعناصر الإصلاح الإداري، ولولا أنه مكلف بوزارة لا لون لها ولا طعم ولا مسئوليات واضحة اسمها "التنمية الإدارية" لسمع الناس عن إنجازاته الكثير.

محمود محيي الدين – وزيراً للاقتصاد

قولوا ما شئتم- ولكن بالورقة والقلم، هو في رأيي أفضل وزير اقتصاد عرفته مصر منذ عقود.. وفضلاً عن ذكائه الحاد وتمكنه من تخصصه العلمي، فهو من أسرة سياسية عريقة تجعله فوق مستوى الشبهات في موقع بالغ الحساسية، كما أنه قريب الصلة والاحتكاك بنبض الشارع. ولديه خطة واضحة يحتاج إلى استكمالها. لا أتحدث عن بيع القطاع العام، فهذه تهمة قديمة لم تعد تقلق أحداً، وإنما أتحدث عن تهيئة مناخ استثماري جاذب لرؤؤس الأموال العربية والمصرية والأجنبية.

عائشة عبد الهادي- وزيراً لشئون المصريين في الخارج

أم وأخت بامتياز، ولديها حس وطني عال، وجرأة في اتخاذ بعض القرارات، كما أنه يجمعها مع محمود محيي الدين أن كليهما ليس متكالباً على المنصب.

حمدين صباحي – وزيراً للعمل

يستطيع حمدين بتوجهه وخلفيته السياسية وقدرته الخطابية أن يحدث قدراً كبيراً من التوازن في التوجهات الانفتاحية للحكومة، كما يستطيع أن يفعل النقابات العمالية، بما يضمن أن تصبح صوتاً مؤثراُ يضمن حراكاً اجتماعياً رشيداً. ووجوده في الحكومة من شأنه أن يخفف من حدة الهجوم عليها، ويكسبها مصداقية أكبر لدى الشعب.

فاروق العقدة – وزيراً للمالية

تعزيزاً لمزيد من الضوابط في العمل المصرفي، والانضباط في أداء مصلحة الضرائب والجمارك، وتغييراً للثقافة الراسخة المتجددة عن وزارة المالية أنها وزارة للجباية.

منتصر الزيات – وزيراً للعدل

هو يملك نفساً هادئاً، وخبرة عريضة بالعمل في المحاماة، وهو أكثر إحساساً بمشاكل المتقاضين ممن اعتادوا الجلوس على منصة القضاء. وأعتقد أنه بوجوده في هذا المنصب سيرسي عهداً جديداً لوزارة العدل يكون فيها وزير العدل أقل تدخلاً في شئون القضاة، وتعود فيه إدارة شئون القضاة للقضاة أنفسهم من خلال المجلس الأعلى للقضاة وجمعيات محاكم الاستئناف ونادي القضاة.

سليمان فياض – وزيراً للصحة

عمل لسنوات رئيساً لهيئة التأمين الصحي، وستساعد خلفيته اليسارية وخبرته الواسعة بالمستشفيات الحكومية على الخروج بمشروع التأمين الصحي الموحد للمصريين بشكل يرضي جميع المعنيين، بحيث لا يطغى البعد الاقتصادي والاستثماري على البعد الاجتماعي والمهني.

رشيد محمد رشيد – وزيراً للصناعة والتجارة

أثبت نجاحاً في هذا المنصب، يجب أن يتابع العمل فيه، حتى نعبر الأزمة المالية بنجاح دون أن يمني نفسه بمنصب أكبر حتى لا يفقد منصبه الحالي.

محمد سليم العوا– وزيراً للثقافة

ولا تخشوا على السينما والمسرح والغناء تحت قيادته.

ممدوح حمزة– وزيراً للإسكان

ليؤكد للمتسائلين والمتشككين أن لديه رؤية وحلولاً حقيقة قابلة للتطبيق، وليس مجرد باحث عن الشهرة والنجومية.

محمد البرادعي – وزيراً للطاقة

ورغم أن البعض يرشحه لمنصب أعلى، غير أن المصريين في حاجة لاختبار أدائه فيما يحسنه أولاً. ورغم أنه يمتلك شهادة في القانون وليس في الهندسة إلا أنه أحسن إدارة هيئة الطاقة الذرية، ومصر في حاجة إلى التقدم بسرعة في مجال الطاقة النووية والطاقة الجديدة والمتجددة، وأعتقد أن لديه الكثير مما يقدمه في هذين المجالين على مستوى العلاقات وعلى مستوى الإلمام بحقيقة الاحتياجات وكيفية تلبيتها بأيسر الوسائل.

أحمد بهجت – وزيراً للمواصلات

يختلف أحمد بهجت عن كثير من المستثمرين أن مشاريعه لا تستهدف بناء إمبراطورية متخصصة، تعمل على تراكم الثروة الشخصية عن طريق الاحتكار، وإنما هو قريب من التقنية الحديثة والحلول الابتكارية ووضع نماذج العمل المربحة على المدى الطويل، وهو ما تحتاجه الآن صناعة النقل في مصر التي تفتقد إلى رؤية ثاقبة وتستسلم لحلول آنية ترحل المشاكل ولا تحلها.

خالد الجندي – وزيراً للأوقاف

فهو في النهاية أزهري وموظف في وزارة الأوقاف، كما أنه يملك عقلاً متفتحاً ورؤية مستنيرة وقدرة على الوصول إلى الجماهير بسهولة.. وأرى أن تكون مهمته الأولى هو تجديد الخطاب الديني بشكل عملي وفعال، والارتقاء بشأن الأئمة والدعاة ثقافياً ومادياً، وتجميع الجهود الدعوية المتناثرة والمتعارضة تحت مظلة واحدة، بدلاً من المؤتمرات الأكاديمية والمشاريع الدعائية التي لا تجد صدى لدى الدعاة ولا تحدث أثراً بين الجماهير.

محمود الخطيب – وزيراً للشباب والرياضة

الرصيد الذي يملكه الخطيب من حب الجماهير، والشخصية الهادئة والواثقة للخطيب يمكن أن يحدث نقلة نوعية لدى المصريين، في نظرتهم للرياضة وللبطولة.

محمود سعد – المتحدث الرسمي باسم مجلس الوزراء

وستكون الحكومة في حاجة لمثله ليكون جسر التواصل والحوار المباشر بين الوزراء والجمهور، خاصة بعد إلغاء وزارة الإعلام.

……..

وبعد…

فلا مانع من اتهامي بالسذاجة المفرطة أو التفاؤل المرضي… وما الضرر فيهما: السذاجة والتفاؤل؟ وما الذي كسبه المحترفون والمتشائمون؟ وما الذي نجحوا في تغييره؟

على أية حال..هذه في نظري هي وزارة الأحلام. كما يصفون بذلك فريق كرة القدم الذي استثمر عدة مليارات في شراء لاعبين مميزين من الدول المختلفة.

وقد يجادل البعض في أنه ربما كان خارج هذه القائمة من هم أفضل من بعض من فيها، وأن رئيس الوزراء المكلف لن يجد تعاوننا من بعض أعضائها لأسباب تتعلق بالغيرة المهنية، ويجادل آخرون بأن هذه التشكيلة لا تتسم بالتوافق، وأن تعدد انتماءاتهم سيقود إلى تنازع وضرب تحت الحزام وربما رفض بعضهم الانضمام إليها، ويجادلون بأن هذا التشكيل قد اتسم بقدر من السطحية دون الأخذ في الاعتبار في الشروط والمواءمات الواجبة عند اختيار هذه المناصب الحساسة، بينما يجادل آخرون بأن الوزارة ليست هي كل شيء وإنما لا بد أن يكون هناك تغييرات جذرية في مجلس الشعب، والمحافظين بل والدستور نفسه، إذا كنا نبحث عن تغيير حقيقي.

وهذا كله صحيح، وصحيح أيضاً أننا قد اتفقنا من البداية على إعطاء "الخيال" فرصة، وأن هذه الحكومة "الخيالية" – على بعضها كده – أفضل من الحكومة الحالية،  وأنه أن نبدأ بشيء غير مكتمل أفضل من ألا نبدأ أصلاً، وأنه أن تصل متأخراً خير من ألا تصل على الإطلاق، وأنه بدلاً من أن نهاجم بعضنا البعض على صفحات الجرائد وفي الفضائيات بغرض التشكيك والتخوين فلنفعل ذلك داخل مجلس الوزراء بغرض تنقيح الحلول وتحسينها….

ثم إنه ستكون تجربة مثيرة أن نرى لأول مرة من عقود طويلة الحكومة والشعب في جانب واحد… بينما يتمتع الرئيس وحده بموقعه المتميز.. في المعارضة.

 

Advertisements