(1)

سألت أستاذي عن الفرق بين الماجيستير والدكتوراه. قال: الماجيستير في أحد التخصصات يعني أنك تعرف تقرأ فيه، والدكتوراه تعني أنك تعرف تكتب فيه.

خشيت أن أسأله كيف أصبح نصف المصريين معهم دكتوراه في الكرة، رغم أنهم لا يقرأون ولا يكتبون.

(2)

قبل حوالي عشرين عاماً هاتفت زوج أختي الدكتور زكريا القرعلي الذي كان يدرس زمالة الجراحة في لندن لأسأله عن انطباع أستاذه الذي كان في زيارة للقاهرة وقمت معه بالواجب. فقال: إنه أمضى وقتاً رائعاً لكنه كان مستاء مني من استمرار مناداته بلقب دكتور، وأنه كان يفضل لقب مستر. قلت: هل تقصد لقب "سير"، قال موضحاً: بل مستر. وحكى لي قصة يعود عمرها إلى أكثر من قرنين عندما حدث خلاف بين الأطباء المعالجين والجراحين، ورفض الأطباء أن يعطى اللقب للجراحين باعتبار أنهم مرتبة أدنى. ومع تقدم الزمن أًصبح الجراحون في مكانة أدبية أفضل، لكنهم رفضوا أن يطلق عليهم لقب دكتور، وأًصروا على استخدام لقب مستر تمييزاً لهم عن الأطباء. تذكرت مع هذه القصة ما كان يحدث في عيادة المرحوم الدكتور ياسين عبد الغفار أستاذ الكبد، الذي كان حين يدخل عيادته ينتفض جميع الأطباء والمساعدين، ويقولون: الأستاذ جاء.. الأستاذ جاء.

(3)

في الجامعة:

الطلبة أربعة أنواع. طلبة مميزون (كلاس أ)، هؤلاء يكون منهم المعيدون والدكاترة، وطلبة مجتهدون (كلاس ب) يحصلون على درجة جيدة ولكنهم ليسوا من الأوائل، وطلبة عاديون (كلاس ج) ينجحون كل عام بالقصور الذاتي، وطلبة فاشلون (كلاس د) مشغولون بغير التعليم ينجحون مرة، ويفشلون أخرى بعضهم يستكمل تعليمه وبعضهم يتوقف.

في سوق العمل:

يتقدم (كلاس أ) و (كلاس ب) إلى نفس الوظيفة، يقوم بإجراء المقابلة (كلاس ج)، ويتم قبولهما معاً… بعد سنوات من العمل يترقى (كلاس ب) ويبقى (كلاس أ) كما هو.. كلاهما يرفع تقريره إلى (كلاس ج) الذي يتولى رغم حداثة سنه منصباً تنفيذياً مرموقاً لكونه محل ثقة صاحب العمل ورأس المال ومؤسس الشركة (كلاس د).

(4)

كان لي صديق محام اسمه الدكتور أيمن…  وكل من يعرفه يناديه الدكتور أيمن.. شاهده أحد معارفي، فسألني: هو الدكتور أيمن معاه دكتوراه في إيه؟ قلت مبتسماً: في العادة عندما يحصل الدارس على شهادة الماجيستير فإن الطلبة تناديه يا دكتور باعتبار ما سيكون. فقال لي: وهو معاه ماجيستير في إيه؟ فقلت: في كليات الحقوق فإن من يحصل على دبلومين عاليين مدة كل منهما سنة، فإنهم يعتبرونه كمن حصل على درجة الماجيتسير. فقال لي: وهو أخذ الدبلومين في إيه؟ فقلت له: أعرف أنه من سنوات كان يدرس دبلوم قانون دولي… ثم انصرفت قبل أن يسألني: وهل هو خريج حقوق؟

(5)

في بداية الثمانينات عندما أحيل والدي للتحقيق بواسطة المستشار القانوني للجامعة بتهمة "إساءة اللياقة في التعامل مع رؤسائه"، بسبب مقالاته التي كان ينشرها في جريدة الوفد، زاره في المنزل رئيس حرس الجامعة لمساومته وهدده بأن الاتجاه حاد لسحب درجة الدكتوراه منه، وكان أبي يعلم أنه تهديد فارغ، فقال له: يسحبوها يسحبوها… ومن قال إني دكتور.. أنا شيخ… وأتحدى أن يسحب مني أحد هذا اللقب.

(6)

لم أغضب عندما رفضت وزارة التعليم العالي والبحث العلمي في إحدى الدول العربية الاعتراف بشهادة الدكتوراه لأنها "إلكترونية"،.. واشترطت لاعتمادها أن أكون قد أمضيت على الأقل 70% من الوقت في محاضرات حية يعلم الجميع أنها عقيمة.. ورغم أني شرفت بعضوية مبادرة "التعليم الإلكتروني" التي تبنتها وزارة التعليم العالي المصرية برئاسة الدكتور سمير شاهين قبل عدة سنوات، لتشجيع التعليم الإلكتروني، ورغم أن هناك كلية إلكترونية تمنح شهادة ماجيستير معتمدة من الوزارة في الجودة، فقد شعرت أن معهم حق… ولم أشأ أن أدخل في جدل حول مستوى الشهادات التي تمنحها الجامعات المختلفة لأنك إن لم تكن خريج هارفارد أو يل أو أكسفورد أو السربون، فكل الشهادات سواء. والعالم كله بصدد انتفاضة حقيقية في طريقة التعليم وآليات التقييم ومستوى الخريجين.. والشهادات المضروبة تسد الأفق.

لم أغضب ولم أعترض ولم أرفع قضية…

وإنما قدمت على دكتوراه جديدة في جامعة أخرى تشترط الحضور…

وقبل أكثر من ربع قرن كنت قد اخترت قسم "الهندسة الطبية" لأحصل على لقب مهندس دكتور مرة واحدة، فلما فوجئت بالخدعة…  حدثت نفسي أن أحصل على ثلاثة دكتوراه: في الهندسة والإدارة والشريعة… حصلت على واحدة – لم تفلح في حكمهم – فبقيت لي اثنتان.. لم أكن جاداً في هذه الرغبة ولا كنت في حاجة إليها ولا أملك الوقت لتحقيقها… لكني أردت مما حدث أن يكون درساً لابني وتلاميذي في الإصرار والعزيمة.

وحتى يوفقني الله في الحصول على الدرجة من جديد… فإني أدعو كافة الأصدقاء للتوقف عن مناداتي باللقب.

وفي كل الأحوال فإن لقب المهندس قريب إلى قلبي، لا لشيء إلا لأن لقب الأستاذ غال جداً…. على أن اللقب الأقرب إلى قلبي هو: أبو محمود.

………

(7)

والحق أني قليل الاستخدام للقب الدكتور، شديد الانزعاج منه، نادر الاحتياج له والاعتماد عليه والاستفادة منه. المرة الوحيدة التي شعرت أنه كان ذا فائدة كانت من عدة أشهر حين طلبت من قريب لي أن يستخرج لي شهادة  من جامعة القاهرة بدرجاتي فيها، فتلكأ الموظف المسئول وبدأ في وضع العقبات. فأمسك قريبي بالتليفون وقال: سأتصل بالدكتور وائل لأخبره بطلباتك، فانتفض الرجل واقفاً، وقال: لا داعي لا داعي.. ثم بدأ في عمله بهمة ونشاط.. فهم قريبي بعد ذلك أن السبب لم يكن في شخصيتي الجبارة العابرة للقارات، وإنما في أن عميد كلية الهندسة الآن هو الدكتور وائل الدجوي، وقد ظن الموظف أن قريبي سيتصل به…

أعجبني في القصة أن اسم وائل أصبح يصلح لتولي مناصب العمادة والرئاسة كما حدث لأيمن وعادل وحاتم وحسام.. وقريباً ستضاف إلى القائمة أسماء: تامر ووسام وهيثم (أبو خليل).

……….

…….

…..

 

 

Advertisements