أصدرت محكمة القضاء الإداري المصرية الثلاثاء 7-4-2009 حكماً بإلغاء ترخيص مجلةإبداع” الادبية التي تصدر عن الهيئة العامة للكتاب وذلك لنشرها قصيدة “تسيء الى الذات الالهية”.

وجاء في الحكم ان “المجلة الصادرة عن الهيئة العامة للكتاب ويرأس تحريرها الشاعر احمد عبدالمعطي حجازي قامت بنشر قصيدة شعرية بعنوان “شرفة ليلى مراد” للشاعر حلمي سالم تتضمن إساءة للذات الإلهية”.

وأكدت المحكمة في حيثيات قرارها انه “ثبت لديها أن القصيدة ورد بها ألفاظ تسيء إلى رب العالمين وأن هذا الفعل يباعد بينها وبين رسالة الصحافة ومن غير المعقول أن يكون هذا العمل قد نشر عبثاً دون أن يمر على القائم على هذه المجلة الأمر الذي يؤكد أن بعضهم لديه القناعة والاستعداد لنشر مثل هذه الإسفافات المتطاولة على رب العالمين”.

واعتبرت انه “اذا كانت الصحافة حرة في أداء رسالتها إلا أن هذه الحرية يجب أن تكون مسئولة وأن لا تمس بالمقومات الأساسية للمجتمع المصري والأسرة والدين والأخلاق”.

وجاء هذا الحكم بناء على دعوى رفعها المحامي سمير صبري مطالباً بإلغاء ترخيص المجلة بسبب هذه القصيدة التي “تسيء للذات الإلهية وتعيث في المقدسات”.

كما رفع الشيخ يوسف البدري دعوى قضائية لاسترجاع قيمة جائزة التفوق التي حصل عليها الشاعر 2006 واسترجاع قيمتها المادية اثر نشره قصيدة “شرفة ليلى مراد”.

===

هذا هو ما كتبه حلمي سالم ال…(هل سيدافع عنه أحد إذا شتمته كما شتم ربي؟)

    شرفة ليلى مراد

“”"”"”"”"”"”"”"”"”
ليس من حل أمامي.. سوى أن أستدعي الله والأنبياء..

ليشاركوني في حراسة الجثة..

فقد تخونني شهوتي أو يخذلني النقص..

الرب ليس شرطيا حتى يمسك الجناة من قفاهم..

إنما هو قروي يزغط البط ويجس ضرع البقرة بأصابعه صائحا:

وافر هذا اللبن..

الجناة أحرار لأنهم امتحاننا الذي يضعه الرب آخر كل فصل قبل أن يؤلف سورة البقرة..

الرب ليس عسكري مرور..

إن هو إلا طائر..

وعلى كل واحد منا تجهيز العنق..

لماذا تعتبين عليه رفرفرته فوق الرؤوس..

هل تريدين منه أن يمشي بعصاه في شارع زكريا أحمد..

ينظم السير ويعذب المرسيدس

“”"”"”"”"”"”"”"

==

وهذا هو رأيي:

         لو كنت كاتباُ لما دار بخلدي أن أكتب هذا الكلام الركيك الشاذ، و لكن كل إناء ينضح بما فيه.

         ولو كنت ناشراً لما سمحت بنشره لأني لا أبحث عن الإثارة الرخيصة، ولا أدافع عن الباطل لأغيظ من أكره.

         ولو كنت أباً  لما منعت ابني من قراءته، لأن أريده أن يعرف ما هو الأدب الغث ليتذوق الأدب الجميل.

         ولو كنت أمين مكتبة لما اعتنيت بالإشارة إليه والترويج له لأنه سمج، ولكني لن أخفيه ولن أمنعه ممن يطلبه إذا كان متداولاً بشكل شرعي.

         ولو كنت مثقفاً … لتنصلت من الدفاع عنه لأنه أسوأ مثل يمكن أن يقدم في الدفاع عن الحرية.

         ولو كنت ناقداً لما خاطرت باسمي للإشادة به، لأني بذلك أهدم عند الناس ثقتهم في النقد الأدبي.

         ولو كنت عضواً في المجلس الأعلى للثقافة لما تجرأت على اتخاذ هذا القرار المشبوه بإعطاء الجائزة ل "شبه شاعر"، لأعلن انتصاري في معركة كاذبة على أعداء وهميين، بل لطلبت سحب الجائزة منه إذا كان قد أخذها، لأن الأدب هو تكريس للأخلاق، لا مكافأة لقلة الأدب.

         ولو كنت محتسباً… لأتيت بالمؤلف وحققت معه في كلامه، فمن حقي أن أرفع قضية على من يسبني، ومن واجب النائب العام أن يرفع باسمي قضية على من يتهجم عن المجتمع،  ومن واجب المحتسب أن يرفع قضية باسم المسلمين على من يسخر من الله. وعلى كل كاتب أن يتحمل مسئولية ما يقول، وأن يعرف عواقبه.

         و لو كنت محامياً لما رفعت قضية لمصادرته… فهو لا يستحق شرف أن يعرف الناس بهذا الهذيان.

         ولو كنت قاضياً… لما أجزت تداوله… لأنه وإن فهم البعض حكم المصادرة بأنه جور على حرية الإبداع، فإن الحكم بالإجازة هو تصريح بالكفر وتشجيع عليه وإهانة وتحقير لجميع للمقومات التي قام عليها المجتمع، بغض النظر عن الرأي الشخصي في هذه المقومات أو صلاحيتها أو جدواها.

………

كيف سأفكر كقاض؟

مبدئياً أنا ضد الحذف والمصادرة والمنع، ومع الحرية والإبداع.

ومن بين مائة قضية للمصادرة ترفع أمامي يمكن أن أوافق على واحدة. وسأبذل غاية جهدي لالتماس العذر للمؤلف وتأويل ما كتب، حتى لا أضطر للمنع.

وأعرف أن معظم قرارات المصادرة، حتى الصادرة بأحكام  قضائية تتم بهوائية وبدون ضوابط موضوعية، وباجتهادات شخصية.

وقد شاهدت كيف منع الرقيب السعودي كتب سيد قطب من دخول السعودية لأن بها عبارات يراها تمس العقيدة، فلموا كلموه أجازها… ولم يكن لسيد قطب – بعد وفاته – رحمه الله أن يغير كلمة مما كتب ، ولكن الرقيب أعاد تأويله وفهمه للعبارات، حين جاءته التعليمات، فأجازها.

…….

المشكلة ليست في النص القانوني الذي سأستخدمه لإصدار حكمي، فما أكثر النصوص. وإنما في تطبيقه. والأمر هنا يخضع للتقدير، ويجب أن يوزن بميزان دقيق..

والمشكلة الأكبر أنه إذا رفع الأمر إلى المحكمة، فليس أمامها أن تغض الطرف، وليس أمامها إلا أن تقول "هذا الكلام لا شيء فيه… من أراد أن يسير في هذا الطريق فليفعل ولا تثريب عليه"، أو أن تقول: "هذا الكلام لا يجوز… وغير مقبول… ولا ينبغي تكراره".

وسيكون حكم المحكمة فرصة لفريق أن يعلن انتصاره ويمارس نفس ممارساته، كما سيكون نكسة لفريق آخر سيصاب بالإحباط أو يعود إلى رشده، وهو ما يجب أن يضعه القاضي في حسبانه وهو بصدد اتخاذ قراره.

والمسألة هنا أننا لسنا بصدد مناقشة مبدأ، وإنما بصدد الحكم على حالة بعينها، وعلى نصوص بعينها…

ولا يصح أن يقال هنا – كعبارة عقيمة يرددها البعض دون تفكير– وهل سينهار الإسلام لمجرد أن أحداً تكلم عن الله؟ وما هذا الدين الضعيف الذي يهتز لمجرد أن أحداً تكلم أو كتب؟

الخوف ليس من النصوص نفسها فهي لا تعض ولا تضرب ولا تحرق، وإنما الخوف من أثرها… والآثار القانونية المترتبة على "فعل الكلام" كثيرة بداية من التحريض إلى السب إلى الطلاق إلى الشهادة التي يمكن أن تبريء متهماً أو تصل بآخر إلى حبل المشنقة…  والكلمة في الدنيا يمكن أن تصل بصاحبها إلى المقصلة، وفي الآخرة يمكن أن تهوي بصاحبها سبعين خريفاُ في قعر جهنم، فلا تستهينوا بها.

كلمات من حفيد غاندي في الهند تحرش فيها بالمسلمين ألقت به في السجن بضع سنين، وكلمات ليبرمان عن الرئيس المصري تمثل حرجاً للحكومة الإسرائيلية كلها، وكلمات البابا عن أن الواقي الذكري يساعد على نشر الإيدز أقامت عليه الدنيا ولم تقعد حتى الآن،  وكلمات رجاء جارودي عن الهولوكوست أدانته أمام المحاكم الفرنسية، وكلمات الوزير الإيطالي عن الإسلام من سنوات دفعته إلى الاستقالة…

الكلمة مسئولية… ونشرها مسئولية أكبر… وعلى كل مسئول أن يتحمل مسئوليته.

……..

والرأي في ظني أن المعول على اختيار الحكم المناسب بمصادرة العمل الإبداعي أو السماح به بالإضافة إلى نص الكلام نفسه فهو ظروف نشره،

وهو في النهاية يرتبط بتقدير القاضي لأمرين: النضج والنية وكلاهما عسير جداً على التقدير الدقيق.

نضج القاريء ونضج مجتمع النشر

ونية الكاتب… ونية الناشر

القاريء الناضج يستطيع أن يفصل ويميز بين الإبداع وبين المحتوى العقدي، فلا ينفعل أو يغضب كثيراً إذا ما قرأ نصاً يهاجم عقيدته ويمسها..

والقاريء الناضج يستطيع أيضاً أن يميز بين المبدع الحقيقي الذي يمكن أن يقع في بعض  التجاوزات بسبب تغليبه غواية الإبداع على ضوابط الدين، وبين "أشباه المبدعين" الذين يبحثون عن الغريب الشاذ بدون ضرورة فنية ملحة، وإنما بغرض النكاية في القيم الدينية والمجتمعية، والتحقير من شأنها.

والمبدع الحقيقي مثل نجيب محفوظ في "أولاد حارتنا" وقع في هذه الشبهة، واعترف بها في كتاباته اللاحقة. وحين تم توضيحها زالت دواعي المنع. وقد اشتريت الرواية سراً من الحاج مدبولي مهربة من مكتبة الآداب عام 1988 بعد فوزه بجائزة نويل بخمسين جنيهاً (500 جنيه بسعر هذه الأيام)، بينما اشتريتها من مكتبة الشروق المقابلة طبعة شرعية بعدها بعشرين سنة، بعد أن قامت بنشرها شرعياً بمقدمة لأحمد كمال أبو المجد، وسليم العوا، وكأن مقدمة الأستاذين الكبيرين قامت بدور جواز العبور من التحريم إلى التحليل.

ومنذ عدة أيام كنت أستمع إلى خطبة الجمعة بمناسبة الاحتفالات بيوم الأم، وبعد مقدمة صغيرة عن فضل الأم ووجوب برها، ترك الخطيب كل شيء وجعل كل خطبته تعليقاً على قصيدة من أروع ما كتب محمود درويش، ويقول فيها:

أحنّ إلى خبز أمي

و قهوة أمي

و لمسة أمي

و تكبر في الطفولة

يوما على صدر أمي

و أعشق عمري لأني

إذا متّ،

 أخجل من دمع أمي!

…..

وترك كل المعاني الجميلة التي أشار إليها الشاعر الكبير، وتوقف عند قوله: "أصير إلها"… في النص التالي:

و شدّي وثاقي..

بخصلة شعر

بخيط يلوّح في ذيل ثوبك..

عساي أصير إلها

إلها أصير..

إذا ما لمست قرارة قلبك!

…….

وأصر على إلحاق أبشع التهم بالشاعر، وعلى القنوات الفضائية التي أذاعت القصيدة، والصحف التي نشرتها…

ولم أجدني في صف الخطيب، ولم يكن شاقاً على أن أتأول ما قاله محمود درويش بغير تعسف، وأن أتوقف عند مواطن الجمال في الصورة… وهو ما فشلت تماماً في تحقيقه مع نص حلمي سالم الذي لم يدع أية فرجة للدفاع عنه، وأصر على أن يبالغ في تأكيد تهاونه واستهتاره كلمة بعد كلمة وسطراً بعد سطر.

………

والمجتمع الناضج لا تقوم فيه الثورات ولا الاضطرابات بسبب أن الإبداع متداخل مع ما يمس العقيدة

الفرد الناضج والمجتمع الناضج لا يمثلان مشكلة للقاضي عند إصدار أحكامه…

 القاريء الأقل نضجاً يمثل مشكلة شخصية له كقاريء حين يغضب وينفعل إذا ما رأى مثل هذه التجاوزات من المبدعين، فيمكن أن يتهور ويتعرض للمبدع بالإيذاء…

والمجتمع الأقل نضجاً يمثل كارثة…. لأن الغضب هنا يكون عاماً، والعاقبة قد تخرج عن السيطرة، وهو ما ينبغي أن يضعه القاضي في اعتباره، إذا أصر المبدع أو شبه المبدع على معاندته، ورفض الاعتذار بحجة أن تقديره للحرية أكبر وأهم من تقديره "لجهل الناس ورجعيتهم". وما موقف "وليمة لأعشاب البحر" منا ببعيد. وهنا لا يمكن أن نصف المجتمع كله بالجهل والرجعية، لنحمي رقبة مدير النشر أو وزير الثقافة اللذين تصرفا بتكبر وتعجرف واستهتار.

……….

ولا أنكر أنه كلما ارتقت المجتمعات كلما  تقلصت –دون أن تنعدم- ضوابط الحرية وخفت شروطها، وتحولت ثقافة المجتمع من عقلية الشرطي في تعقبه للمجرمين إلى عقلية الحكيم في تبنيه للمبدعين. وعندها يكون الضابط الوحيد لحرية التفكير هو التزام الموضوعية، ولحرية التعبير هو التزام الأدب، ولحرية التغيير هو التزام القانون.

و لا أنكر أن مجتمعاتنا الإسلامية في العصر العباسي الأول، والدولة الفاطمية بالأندلس كانت أكثر نضجاً وسماحاً، وأن الرقيب العباسي إذا صح التعبير كان أكثر مرونة من الرقيب التونسي واليمني والسوري الآن… ولكن هذا واقع علينا أن نتعامل معه كما هو، ولا بأس من السعي لتغييره، ولكن من العبث إنكاره أو التصادم معه بدون تمييز.

إن مستوى المجتمع من النضج يجب أن يراعى عند اتخاذ قرار النشر أو المنع، وهو ما أظنه تم في قرار المحكمة بإيقاف ترخيص مجلة إبداع، ولا يحتج هنا بأن هذا النص يمكن نشره في مكان آخر، وعلى الإنترنت دون عواقب. قرار المنع يحترم خصوصية المجتمعلأن رئيس التحرير أصر على أن يدوسها بحذائها، ويحتقرها بتعليقاته.

………

وإذا كان تقدير درجة الفرد والمجتمع من النضج صعباً، فالأصعب منه بمراحل تقدير نية الكاتب والناشر من النشر…

من سنوات قرأت هجوماً عنيفاً من أمريكان على دان براون عند نشره كتاب "شيفرة دافنشي"، واتهمه بعضهم بالإلحاد والمروق…

لم يكن الأمر هنا أمر نضج أفراد أو مجتمع… فالمجتمع سمح للكتاب وللفيلم بالنشر… ولكنه أمر حكم على النوايا… وبالرغم من صعوبة الحكم على النوايا، إلا أنها ركن أساسي في جميع قضايا السب والقذف…

وإذا كان هذا هو الشأن في قضايا السب والقذف للأفراد، فينبغي أن يكون التغليظ مشدداً في قضايا العيب في الذات الإلهية، لأن الذي سيثأر لربه هنا… ليس واحداً.. ولا عائلة.. ولا قبيلة … وإنما أمة كاملة.

وهو أمر يجب على القاضي تقديره بحساسية عند اتخاذ قرار الحجب أو السماح…

ونية الناشر هنا هي أشد خطورة،  (راجع تداعيات أزمة نشر الرسوم المسيئة للرسول صلى الله عليه وسلم، فقد تراجع الرسام ولكن رؤساء تحرير بعض الصحف وبعض المسئولين أصروا على تأجيج النار دفاعاً عن حق موهوم اسمه حرية التعبير)

بين نضج ونية … والحكم على كليهما صعب وتقديري… تكمن الحكمة في اتخاذ القرار

والله أعلم وأحكم.

 

Advertisements