كانت هذه واحدة من المرات القلائل التي أتيح فيها لتلاميذ الحكيم الصيني الكبير كونفوشيوس (600 سنة قبل الميلاد) أن يتحلقوا حوله ويجروا معه هذا الحوار المفتوح حول العلم والتعلم والسياسة والحياة  والموت..

 

سأله أحدهم: "لديك قدرة مذهلة على أن تعبر عن أدق الأشياء وأصعبها بأسلوب بسيط ومحبب، لماذا لا تذهب إلى الإمبراطور و تتكلم معه ليستفيد من حكمتك ؟"

قال كونفوشيوس: "هل استمعتم إلى خطب الإمبراطور؟ إن خطب الإمبراطور أفضل وأبلغ من كلامي مائة مرة… ومع ذلك فأنتم تصدقونني وتتأثرون بكلامي، وتتشككون في كلامه ولا تذكرون منه حرفاً. حتى لو كنت أنا كاتب خطب الإمبراطور، فسيساوركم القلق بشأن صدقيتها. الخطب والكلام البليغ هي مجرد آلية للتواصل والإغواء، وهي ترتبط بالمتكلم أكثر مما ترتبط بالكلام نفسه… الكلام الجميل وحده لا يحقق العدل، ولا يبني الجسور، ولا يوفر الطعام.  البلاغة في حد ذاتها ليست فضيلة، ولا تضمن الفضيلة.

 

قال التلميذ: " حسناًً، ماذا لو أرسلت له ديوانك الشعري.. إنه مليء بالدرر؟"

قال كونفوشيوس: "تقصد الثلاثمائة قصيدة التي كتبتها؟ إنها جميعاً يمكن تلخيصها في كلمتين: فكر صح. هذا هو السر."

 

سأله تلميذ: "وكيف أحقق هذا التحدي: فكر صح؟ ماذا علي أن أفعل؟"

قال كونفوشيوس: " إنه يعني أن توازن بين العقل والقلب ، بين الانضباط والعاطفة. عندما ترغب في شيء بصدق وتصميم، فستهيء لك الحياة سبل الوصول إليه، لكنها ستتركك على أول الطريق وعندها ستحتاج لعقلك. وهذا هو ما يشعرنا بالارتباك. فعندما تتعدد أمامنا الطرق نحتار أيها نسلك، وإذ اخترنا أحدها يظل يطاردنا شعور خفي بأننا نسير في الطريق الخاطئ. نصيحتي: دع قلبك وعاطفتك يحددان لك الوجهة، فإذا فعلا اجعل عقلك وعلمك يقودانك عبر الطريق الشائك الطويل، واستدع مشاعرك لتمدك بشحنة طاقة ونور كلما استبد بك التعب، أو اعتراك الفتور.

 

وقدموا لكونفوشيوس فتى عبقرياً لم يتجاوز العاشرة، فاقترب منه كونفوشيوس ملاطفاً وسأله: "كيف ستساعدني يا صديقي في مواجهة هذه الانحرافات والمظالم التي يمتليء بها عالمنا؟"

قال الفتي بعد أن ارتدى ثوب الحكمة والوقار: "ولماذا تريد تغييرها؟… إن هذه التي تصفها بالانحرافات والاعوجاج هي التي تبقي الروح في هذه الحياة. لو جعلنا الجبال مستوية، فكيف يمكن للطيور أن تستظل من الهجير، ولو ردمنا البحار والأنهار كي لا تغرق السفن، فستموت الأسماك، إذا ساوينا في السلطة بين العمدة والدرويش فسنفقد القدرة على الحسم عند الاختلاف. إن الله تعالى قد خلق العالم وهيأه ليتقبل ويستفيد من مثل هذه الاختلافات"

صفق الحاضرون لإجابة الغلام ، الذي بقي قليلاً ثم انصرف، وعندها قال أحد التلاميذ: "يا ليت كان كل أطفالنا مثل هذا الغلام الحكيم؟"

عندها قرر كونفوشيوس أن يعبر لهم عن رأيه: " لقد عرفت العديد من الأطفال الذين بدلاً من أن يلعبوا وينفقوا وقتهم في الأشياء التي تتفق مع عمرهم، شغلوا أنفسهم بفهم الكون، وحل أسئلته الفلسفية. إن أحداً من هؤلاء الأطفال الموهوبين لم يفعل شيئاً ذا بال عندما اشتد عوده وأصبح في موضع الفعل والقرار، ولم يذكر التاريخ عنهم إلا أنهم كانوا أطفالاً نابهين.. لأنهم لم يجربوا متعة البراءة وعدم المسئولية التي أتاحتها لهم طفولتهم، فخسروا بنباهتهم، وخسر العالم جهودهم حين أحرق مبكراً زهو طهارتهم ونقائهم. دعوا الأطفال أطفالاً.

 

سأله تلميذ: "ولكن ألم تكن أنت نفسك طفلاً نابها"؟

قال كونفوشيوس: " من قال ذلك؟ في الخامسة عشرة من عمري بدأت في التعلم.  و في الثلاثين: عرفت ماذا كنت أريد. وفي الأربعين: تبددت شكوكي، وفي الخمسين: اكتشفت أن السماء قد اختارتني لمهمة، وكذلك اختارت كل فرد على هذه البسيطة لمهمة محددة. وفي الستين: فهمت مهمتي ووطنت نفسي على اتباعها بصفاء وسكينة. الآن وأنا في السبعين: يمكنني أن أصغي لصوت قلبي وأنا على يقين من أنه سيرشدني إلى ما يساعدني على أداء رسالتي، لا ما سيربك حياتي، ويشتت خططي و يضل طريقي.

 

سأله تلميذ: " ما الذي يجعلك إذن مختلفاً عن أولئك الذين ساروا في نفس الطريق؟"

قال كونفوشيوس: "ربما كان السبب، هو أنني لم أحتفظ بطريق الهداية لنفسي، وإنما أردت أن أشارك فيه آخرين. إن الحقيقة قديمة قدم الخلق، ولكن الأجيال المتعاقبة لا تكف عن طرح نفس الأسئلة بصياغات مختلفة، وهنا تأتي الفروق بين المربين والمعلمين. ربما كانت هذه هي موهبتي الكبرى، قدرتي على التدريس ونقل الحقيقة القديمة بأسلوب بسيط ومعاصر. إذا كان ثمة ما يميزني، فهو أنني مدرس جيد"

 

سأله تلميذ: "ومن هو المدرس الجيد؟"

قال كونوشيوس: " هو ذلك الذي يختبر كل الأفكار ويغربلها قبل أن يشرحها. هو الذي لا يسمح للأفكار القديمة – حتى الصادق منها – أن تستعبده، وإنما يعمل دائماً على صياغتها في نماذج وعبارات جديدة. إن الحاضر يفرض علينا تحديات وأسئلة جديدة كل يوم، والماضي غني بالحكمة والخبرات المتراكمة… إجابات أسئلتك المعاصرة هناك في تراثك القديم، ولكن قبل أن تعرض الإجابة على طلبتك ألبسها حلة جديدة."

 

سأله تلميذ: " ومن هو التلميذ الجيد"؟

قال كونفوشيوس: "هو الذي يصغي جيداً لما أقول، لكنه لا يقوم بتنفيذه في حياته كما هو وبشكل أعمي، وإنما يكيفه وفق واقعه وظروفه. إنه ليس ذلك الذي يبحث عن مجرد وظيفة، وإنما الذي  يبحث عن العمل الذي سيرفع قدره، ويحقق له المنزلة والشرف. إنه ليس ذلك الذي يحب أن يكون مشهوراً، ولكنه الذي يعمل ليبقى ما أنجزه محل تقدير جيلاً بعد جيل."

 

 

 

فجأة قفز زيلو وسأل معلمه: " هل لي يا معلمي أن أسألك عن الموت"؟

قال كونفوشيوس: لك أن تسألني عما تشاء، ولكن دعني أقول لك:" إذا كنت عاجزاً عن فهم والتعامل معها الحياة فلماذا تشغل نفسك بالسؤال عن الموت. دع التفكير في الموت إلى الوقت الذي تتوقف فيه  الحياة."

 

 ……..

كانوا جالسين، عندما دخل زيزانج (أحد تلامذته المخلصين، وأحد المقربين إلى الملك) مندفعاً وقال في انفعال: أنتم جالسون هنا، والبلد تغلي كالمرجل، يا سيدي البلاد على وشك حرب أهلية، ونحتاجك بشدة لتكون معنا في الحكومة.

بهدوء أشار إليه أن يجلس، ويحضر الدرس، لكن زيزانج لم يتمالك نفسه، وقاطع أستاذه قائلاً: "لقد علمتنا أن كل فرد فينا مسئول عن العالم، وعليه ألا يتخلى عن دوره، في الماضي لم أكف عن الصلاة من أجل أن يحفظ الله البلاد، ثم وجدت أنني يجب أن أكون أكثر فعالية فشاركت في الإدارة، وها أنذا أدعوك لتكون إيجابياً وتنضم معنا إلى حكومة الإنقاذ."

قال كونفوشيوس: "ومن قال إنني لن أشارك؟ بعد أن أنهي هذه العظة، سأذهب إلى قروي فقير في الحي المجاور وأساعده في بناء كوخه الذي هدمته السيول.

ثم التفت إلى طلابه وقال: "عندما يفعل كل منا ما بوسعه فإن الجميع سيستفيد وستنهض البلد. بينما عندما ينتهي بنا الأمر إلى مجرد منادين وباعة في سوق التغيير دون أن يملك أي منا سلعة حقيقية، فنحن نبتعد أكثر فأكثر عن تحقيق الهدف. هناك آلاف الطرق التي يمكن من خلالها أن نشارك في السياسة، ولا أجد أنني مضطر حتى أثبت إيجابيتي وصدق دعوتي للتغيير أن أشارك في إضراب أو أن أصبح جزءاً من الحكومة.

…………….

………..

…..

 

Advertisements