لا أنكر أن تاريخ العلمانية في عالمنا العربي تاريخ مثير للجدل، فالآباء المؤسسون لهذا الفكر والناقلون له في بدايات القرن العشرين كانوا جميعاً من غير المسلمين ممن تربوا في المدارس الإرسالية، وارتبطوا بشكل أو بآخر بالاستعمار الغربي، وكتاباتهم الأولى كانت تحمل هجوماً حاداً على الإسلام وتراثه وثقافته ورموزه، بينما كان المؤسسون للجماعات الشيوعية الأولى من اليهود المحليين أو الأجانب ومن الأقليات غير العربية… ولذلك لم يكتب للعلمانية ولا للشيوعية أن تنجح خارج أوساط النخب الخاصة، ولم يكن لها أي رصيد شعبي.

لم تجد العلمانية العربية عند نشأتها رواجاً بين أوساط المثقفين العرب الذين كانت غلب على ثقافتهم الموروث الديني (لم يكن هناك تعليم خارج المؤسسات الدينية)… وفي إطار الدفاع عن أنفسهم نجح الجانب المحافظ في الربط بين التوجهات العلمانية والماركسية والشيوعية وبين فكرة التبعية للغرب والانهزام أمامهم، وهكذا ارتبط في ذهن الناس أن العلمانية هي رسول الاستعمار ونائبه في الشرق، والماركسية هي رسول الشيوعية والإلحاد وممثله في المنطقة.

ولا أستطيع أن ألوم من يربط بين هذا المصطلح وبين الإلحاد، أو العداء للدين، أو الرغبة في إقصائه عن التأثير… فقد كان هذا هو الهدف المعلن لغير قليل من العلمانيين الذين لا يخجلون من هذه الدعوة تصريحاً أو تلميحا، والذين لا يتركون أية فرصة أو مناسبة أو خبراً في نشرة الأخبار إلا ويستغلونه للترويج لهذه الفكرة، وبأسلوب لا يخلو من سخرية واستهانة ً. لكن علينا أن نعترف أنهم ليسوا سواء، وأن آراء بعضهم جديرة بالاعتبار، خاصة إذا كانت تساعدنا في الكشف عن شروط النهضة أو التعرف على عوامل التقدم، و إجراءات التفوق العلمي والصناعي.

وقد تنبه إلى هذه الحقيقة أحد أعلام العلمانيين الدكتور فؤاد زكريا، حين قال: "إن رفض الدين ليس من صميم العلمانية في شيء. صحيح أن بعض العلمانيين رافض للدين، ولكن المؤكد أيضاً أن كثيراً من العلمانيين متدينون، وأن كثيراً من المتدنيين علمانيين، لأن الدين يظل محتفظاً بقداسته في الحالتين."

……….

عندما نستخدم كلمة العلمانية أو العلماني فإن أول ما يتبادر إلى الذهن هو التعريف الأشهر: "فصل الدين عن الدولة"، ولكن هذا تعريف تاريخي ارتبط بنشأة المصطلح، وكان المقصود به منع تدخل الكنيسة ورجال الكنيسة في إدارة ممتلكات وشئون الأفراد وتوجيه دفة الحكم. لكن هذا ليس هو التعريف الوحيد، ولا هو التعريف الدقيق، خاصة إذا أخذنا في الاعتبار أن "العلمانية" العربية لا تعني بالضرورة أن تتفق مع العلمانية الغربية في الأهداف والتوجهات والممارسات.

وكما أن مصطلح "الإسلامي" يحتمل العديد من التفسيرات والتعريفات بحسب طبيعة حامل هذه الرسالة وهذه الدعوة، فكذلك مصطلح "العلماني".. فالعلماني قد يكون:

"المعادي للدين" حسب الوصف المفضل لدى قطاع عريض من الإسلاميين

"اللاديني – لا علاقة له بالدين" – وهو التعريف المفضل للمرحوم عادل حسين

"الدنيوي – غير الروحي – غير المقدس" – حسب تعريفات المعاجم

"المعاصر – الحداثي – الزمني – العلمي – المادي " – كما تسمح بذلك الترجمة

"النسبي المادي في مقابل المطلق الغيبي" – مراد وهبة

"صرف الناس عن الاهتمام بالآخرة إلى الاهتمام بالدنيا" – دائرة المعارف البريطانية

"استبعاد الاعتبارات الدينية من أعمال الحكومة –  دائرة المعارف البريطانية

"الإيمان بإمكانية إصلاح حال الإنسان من خلال الطرق المادية دون التصدي لقضية الإيمان سواء بالقبول أو الرفض". جون هوليوك.

"تحكيم الضمير" – عزيز العظمة

"العقلانية" – محمد عابد الجابري

"حفظ حقوق الأفراد والجماعات"، و "الممارسة السياسية الرشيدة" – محمد عابد الجابري

"هيمنة القيم المادية" – فؤاد زكريا

"التحرر من قيود المطلق لصالح العلم والتجربة المادية" – هاشم صالح

وبسبب هذا التنوع الهائل في التعريفات والمفاهيم، تحدث المفكرون عن أنواع مختلفة من العلمانية تمثل مراحل لتطورها، أو اتجاهات داخلها.

فيمكن مثلاُ التمييز بين "العلمانية المعادية للدين" مثل العلمانية الفرنسية والروسية، و"العلمانية المتجاهلة للدين" مثل العلمانية الألمانية والإنجليزية.

كما يمكن التمييز بين "العلمانية" كأيدلوجية بديلة للدين، و"العلمانية" كإجراءات عمل لا شأن للدين بها، ولا شأن لها بالدين.

كما يمكن التمييز بين "العلمانية المتعصبة"، و"العلمانية المتفتحة والمتسامحة"، كان محمد أركون يحاول أن يقنع طلبته في جامعة باريس أنه يمكن للمسلم أن يكون علمانياً، وهم لا يصدقونه لأنهم يرون أن أي مسلم هو بالضرورة غير علماني، وأي شخص اسمه محمد هو بالضرورة متعصب.

يتحدث محمد عمارة عن "الغلو العلماني"، بينما يتحدث حسن حنفي عن "الجوهر العلماني للإسلام"، و "علمانية الوحي"، وجون كين عن "ما بعد العلمانية"، و جون إسبوزيتو عن  "التراجع العلماني على مستوى النخب" و "العلمانية الأصولية"،  و "التحالف العلماني مع الديكتاتورية"،

على أن التمييز الأهم هو ما قام به الدكتور المسيري حين قدم مصطلحيه: "العلمانية الجزئية" و "العلمانية الشاملة"، ويمكن مراجعته في كتبه أو على موقعه على الإنترنت.. غير أني أشير هنا إلى مقال نشره في الأهرام عام 2002 وقال فيه:

"أزعم أنه يوجد علمانيتان‏:‏ واحدة جزئية والأخري شاملة‏.‏ والعلمانية الجزئية هي علمانية تطالب بفصل الدين عن الدولة وحسب‏,‏ والدين هنا يعني المؤسسة الدينية التي تحتكر لنفسها تفسير الكتاب المقدس ومفاتيح الخلاص والجنة‏.‏ أما الدولة فتعني بعض جوانب الحياة العامة‏,‏ مثل النشاط السياسي والاقتصادي والعسكري بالمعني الإجرائي‏.‏ وهو تعريف لا بأس به‏,‏ وأنا كمسلم لا أري أي غضاضة في تبني هذا التعريف‏,‏ وليس هناك من يريد علماء دين أو حتي أساتذة أدب إنجليزي يجلسون في لجان تناقش قضايا فنية متخصصة مثل تشجيع التجارة مع الصين أو تنويع مصادر السلاح‏.‏


العلمانية الشاملة ليست مجرد فصل الدين عن الدولة‏,‏ بل هي رؤية للكون شاملة تتخلل كل شيء‏,‏ وتسم عالمنا الإنساني بميسمها المادي‏(‏ ولذا أسميها العلمانية المادية أو العدمية‏)‏ ولا يمكنها أن تتصالح مع الدين أو مع أي منظومات أخلاقية تتسم بقدر من الثبات‏,‏ فهي ملتزمة بشيء واحد‏:‏ قوانين الحركة المادية‏.

وكثير ممن يسمون أنفسهم علمانيين في العالم العربي والإسلامي‏,‏ هم في واقع الأمر علمانيون جزئيون‏,‏ ولذا لا يمكن تصنيفهم علمانيون من منظور علماني غربي شامل‏,‏ وهم‏,‏ لهذا السبب نفسه‏,‏ يمكن أن يقوم تحالف بينهم وبين العلمانيين لأن ثمة رقعة كبيرة مشتركة بينهم فكلا الفريقين لا ينطلق من رؤية مادية مصمتة‏,‏ بل يؤمن بالقيم الأخلاقية والإنسانية المطلقة‏.‏ وأعتقد أن التصور الذي أطرحه سيجسر الهوة بين الفرق العلمانية والإيمانية المتصارعة حتي يمكننا أن نركز قوانا علي عملية بناء الوطن‏."

………..

وهكذا فإن العلمانية ليست بالضرورة كلمة "قبيحة"، والصراع بين الإسلاميين والعلمانيين ليس حتمياً، والتقارب الإسلامي – العلماني هو السبيل الوحيد لتوحيد الجهود من أجل "الإقلاع الحضاري"، ومواجهة الآخر بندية وثقة,

ولا توجد علمانية خالصة على مستوى الأفراد ولا على مستوى الدول، كما لا توجد إسلامية خالصة على مستوى الأفراد ولا على مستوى الدول.

و العلمانية – كما تنبه جون كين أستاذ العلوم السياسية – تحمل في داخلها تناقضات تدفع لتقويضها – فلو كانت هناك علمانية خالصة تنادي بالحرية الكاملة والديموقراطية، وتسمح بحرية الأديان والعبادة وممارسة الدعوة الدينية، لما لبث أن استغلها الإسلاميون الأصوليون وعملوا على نشر أفكارهم الدينية، ولوصلوا للحكم ثم انقلبوا على العلمانية وحاصروها ثم قضوا عليها.

وكذلك لو حذف الإسلاميون الإجراءات العلمانية من طريقة إدارتهم للحكم وتعاملهم مع الآخرين وتنكروا تماماً للمكتسبات الحضارية الحديثة بحجة تعارضها مع الدولة الإسلامية لما استطاعوا كسب ود الشعوب، ولا مواجهة الاعتداءات الخارجية المسلحة بأحدث النظريات والطرق التقنية والإدارية والنفسية والاجتماعية.

و ماليزيا في عهد مهاتير محمد كانت دولة علمانية ولم تكن دولة إسلامية بالمعني الحرفي للكلمة، بينما كانت أمريكا في عهد جورج بوش دولة مسيحية متعصبة.

ونظام الحكم في السودان ديكتاتوري يتولاه حاكم يرفع راية الإسلام، وهو في مصر ديكتاتوري أيضاً يتولاه حاكم يرفع راية العلمانية.

وبين علمانية الدولة وعلمانية الأفراد…. ما يستحق المزيد من البحث والتحقيق.

…………

……

 

Advertisements