في مارس من عام 2005 أعلن السيد عبد الله أحمد بدوي رئيس وزراء ماليزيا عن مشروع "الإسلام الحضاري" لنهضة ماليزيا.

يؤكد المشروع الذي تم إعلانه ليقود ماليزيا لتحقيق خطتها لعام 2020 على أن النمو الاقتصادي لا يكفي وحده، وإنما يجب الحديث عن التنمية المستدامة التي تشمل العناية بالجوانب الروحية والثقافية بنفس القدر الذي تهتم به بتحسين نوعية الحياة وتحقيق الرفاهية المادية.

ويقدم هذا المشروع الإسلام للماليزيين وللعالم في صورة الفكرة المحورية والمحرك المعنوي للنهضة التي تستهدف إنشاء دولة وأمة تؤمن بالتعددية الدينية والسياسية، وتهتم بتحقيق العدالة الاجتماعية والمشاركة الشعبية، ونزاهة الحكم، واقتصاد المعرفة، والتربية الأخلاقية وبناء الشخصية الماليزية الحرة والواثقة والمستقرة.

ولا يقدم رئيس الوزارء الماليزي مشروعه باعتباره وحياً منزلاً، أو إنجازاً فريداً، وإنما بحسبانه رؤية واجتهاداً بشرياً قابلاً للتطور والاختلاف والتغيير والتطبيق المرحلي. وقد اجتمع على صياغة هذا المشروع عدد من كبار المثقفين الماليزيين الذين ظلوا يجتمعون لمدة عام كامل كل أربعاء من المغرب إلى العشاء وبدون أن يتخلفوا أسبوعاً واحداً، ومن عهد رئيس الوزراء السابق محاضير محمد، قبل أن يصلوا إلى هذا الصياغة التي أعلنها رئيس الوزراء.

ولم يخف رئيس الوزراء أن هدفه من تقديم هذا المشروع ليس نشر الدعوة الإسلامية، ولا بناء الشخص المتدين، وإنما بناء دولة رأسمالية حديثة تؤمن بالمنافسة والسوق الحرة دون أن تتنكر لقيمها ومبادئها الثقافية، وإنما تستخدمها في الدفع والتحفيز من جهة والانضباط والمسئولية من جهة أخرى، أو كما قال القائمون على المشروع من أجل: "تنفيذ الخطط التنموية للدولة والشعب من منطلق مفاهيم العالمية والتقدم والحضارة والتسامح والتوازن في الإسلام".

وهذه هي ملامح المشروع، الذي اعتمدنا في عرضه وتلخيصه على ما كتبه الدكتور محمد شريف بشير الأستاذ بجامعة العلوم الإسلامية بكوالالمبور. كما يمكن الاطلاع على : ( وثيقة مشروع الإسلام الحضاري)، لمن يرغب في مزيد من التفاصيل.

 

 

المبادئ العشر

1 الإيمان بالله وتحقيق التقوى: وذلك لأن الإيمان بالخالق هو العامل الأساسي في  الاستخلاف وعمارة الحياة، بينما تقوى الله تفضي إلى جليل الأعمال وأحسن الأخلاق  وأعدل العلاقات بين الناس. وبالتالي لا يقتصر دور هذا المبدأ الإيماني على تزكية الروح  وتنقية المعتقد وتصحيح العبادة، وإنما يتعداه إلى العناية بالسلوك وأعمال الجوارح.

 

2- الحكومة العادلة والأمينة: التي جاءت عن طريق الشورى والاختيار الحر دون قهر أو إكراه، وتعمل على بسط العدل ونصرة المظلومين وردع الظالمين، وترد الحقوق إلى أهلها، وترعى مصالح الأفراد على اختلاف أعراقهم ومعتقداتهم، كما تقوم على قضاء حوائجهم بأمانة وتجرد وإخلاص.

3- حرية واستقلال الشعب: إن الحرية هي القيمة الكبرى في الحياة الإنسانية، وهي  الحافز للعمل والإبداع، وبها يكون الإنسان مستقلا وحرًّا في قراراته؛ وقد خلع عن رقبته طوق العبودية والتبعية.

4- التمكن من العلوم والمعارف: فالعلم هو المرتكز الأساسي لنهضة الأمة، والوسيلة التي  يستعان بها على عمارة الأرض، وتسخير ما فيها، وترقية الحياة، والانتفاع بالطيبات من الرزق.

5- التنمية الاقتصادية الشاملة والمتوازنة: التي تعني التنمية بكامل أبعادها الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والروحية والمادية والثقافية والحضارية، وتجعل صلاح  الإنسان غاية وهدفا لها.

6- تحسين نوعية الحياة: وتعني سلامة الحياة واستقرارها وجودتها وتوفير متطلباتها الضرورية

7- حفظ حقوق الأقليات والمرأة: رعاية حقوق الأقليات العرقية والدينية، وكذلك احترام المرأة وتقدير مكانتها وتعزيز دورها الإيجابي في المجتمع.

8- الأخلاق الحميدة والقيم الثقافية الفاضلة: العناية بالأخلاق الفاضلة والقيم المعنوية  السامية في كل المجالات والجوانب، وأن تكون هي الأساس لتربية الأجيال

9- حفظ وحماية البيئة: العمل على حماية البيئة والحفاظ عليها ومنع ما يهددها من عوامل التلوث والآفات والإهلاك.

10- تقوية القدرات الدفاعية للأمة: وذلك للحفاظ على سلامة ووحدة أراضي الدولة  وحماية المصالح العليا لشعوبها والمحافظة على استقلالها وسيادتها.

 

خصائص المجتمع المنشود

ويحدد بدوي سمات المجتمع الماليزي الذي يستهدف مشروع الإسلام الحضاري إيجاده في ثماني سمات هي:

1- أن يتحلى بالأفكار الوسطية والمعتدلة التي تساعد على تقوية بناء الأمة والدولة.

2- قوامه الأخلاق الفاضلة حتى يكون قدوة للأمة كلها والناس جميعًا.

3- يتصف بالمسئولية والجدية في تأدية دوره وواجباته.

4- تكون فيه العلاقات بين أفراده مترابطة وتقوم على الثقة والأخلاق الفاضلة.

5- يتصف بالنظام ويحترم سيادة وحكم القانون.

6- متحد الكلمة ومتعاون ومتكافل فيما بينه.

7- تطبق الدولة تعاليم الإسلام الحقيقي وتحقق مقاصد الشريعة الإسلامية.

8- تكون الدولة رائدة وقائدة وليست تابعة وذليلة.

 

مظاهر الإسلام الحضاري

وفي رؤية رئيس الوزراء الماليزي فإن أهم مظاهر الإسلام الحضاري تتمثل في الآتي:

العالمية: لأنه يستمد روحه ومقاصده من الإسلام الذي هو رسالة للناس كافة ورحمة للعالمين.

الربانية: حيث مصدره الأساسي وحي الخالق العظيم، ويبتغي ربط الناس بالله رب العالمين؛ فهي ربانية الغاية والهدف، كما هي ربانية المصدر والمنطلق.

 

الأخلاقية: فالأخلاق الفاضلة التي تفضي إلى سلوك رشيد وعلاقات طيبة بين البشر هي أبرز ما يدعو إليه الإسلام الحضاري.

 التسامح: وذلك من أجل مجتمع يسوده الاستقرار والسلام والتعاون والتكافل بكافة أعراقهم ومعتقداتهم، وتفهم الآخرين واحترام خياراتهم العقدية والثقافية.

 

خصائص الإسلام الحضاري

 

للإسلام الحضاري سمات وخصائص تميزه عن غيره من المناهج أبرزها ما يلي:

 

التكامل: تتكامل فيه معارف الوحي مع علوم العصر، وتتكامل فيه الجهود من حيث تناوله لشئون الفرد والمجتمع والدولة.

 

الوسطية: يقوم المشروع على الاعتدال في منهجه، ويعتمد على التدرج واليسر في طريقة تطبيقه، ومن خلال ذلك يكون التوازن بين مصلحة الأفراد ومصلحة الجماعة، والتوازن بين متطلبات الروح والمادة، وبين المثال والواقع.

 

التنوع: من حيث مادته التي تغطي مجالات عديدة، وتهتم بمستويات مختلفة، كما تستوعب المتغيرات، وتأخذ من التجارب والحكم البشرية النافعة والصالحة.

 

الإنسانية: بمعنى أنه رسالة موجهة إلى الإنسان، وتهدف إلى رعاية مصالحه الضرورية والحاجية والتحسينية، وكفالة حقوقه الأساسية، وحفظ دينه وعقله ونسله وعرضه وماله.

 

عوامل إنجاح المشروع

1- التعليم الشامل: الذي يجمع بين معارف الوحي وعلوم العصر، ويغطي فروض الكفاية والأعيان ويؤدي واجبات الوقت دون تقصير.

2الإدارة الجيدة: التي تحسن إدارة الموارد البشرية والمادية وتوظيف الاستخدام الأمثل لها.

3 التجديد في الحياة: بمعنى ترقية أساليبها من ناحية التمدن والحضارة.

4زيادة جودة الحياة: وتوفير متطلبات الحياة الكريمة على أجود هيئة وأكمل حالة.

5– قوة الشخصية: من حيث الإخلاص والأمانة؛ فالإخلاص أساس الأقوال والأعمال، بينما الأمانة عماد المجتمع والدولة، وبغيرهما لا يمكن إيجاد الإنسان الصالح والمجتمع الصالح. وهي أخلاق تقوم عليها الحضارات، وبغيابها تزول وتغرب.

6– الحيوية والنشاط: من حيث استجابته للمتغيرات وإدراكه لمتطلبات الحياة المتجددة ومسائلها المتشعبة.

7– الشمول والسعة: يقوم المشروع على الفهم الشمولي للإسلام؛ فهو لا يركز على جانب دون الآخر، ولا يأخذ تعاليم الإسلام مجزأة. ويعتبر الإسلام منهج حياة كاملا؛ فهو عقيدة وعبادة، وأخلاق ومعاملة، وتشريع وقانون، وتربية وتعليم، ودولة ونظام، يتناول مظاهر الحياة كلها، ويحدد منهاجًا للسلوك البشري في كافة أطواره.

8– العملية والواقعية: لا يجنح إلى المثالية المجردة؛ فهو منهج عملي واقعي من حيث مراعاته واقع الحياة وطبيعة الإنسان وتفاوت الناس في استعداداتهم ومداركهم وحاجاتهم ومطالبهم.

9 – الاستقلالية وعدم التبعية للأجنبي: سواء كانت تبعية فكرية أو ثقافية أو اقتصادية وسياسية.

10– تعزيز المؤسسة الأسرية: فالأسرة هي اللبنة الأساسية في المجتمع، وبصلاحها يصلح المجتمع وتترابط علاقاته وتتوحد مشاعره.

 

تحديات المشروع

1الجمود والتقليد: يقف تيار الجمود والتقليد عقبة أمام محاولات التجديد والاجتهاد بدعوى الإبقاء على القديم وإن لم يكن صالحًا لعصرنا؛ وهو تيار يعبر عن نفسه في الجمود المذهبي والتقليد الفكري.

2التطرف: وهو تيار أفرزته المشكلات والاختلال العميق في المجتمعات المسلمة، ويعبر عن نفسه في حركات التطرف الفكري والسلوكي.

3الانعزال والترهب: وهو تيار ينتشر وسط الأمة الإسلامية، وتغذيه المواقف السلبية الداعية إلى الزهد والرهبنة والابتعاد عن الدنيا والانصراف عنها كلية.

4- العلمانية: وهي اللادينية التي ترفض ارتباط الدين بالحياة، وتوجيهه لجوانبها الاقتصادية والسياسية والاجتماعية، وتحارب تدخل تعاليم الدين في شئون الدولة والحكم.

5- أحادية المعرفة: المعرفة الجزئية سواء بالشرع أو الواقع تؤدي إلى نظرة جزئية للأمور وتحجب عن صاحبها معرفة الأبعاد الحقيقية للقضايا، وبالتالي يكون حكمه قاصرًا وعاجزًا عن المعالجة الوافية، ولا بد من معرفة بالشرع والواقع معًا.

6- الضعف في إدارة الوقت: إن إهدار الوقت وعدم إدراك قيمته من أوضح أسباب الفشل والتردي في الحياة العامة في البلاد الإسلامية.

 

(ملحوظة: نقلت وكالة الأنباء الماليزية برناما خبراً عن أن السيد محمد نجيب رئيس الوزراء الماليزي الجديد الذي تولى مهام منصبه في 2 إبريل من العام الحالي 2009، أصدر قراراً بإعادة النظر في مشروع الإسلام الحضاري، وقرر إيقاف العمل به حتى يتم إعادة دراسته، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم).

 

 

 

 

 

 

Advertisements