2-    بين السلطة والشرعية

 

الهرم في الوجدان المصري

 

كان المجتمع المصري – منذ خمسة آلاف سنة – علي شكل الهرم، ولم يكن الهرم في الوجدان المصري مجرد شكل هندسي أو تكوين معماري، وإنما كان الهرم تصورًا أو تصويرًا لأوضاع المجتمع.


"الملك الإله" علي القمة – وكبار الأمراء وكبار الكهنة وكبار القواد وكبار الموظفين، وكلهم المسئولون عن النيل والأرض والبركات(!) طبقة تحتهوالمهندسون والإداريون والفنيون طبقة ثالثة تحت الطبقة الثانية – وتحت هؤلاء جميعًا قاعدة الهرم الضخمة، وفيها جموع المنتجين من الزُّراع والصُّناع – حياتهم علي النيل والأرض، وولاؤهم مضمون: بهيبة الملك الإله، وطقوس كبار الكهنة، وسلطة الحكام من كبار القواد والموظفين.


وقد قام هذا الهرم في مصر الفرعونية واستمر بعدها. والغريب – يا سيادة الرئيس – أن كل محاولات تحدي هذا الهرم لم تنجح إلي الآن، ولا بالثورة. وربما كانت الأزمة الحقيقية لمصر «الثورية» أن هذا الهرم بقي علي شكله العام رغم الحركة العنيفة صعودًا وهبوطًا علي درجاته، ورغم الصلة المباشرة التي تحققت في بعض الأوقات بين قمته وبين القاعدة.


ومع ذلك فهي في نهاية المطاف مؤسسة واحدة وسلطة واحدة، ومنها يصدر القرار، ومن القمة ينزل إلي ما تحتها. قاعدة لم تتغير مهما كان نوع القرار، سواء كان اختيار رجل لمهمة، أو تحديد مسار اجتماعي، أو سياسي أو دولي.

 

 

 في مصر: الرئيس هو كل شيء

 

كان تأميم قناة السويس، وبناء السد العالي، والتوجه القومي العربي والتحول الاشتراكي، وصيغة تحالف قوي الشعب العامل – اختيارات لجمال عبد الناصر من واقع رؤيته.


وكانت قرارات أكتوبر ١٩٧٣، والتوجه نحو الولايات المتحدة الأمريكية والصلح مع إسرائيل، وسياسة الانفتاح – اختيارات لأنور السادات ومن واقع رؤيته.


ويلفت النظر – يا سيادة الرئيس – أن الأدوات التي نفذت هذه السياسات والقرارات المتباينة، كانت نفس الأدوات، أي أجهزة السلطة.


ويلفت النظر أكثر – يا سيادة الرئيس – أن التنظيمات الواجهات التي قامت علي تنفيذ هذه السياسات وتولت مسؤولية القرارات المتباينة لها – نفس التنظيمات تقريبا، بل نفس الوجوه حصرا – لأن غالبية الذين كانوا في صفوف الاتحاد الاشتراكي هم الذين انتقلوا منه إلي صفوف حزب مصر، وهم الذين انتقلوا منه إلي صفوف الحزب الوطني، والسبب واضح، فقد كانوا هم ممثلي القوي «أصحاب المصالح القائمة» القريبين من كل سلطة – أي سلطة – بحكم الحرص علي حماية المصالح، والرغبة في التأثير إلي أقصي الممكن.


وأليس ملفتا للنظر أكثر من ذلك أنه حتي أحزاب المعارضة وقتها «وحتي الآن» بدأت وجودها ونشاطها بقرار رئاسي؟ لقد كان الرئيس «السادات» هو صاحب قرار المنابر، بل اختار لهذه المنابراليمين والوسط واليسار – رؤساءها. وكان هو أيضا صاحب قرار تحويل المنابر إلي أحزاب وبنفس الرؤساء الذين اختارهم، وليكن أن التجربة العملية طورت الممارسات – فإن ذلك لا يغير نسب الأبوة ولا شهادة الميلاد!


ماذا أقول – يا سيادة الرئيس – هل أقول إنه حتي القانون نفسه أصبح قرارا واختيارا: قانون «حل الأحزاب» في عصر «عبدالناصر» – «إنشاء المنابر» في عصر «أنور السادات» – مجرد مثالين!

 

 

الأيام الأخيرة من حكم السادات

في أواخر عصر الرئيس السادات ظهرت فجوة واسعة بين القول المُعلن – والحقيقة المُعاشة!

كانت مصر في حالة أشبه ما تكون بحالة عصيان مدني.
مخطئ – يا سيادة الرئيسمن يقول إن ما حدث في سبتمبر وأكتوبر من العام الماضي (يقصد عام 1981) كان ثورة أو ثورة مضادة، أو شيئا شبيها بهما – بل كان ما حدث حالة تمرد عام، أو شيئا أشبه بالعصيان العام.
وكان المناخ كله تلك الأيام أحوال رفض تولد عنه غضب شديد ملأ نفوس كل الأطراف.
كان رئيس الدولة غاضبا، وكان الشارع غاضباً، وكان المسجد غاضباً، وكانت الكنيسة غاضبة، وكانت السياسة غاضبة، وكان الفكر غاضباً!

وتراجعت لغة الحوار واستحكمت لغة العنف، بادئة بحملة اعتقالات واسعة، حلا للبعض وصفها بالثورة، وبرزت المخالب وطالت الأنياب – باسم الديمقراطية وسيادة القانون – وامتلأت المعتقلات علي آخرها، والغريب أن السجون أطبقت بوابات الحديد علي كل من اعتبرتهم مصر – والعالم معها – رموزاً لكل القوي والمجموعات والتيارات الوطنية، كأن السلطة دخلت في صدام إلي النهاية مع كل الناس، ناسية أنه لا طاعة لسلطة إلا بمقدار القبول الاختياري من الأغلبية بها، وإلا بمقدار نزولها هي عند مقتضي إرادتهم.

كل فعل له رد فعل، مساو له في القوة، مضاد له في الاتجاه، هكذا تقول الهندسة، وكذلك أيضاً تقول السياسة. وهكذا فإن العنف أدي إلي العنف المضاد، وهذه تحقيقات حادث المنصة أمامنا تشهد بأن نية وخطة الاغتيال لم تتحرك ولم يرسم لها ويرتب لتنفيذها إلا بعد «اعتقالات سبتمبر ١٩٨١».

كنت أقول لمن ناقشت – وهم كثيرون – «لا تقعوا في نفس الخطأ، ما كان من اعتقالات، لم يكن «ثورة ٥ سبتمبر»،.
وما يسمي بحادث المنصة وما توافق معه في صعيد مصر، لم يكن ثورة ٦ أكتوبر.
وإنما كانت كلها مظاهر حالة عصيان، وحالة رفض، وحالة تمرد.

كان رأيي – يا سيادة الرئيس – أن هذا التوصيف مهم لأنه وحده يحدد حجم ما هو مطلوب عندما يتوقف العنف، وعندما تهدأ النفوس، وعندما تنزاح وتنجلي عاصفة الغضب التي ظلت تهب علي مصر قرابة ثلاثة شهور من خريف سنة ١٩٨١.

إذا كان ما حدث ثورة، فالثورة لها أحكامها من سقوط وظهور.
وإذا كان ما حدث تمرداً، فإن المطلوب يكون بمراجعة الطرق التي قادت إلي أبواب مسدودة.
بمعني أن التحليل السليم لأي حدث من الأحداث لا يتوفر بمجرد فهم ما كان، وإنما – قبله – بمحاولة فهم ما يمكن أن يكون.

……..

 

 

كيف تحكم مصر ؟

إن جماهير واسعة من الشعب المصري أحست في السنوات الأخيرة من عصر الرئيس «السادات» أن هناك فجوة واسعة بين ما يقال لها الواقع الذي تعيشه كل يوم.
وليس صحيحاً – يا سيادة الرئيس – ما يزعم به بعضهم من أن شواغل الناس كل يوم بعيدة عن السياسة. بل الصحيح أن الناس في الدنيا كلها – حتي في الصحاري والغابات – يصحون وينامون، ويأكلون ويتنفسون – سياسة.

 

ويقال أحياناًظلما وتجنياً – إن الشعب المصري لا يعرف السياسة إلا عن طريق بطنه، والقول العدل أن ذلك حال كل الشعوب، إذ يكون مدخلها إلي السياسة ما تري من أحوال حياتها ومعاشها، أي ما تواجهه وتتعرض له في جميع شؤونها صباح مساء، فذلك في معيارها وزن الحقائق، وغيره لا يسنده واقع ولا يقوم عليه دليل.

 

بل إن الثورات – وهي ذروة التحولات السياسية الكبري في المجتمعات – وقعت علي طول التاريخ لأسباب تتصل بالحياة اليوميةالاقتصادية الاجتماعية بالدرجة الأولي – لعامة الناس. ولم تقم ثورة في التاريخفي أي مكان في الدنيا – إلا وكان محركها المباشر اقتصاديا اجتماعيا.

……..
إن الوصول إلي قمة السلطة ليس شرطاً كافياً للشرعية، وإنما لابد لهذه السلطة أن تستجيب لحركة التاريخ، وتكون منجزاتها العملية بهذه الاستجابة أساس شرعيتها، مع ملاحظة أن شرعية رجل واحد ليست قابلة للإرث بواسطة رجل يليه علي كرسي الحكم. وهنا يصبح علي كل رجل جديد – وحتي تنمو القوي الاجتماعية في الوطن وتفتح طرقاً طبيعية، دستورية وقانونية للتطور والتقدمأن يقدم الرجل الجديد موضوع -وليس مجرد شكل- شرعيته، وأن يؤكد هذه الشرعية بسياساته هو وليس بسياسات سواه.


ولقد رأيت بنفسي وسمعت ـ كصديق مقرَّب ـ كيف استقر رأي «جمال عبد الناصر» عليكم لهذه المهمة (يقصد قيادة القوات الجوية) في تلك الأوقات، وكان ذلك بناء علي ما ورد في التقرير السري بملف خدمتكم بأوصاف ـ «وطني ـ كفء ـ لديه ملكة القيادة».


سيادة الرئيس، إنك لست مديناً لأحد، لقد أرادوك لهم، ولكن المقادير أرادتك لنا، وهكذا يجب أن تكون دائماً.

 

إنني واحد من الذين يتمنون لكم قلبياً أن تنجحوا، ليس فقط لأنكم «وطني، كفء، لديه ملكة القيادة»، ثم إن الظروف ألقت علي أكتافه بالحمل الثقيل – ولكن أيضاً لأن مصر لا تستطيع أن تتحمل – لا سمح الله ولا قدر – تبعات وعواقب أن لا تنجحوا، لسبب واضح، هو أن الخطر علي المستقبل يتأكد حين تصبح أعصاب الأمة وطاقاتها ومواردها مشدودة علي الآخر، أو تصبح صحتها علي غير ما يرام.

وأنا  واحد من الذين نادوا باستمرار بالتفرقة بين الرأي العام والرأي الخاص، لأن السياسة في مصر كثيراً ما خلطت بين الرأيين، فأحاطت بصانع القرار جماعات الضغط من أصحاب المصالح يتوسلون للتأثير عليه بادعاء التعبير عن رأي عام، بينما هم في الحقيقة يعبرون عن مساحة محصورة في نطاق ما يمسهم مباشرة، وكذلك يخلطون بين الرأي العام والرأي الخاص!

 

لقد كان الحكمولا يزال – يا سيادة الرئيس – فردياً بطبيعة الظروف في مصر، رجل واحد علي القمة يقرأ ويسمع ويشاور ويحاور، وهو في آخر النهار يتخذ قراره بنفسه.
وبالطبع فإن هناك الطموح إلي مرحلة من التطور تسمح بوجود مؤسسات لا تستمد سلطتها في النهاية من رجل واحد علي القمة، بل تملك بنفسها إمكانيات وسلطات حركتها الذاتية، لكنه حتي تجيء هذه المرحلة من التطور، فليس هناك ما يدعو إلي تسمية الأشياء بغير أسمائها، وإلا كنا نخدع أنفسنا ولا نخدع أحداً غيرنا.

نعم، الحكم فردي، وهذا خطر، وقد نقول إنه ضرورة مرحلة ينبغي اجتيازها، وبالفعل فقد جاء الوقت الملائم لتجاوزها.
لكنه إذا كان الحكم الفردي خطراً، فإن الحكم الشخصي كارثة.
وقد عرفنا «الحكم الشخصي» بعد «الحكم الفردي».
والقرار في الحكم الفردي يصدر عن رؤية عامة قابلة بالطبع للصواب والخطأ – وأما القرار في الحكم الشخصي فإن الحدود معه تضيق، إذ يختفي إلهام الرؤية العامة ليحل محلها همس الوحي المباشر!

Advertisements