3- خريطة الإصلاح في مصر

 

سنوات الرئيس الأولى

 

حدث شيء (يقصد اغتيال الرئيس السادات)، وهذا الذي حدث له معانيه.

إن الاعتراف بأن «شيئاً حدث» ضرورة حقيقة – والاعتراف بأن هناك «مطلوب يجب أن يحدث»، كلاهما ضرورات حق.

وأي تجاهل لضرورات الحق والحقيقة – أقصر طريق إلي المتاعب، بل لعله وصفة مضمونة لأزمات مؤكدة.

……

أليس غريبا – يا سيادة الرئيس – أن مصر أولتكم ثقتها قبل أن تسمع منكم حرفا؟ – مع أن مصر عادة لا تمنح ثقتها بسهولة. إن مصر – وقد عشت التجربة – لم تمنح ثقتها لجمال عبد الناصر إلا بعد حرب السويس العظيمة، أي بعد أربع سنوات من العمل الشاق والمضني.* كذلك – وقد كنت شاهدا – فإن مصر لم تقبل «أنور السادات» قبولا حقيقيا إلا في تلك الشهور من أواخر سنة ١٩٧٧ وأوائل سنة ١٩٧٨، وهي الفترة التي استطاع أن يقنعها فيها بحلمه الأسطوري: السلام مدخلا إلي الرخاء.


الإطار الذي قدمتم فيه أنفسكم للناس في أول خطاب حين رأي الناس أمامهم واحدا منهم لا يمثل شخصية «رمسيس الثاني» ممسكا بمفتاح الحياة في يده، ولا يقلد «لويس الرابع عشر» صاحب القول المشهور: أنا الدولة!
رجلا يتصرف بتواضع، ولا يهرول وراءه رجل آخر بدرجة وزير ليحمل عنه أوراقه، أو ثان يمسك له بمقعده يزيحه تحته عندما يجلس، ثم رجل يتكلم من نص رصين مكتوب بغير انفعال، ولا افتعال!

 

أعلن الرئيس إستراتيجيته ولخصها في أنه يريد:

"صفحة جديدة في تاريخ مصر – وحوار مفتوح مع كل القوي الوطنية – ووقت لأفكر"


ما تحتاجه مصر هو ما بدأت به سيادة الرئيس:

          محاولة الإطلال علي الصورة العلمية للواقع الاقتصادي الاجتماعي في مصر بعد سنوات من الفوضي الشاملة والضباب الكثيف.

 

          السماح لأحزاب المعارضة التي تعرضت للضرب العنيف أو التبريد العميق – فيما سُمي بثورة ٥ سبتمبر – بالعودة ثانية إلي المسرح السياسي، ومعها أدواتها في التعبير عن نفسها بحقها المشروع والقانوني في صحف ومنشورات،

 

          دعوة إلي الطهارة، تعهدت باستئصال الفساد، وعدم التستر عليه بعد أن سري واستشري في أجواء تغري به، وتساعد عليه، وتبسط يد الحماية فوقه.

……..

ولعلي واحد من الذين يتصورون أنكم تواجهون معضلة إنسانية يتنازعكم فيها عاملان متناقضان: الرغبة في وضع الصورة كاملة أمام الناس، ثم التحرُّج – في نفس الوقت – من أن يبدو ذلك وكأنه محاولة لإلقاء اللوم علي آخرين.

 

ومثل ذلك الحرج – يا سيادة الرئيس – مرفوع وينبغي أن يحكمنا فيه الصدق مع النفس أولاً. فما لم يعرف الناس من أين يبدءون رحلتهم إلي المستقبل، فإن السفر إليه يصبح ضرباً من المستحيلات!


ثم إن حجم المشاكل أصبح مستعصياً علي أية محاولة للترميم أو للترقيع، لأنه لم يعد هناك بُد من إعادة البناء، أقول ذلك آسفاً، مشفقاً علي مصر وعليكم.


وإذا أدرنا البصر علي الآفاق من حولنا، فلن نجد غير مشاكل لا أعرف كيف يمكن حلها، ولا أظن أن غيري يعرف.

* * *

الخريطة السياسية والاجتماعية لمصر


انتهى مهرجان مبادرة السلام إلي صلح منفرد بين مصر وإسرائيل، أعقبه الجري اللاهث وراء سراب الرخاء والسلام حتي تم توقيع اتفاقيات «كامب دافيد»، وبه انعزلت مصر عن بقية أمتها العربية،


و سواء كانت هي التي عزلت نفسها أو كان الآخرون هم الذين عزلوها ، ومع اتساع دوائر الفساد والإفساد، والآثار الاجتماعية التي نجمت عن ذلك –  نشأ نتيجة لهذا كله من شعور بالاغتراب لدي الإنسان المصري العادي، وكان التطرف الديني رد الفعل الطبيعي لهذا الشعور بالاغتراب، فحين يشعر الفرد أن حقه في الوطن مهدد، لا يجد غير الشكوي لله.


وكان التطرف الديني هو الذي فتح بدوره الباب لما أسميناه بـ«الفتنة الطائفية» التي بدت مستغربة في مصر بعد تجربتها الوطنية الراسخة، وتجمعت هذه النذر في عاصفة الغضب التي هبت علي مصر في خريف سنة ١٩٨١، وكان حادث المنصة صاعقة البرق التي تولدت شحناتها النارية مع تصادم العواصف الزاحفة من كل اتجاه: الوطني والديني والاجتماعي والاقتصادي وحتي القانوني.

…….


المشكلة الاجتماعية: في مصر خمسة ملايين أسرة تعيش بمتوسط دخل قدره ثلاثون جنيهاً في الشهر، والأسرة مكونة من خمسة أفراد علي الأقل، والثلاثون جنيهاً يجب أن تكفيها للطعام والمسكن والتعليم والعلاج، وغير ذلك مما يحتاجه البشر.


وخمسة في المائة من سكان القاهرة يحصلون وحدهم علي خمسين في المائة من الدخل المتولد في المدينة – بينما يحصل الباقون جميعاً – ٩٥ في المائة من السكان – علي الخمسين في المائة الباقية!
وفي نفس الوقت يقال لنا إن في مصر سبعة عشر ألفاً من أصحاب الملايين.

 

……..

المشكلة الاقتصادية: وأشهر معالمها تعداد سكان يقترب من خمسين مليون نسمة، ورقعة محدودة من الأرض الزراعية تتآكل أكثر مما تتزايد، ودخل قومي بمتوسط أربعمائة وخمسين دولاراً للفرد في السنة. وقطاع عام في الصناعة مازال يحمل العبء الأكبر في عملية النمو – لكنه يتعرض لغارات معادية ضارية.


وقطاع مالي طفيلي طارئ انطلق في السنوات الأخيرة إلي عملية نهب منظم، وأزعم أن البنوك العاملة في مصر لو جردت حساباتها بأمانة لظهر أن هناك أكثر من ألف مليون دولار ديوناً «سيئة» حصل عليها مغامرون لم يفكروا يوماً في سدادها – بل كان همهم أن يخطفوا ويهربوا (ولن أذكر أمثلة مع أن السوق مليئة منها بعشرات).
أهم من ذلك، ديون خارجية يتراوح حجمها ما بين عشرين إلي خمسة وعشرين ألف مليون دولار، وميزانية دولة تشير هذه السنة إلي عجز قدره أربعة آلاف مليون جنيه، وميزان مدفوعات لا يقل عجزه – هذه السنة أيضاً – عن ألفين وخمسمائة مليون دولار.

…….


المشكلة السياسية: إن الذين يضمهم الحزب الوطني الآن هم في مجموعهم نفس الناس الذين ضمهم من قبل الاتحاد القومي ثم الاتحاد الاشتراكي ثم حزب مصر، ومعني ذلك أن هذا الحزب الوطني في لونه الأخير – اعترفنا بذلك أو لم نعترفتجمُّع لأصحاب المصالح القائمة، أو فلنقل ببساطة إنه حزب السلطة، وحزب أي سلطة، وتلك ظاهرة عادية في معظم بلدان العالم الثالث لم تنفرد مصر بها، وليس هناك ما يدعونا إلي لوم أحد عليها، بمن فيهم أصحاب الشأن الذين جمعهم الحزب، فتلك أحكام الظروف.

 

هل أقول ما هو أكثر – يا سيادة الرئيس – هل أقول إن كل الأحزاب القائمة – سواء في ذلك الحزب الوطني أو أحزاب المعارضة – ظاهرة ضبابية لأنه لا يعرف أحد بالضبط ما تمثله أو حجم ما تمثله. لأنها جميعاً نشأت بقرار شخصي: يمين ووسط ويسار. اختراع وصفناه بالمنابر أولاً، ثم استعرنا له وصف الأحزاب فيما بعد.

 

إن المفروض في الحزب السياسي أنه يناضل لكي يصنع السلطة، وليس المفروض من حزب أن يتوسل إلي السلطة لكي تصنعه.

 

……………..

مشكلة التطرف الديني: وهي ظاهرة تتطلب تفسيراً عقلانياً يردها إلي أصولها، فليس هناك شك في أن الدين كان – وسيظل دائماً – دعامة أساسية من دعائم الحياة في مصر. والواقع أن ظاهرة تدين مصر ظاهرة مستمرة في التاريخلكن التطرف طارئ آخر علينا أن نبحث عن سبب مستجد له.


وربما قلت إنه نتيجة للضغوط الاقتصادية والاجتماعية – فإن مجموعة القيم التي طرحتها الثورة المصرية في فترة شبابها لم تستطع الصمود، خصوصاً أن هذه المجموعة من القيم تعرضت من الداخل لاهتزازات سببتها بعض أخطاء التجربة.

 

واعتقادي أن ذلك كله لا يواجه بالبوليس والمحاكم، ثم إنني لست مقتنعاً بأن تلك الندوات التي تُعقد في السجون «لإعادة تثقيف» من يسمونهم «المتطرفين» يمكن أن تصل إلي نتيجة. والواقع أن تلك الجماعات الضخمة من الشباب تعتقد أنها تملك فلسفة كاملة ورؤية شاملة، ولن تستطيع الندوات أو المحاضرات – ساعة أو ساعات – أن تنفذ إلي العمق منهم أو إلي الصميم.

………

مشكلة العمل العربي: إن انتماء مصر العربي – يا سيادة الرئيس – لم يعد في حاجة إلي تأكيد جديد، وحتي بعض الذين أصابهم في السنوات الأخيرة «مس فرعوني»، عادوا الآن – بعد شرود – يسلمون بثوابت الجغرافيا وحقائق التاريخ، بما في ذلك عملية التواصل الثقافي بالتراكم عبر مراحله الأصيلة والمتغيرة، وفي ذلك فإننا جميعاً نعرف الظروف، التي باعدت بين مصر وبين أمتها العربية، وإذا كان لازماً أن تنتهي العزلة، وتعود الأمور إلي طبائعها الأصلية، فإن الأماني لا تحققها النوايا، خصوصاً إذا كانت هناك قوي تري من صالحها تكريس العزلة.

…….


دور مصر الإقليمي

عندما يتوقف دور مصر، فإن عملية «التحديث» تتوقف، بل تتراجع، وقصاري ما يمكن أن تصنعه ضرورات العصر في غياب مصر هو الاستعانة بـ«التغريب» عن «التحديث»، أي مجرد تقليد مظاهر التقدم (خصوصاً في مجال الاستهلاك وأنماط السلوك)، وتقليد الغرب ليس تجدداً أو تجديداً من موقع الأصالة، لكن ذلك كان ما جري فعلاً، لأن «التحديث» جهد إنساني خلاق، أما «التغريب» فشيء يستطيع المال أن يشتريه كما يشتري الأزياء والعطور وأجهزة التليفزيون والفيديو والسيارات وحتي الطائرات!


وعندما يتوقف دور مصر في عملية توحيد العالم العربي، ويغيب عن الدائرة مركزها أو محورها، وتتوقف الحركة – فإن المنطقة العربية تتحول علي الفور من تواصل إنساني متصل إلي أقاليم جغرافية. أربعة أقاليم علي وجه التحديد: إقليم شبه الجزيرة العربية (السعودية ومجموعة دول الخليج) – وإقليم الهلال الخصيب (العراق وسوريا والأردن وفلسطين ولبنان) – وإقليم وادي النيل (مصر والسودان) – وإقليم المغرب العربي (ليبيا وتونس والجزائر والمغرب).

وانقسام الأمة إلي أقاليم يحدث الآن فعلاً، وبينما تحاول بعض الأقاليم أن تنجو بنفسها بعيداً – كما يحدث الآن لمجموعة دول الخليج – فإن أقاليم أخري تجد نفسها غارقة في تناقضات داخلية، كما هو الحال في الهلال الخصيب وفي المغرب العربي. وحتي في إقليم وادي النيل.


ولقد كان مطمح إسرائيل دائماً أن تتعاون في المنطقة مع حزام تتصوره غير عربي علي الشاطئ الشرقي للبحر الأبيض («فراعنة» مصر، و«موارنة» لبنان، و«صهاينة» إسرائيل – كذلك قالت دراسة شهيرة في معهد «شيلواح» للعلوم السياسية في القدس، وقد أشرت إلي هذه الدراسة في محاضرة، دعتني إليها وزارة الخارجية في الإمارات في شهر يناير ١٩٧٨، وجاءني وزيرهافي ذلك الوقت – الصديق «أحمد خليفة السويدي»،
مندهشاً لا يكاد يصدِّق أن مثل ذلك محتمل حتي في فكر إسرائيل!!) – ويقابل هذا الحزام علي الشاطئ الشرقي للبحر الأبيض حزام آخر علي شطآن الخليج، يراد له ألا يكون هو الآخر عربياً حتي تشده «إيران»، أو يشده شبه القارة الهندية، والمهم في الحالتين عزلة عن بقية العالم العربي.


……….
ولا يخالجني شك – يا سيادة الرئيس – في أن مصر عائدة إلي أمتها العربية وإلي دورها العربي، مهما كانت الخطط والتخطيط، وإن لم يكن بمجرد الطلب والتمني.


ولكن السؤال هو: كيف تعود مصر؟

………….

 

تعليق أخير

لا زال سؤال هيكل الأخير الذي طرحه من 27 عاماً قائماً…..

ولا زالت مشاكل مصر التي شخصها هيكل من 27 عاماً قائمة…

ولا زالت الأسباب التي دفعت الشباب المصري لاغتيال رئيسه من 27 عاماً قائمة…

ولا زال هيكل ومبارك والحزب الوطني والسلام والديون والتطرف والفقر والعزلة العربية قائمون…

……..

من سيكتب مثل هذه الرسائل للرئيس الجديد؟

وماذا سيقول فيها؟

ومن هو الرئيس الجديد؟

ومتى؟

……..

…..

 

Advertisements