حسن العشماوي (1921- 1972) هو أحد رموز الحركة الإسلامية المعاصرة، وإن لم يحظ بشهرة كبيرة بسبب ظروف هروبه من مطاردات الجهات الأمنية المصرية لسنوات. كان عضوًا مرموقًا في تنظيم الإخوان المسلمين وقريباً من مرشدها العام حسن الهضيبي، درس القانون وعمل في السلك القضائي حتى استقال عام 1951 وفتح مكتباً خاصاً للمحاماة. انضم للجماعة عام 1948 وقام بدور خاص جدًا في العلاقة بين الإخوان المسلمين والضباط الأحرار في أثناء التحضير للثورة وفي سنتيها الأوليين، إلى أن اختفى في صعيد مصر ثلاث سنين عقب حادثة المنشية 1954، ثم هرب من مصر إلى السعودية بعد أن استخرج جواز سفر بمهنة "طباخ" ثم تنقل بين الدول العربية والأوربية بجوازات سفر مختلفة إلى أن استقر به الحال في الكويت التي توفي فيها في 2 فبراير 1972 قبل أيام من موافقة مصر على استخراج جواز سفر مصري له ولزوجته وأولاده.

ولا أود أن يختلط الأمر على القاريء الكريم بين حسن العشماوي، ومحمد سعيد العشماوي الكاتب العلماني الذي عمل لسنوات رئيساً لمحكمة أمن الدولة المصرية، وبدا مقرباً في نهاية الثمانينات وما بعدها من دوائر صنع القرار في مصر، ودعي لإلقاء عدد من المحاضرات في الجامعات الأمريكية،  وأصدر عدة كتب هاجم فيها بضراوة فكرة الحل الإسلامي والدولة الإسلامية، وهو ما جعل اسمه على قائمة المطلوبين من الجماعات الإسلامية.

ويعتبر حسن العشماوي من المجددين في الفكر السياسي الإسلامي، ، وهو ما بدا واضحاً في بحثه الصغير والهام: "الفرد العربي ومشكلة الحكم".   والذي تجاوز فيه المناطق التي توقف عندها الرعيل الأول من قادة الإخوان أنفسهم، وبدا أكثر تفهماً للأخطاء التي صاحبت التطبيق فيما بعد الخلافة الراشدة، وبدا أكثر انفتاحاً على التجارب العالمية، وأكثر إيماناً بأهمية تحويل المباديء العامة التي يتحدث عنها الخطباء والدعاة إلى خطوات عملية، ولعل نشأته القانونية ساعدته في هذا الأمر.

وهذه هي خلاصة أفكاره، التي اعتمدنا فيها على ما كتبه الدكتور محمد سليم العوا:

  

 

 

1-     تقوم مشكلة الحكم على ركيزتين رئيسيتين متكاملتين متجاوبتين: التسليم بالوجود الإلهي، والإيمان بالحرية الفردية، الحرية الفردية التي عليها أن تثبت وجودها أمام تحديات الغيب والحاضر معًا.. الحرية الفردية التي ترعى ذاتها بمقدار ما ترعى غيرها، وإلا اصطدمت بالوجود الإلهي.

2-     الحديث عن أن الإسلام "دين ودولة" ليس دعوة إلى إقامة حكومة دينية. لقد جرَّبت الأرض الحكومة الدينية أكثر من مرة، جرَّبتها على يد كهنة الإلهة المتعددين في أكثر من مكان، فكانت المآسي في الحكم باسم الآلهة. وجرَّبتها أمة المسلمين مع من ظنوا أن الخلافة ظل الله في الأرض، وأن قولها هو قول السماء، فرأت مبكرًا محنة مالك وابن حنبل، ثم رأت حبس أو قتل كل من اجتهد ليواجه أحداث العصر أو سطوة الحكم، ثم رأت اضطهاد كل مجدد -أخطأ أو أصاب- يريد أن يرجع إلى أصل الدين لا شكله وقشوره… هذا لا نريده أبدًا.. وبُعدًا لولاء الفرد لحكومة تكون واسطة بين السماء والأرض.

 3-     هل أراد الله أن تحكم الأرض على شكل معيَّن؟ هل رسم لها صورة للحكم؟ لا.. أقولها بكل ثقة، وأتحدى من يقول غير هذا أن يأتيني بدليل. إن حاكمية الله في الأرض، بمعنى سيادة نواميسه قائمة بحكومة دينية أو غير دينية.. وبغير حكومة على الإطلاق. أما حاكمية الله في الأرض على النحو الذي يرفعونه شعارًا للحكم، فلا يعني إلا أحد أمرين: إما حكومة دينية متسلِّطة، قد تعدل إذا صادف العدل طبيعة أفرادها أو هواهم، وقد تظلم إن شاءت، ولا اعتراض عليها، لأنها حكم الله في الأرض. وإما فوضى، كل فئة ترى نفسها قيّمة على حكم الله في الصغيرة والكبيرة، فتسعى إلى تنفيذه، فتتفرق الجماعة، ويقتل بعضنا بعضاً.

 4-     نسعى لحكومة مسلمة تؤمن بالله واليوم الآخر، تطبِّق قوانين المسلمين التي تنبع عن الشريعة الإسلامية وتتطوَّر لمواجهة متطلبات العصور المتطورة.

5-     على كل أمة أن تختار الحل الذي يناسب حالها وظروفها. والحركة الإسلامية ليست نظرية يعتنقها البعض تفرض حتمية معيَّنة تشبه حتمية الماديين.. ولكنها حركة تجاهد لتطبيق جوهر فهم السلف…والسلفية لا تعني تقليد السلف فيما فعلوا، ولكنها تعني اعتناق مفهوم السلف الذي دعاهم إلى فعل ما فعلوا.

 6-     الأصل العام في الحرية.. أن نقبل علانية التجمع السياسي على رأيوعلانية الدعوة له.. والأمر المرفوض كلية هو أن تلزم الأمة بحزب واحد، يحكمها وفق مبدأ جامد -دينيا كان هذا المبدأ أو منكرًا-، فلا يسمح لغير أعضائه أن يتولى فيها أمرًا. إن الحزب الذي يقبل لذاته الوجود في بلد من البلاد، يجب أن يسلِّم لغيره بالوجود، وإلا أوجد لنا طبقة جديدة ممتازة، تحكم الناس باسم الحزب.. فينحدر بنا في رجعية دينية أو ملحدة، ترفضها الأمة العربية، وتأبى قيامها .

 7-     يجب أن نفرق بين الإلهي والبشري. فالإلهي هو النواميس الكونية وأحكام الشريعة. والبشري هو التطبيق، والاختيار من بين الحلول المتعددة التي تتيحها الثوابت الدينية. والحاكمية لله لا تعني سوى سيادة نواميسه، وهي قائمة على كل حال، أما الحكم فهو شأن من شؤون الناس تقيدهم فيه الشريعة الموحاة، ثم يختارون لأنفسهم من النظم والأشخاص ما يشاءون.

8-     القومية العربية هي رابطة أوجدتها وحدة المشاعر والمشكلات والآمال والمصالح بين أهل المنطقة الذين يتكلمون لغةً واحدةً، ويؤمنون إيمانًا واحدًا، و من الطبيعي أن تدعو القومية العربية إلى الوحدة العربية، لكن هذه الوحدة ليست غاية، بل هي إطار لفكرة وتراث.

…………

……

 

Advertisements