تقديم سريع:

هذه مقدمة سريعة لمقال بديع للدكتور حسن حنفي (رغم أنني على الإجمال وفي العادة لا أرتاح لكتاباته رغم غزارة وتنوع إنتاجه العلمي)، وفيها يشير إلى المعنى الذي أردده دائماً وهو أن الصراع بين السلفية والعلمانية أو بين العقل والنقل هو صراع مفتعل وأن أوجه التقارب بينهما قائمة بل وواجبة..

و في رأيي أن الأمر على خلاف ما يردده الفريقان من أن "المصلحة " تتحقق بإتباع منهجهم وحده. فالعلمانيون يقولون المصلحة تتحقق بتغليب العقل، والإسلاميون يقولون إن المصلحة تتحقق بتغليب النقل. وأعتقد أن ما يحرك الفريقان – أو المغالون في الفريقين- ليس ثقافة المصلحة وإنما ثقافة "الإنكار والنفور"، وبالتالي فالمشكلة ليست مشكلة عقل ونقل، وإنما مشكلة تقبل ونفور أو إعجاب وكراهية.

فمعظم العلمانيين نقليون، ولكنهم ينقلون من الغرب بدل أن ينقلوا من التراث، وذلك لأنهم ينفرون من التراث ويكرهونه وليس كما يدعون لأن المصلحة في الحداثة والمعاصرة. كما أن السلفيين مع أنهم يجلون النصوص ويقدمون الصحيح منها إلا أنهم عقليون في إثبات صحتها، وفي فهمها وفي تأويلها وفي تطبيقها، ولا يمكنهم إلا أن يكونوا كذلك، لأن العقل هو محل الخطاب في الشريعة الإسلامية، والقلم مرفوع عن من عدم عقله مؤقتاً أو أبداً. ومشكلتهم في أن تأويلاتهم تأتي غالباً متخاصمة مع العصر، لا لأن النقل يطلب ذلك، ولكن لأنهم ينفرون من المعاصرة ويخشون منها.

و للعلمانيين حق فيما يعيبونه على  بعض السلفيين الذين يريدون أن يفرضوا فهماً خاصاً أو تصوراً معيناً أو تطبيقاً بعينه مع إنكار تام للواقع بحجة أن "الدين يغير ولا يتغير" أو "لن تصلح هذه الأمة إلا بما صلح به أولها" باعتباره الفهم الوحيد والملزم لصحيح الدين رغم أن النصوص  تحتمل التأويل، ورغم أن مراعاة مقتضى الحال مقصد رئيس من مقاصد الشريعة.

وللسلفيين حق فيما يأخذونه على بعض العلمانيين الذين يقومون بالشيء نفسه فيحاولون أن يفرضوا فهماً خاصاً أو تصوراً معيناً أو تطبيقاً بعينه (مثلاً إلغاء الإعدام أو تغيير المواريث) مع إنكار تام للنصوص الثابتة والتطبيقات الممتدة عبر الزمن. وحجتهم في ذلك تاريخية النصوص، و أن ما يصلح للقرن السابع لا يصلح للقرن العشرين… رغم أن العقل الغربي – بعد استبعاده للتأثير الديني على التشريع والتزامه منطق المصلحة المطلقة –  لم يحسم أمره في هذه المسائل ولا يمكنه أن يحسمه فيها، وإنما ستظل هناك موجات من التشدد والاعتدال في المجتمعات تغلظ العقوبة فترة ثم تعود فتتراخى فترة أخرى.

ويحسم هذا الجدل ويخفف من غلواء الاستنفار أن نتفهم ما يلي:

1-  أنه ثبت بمئات الدلائل على مدار السنين أن صحيح النقل لا يتعارض مع صريح العقل. ولابن تيمية كتاب رائع اسمه "درء تعارض العقل مع النقل" أوصي بأن يكون في بيت كل مسلم. وبالتالي فكل صور التعارض المتوهم بين العقل والنقل هي دليل على تقصير في الاجتهاد والفهم أكثر منها دليل على وقوع التعارض في ذات الأمر.

2-  ليس للعلمانيين أن يعيبوا على السلفيين تمسكهم بالنص الصحيح، فاتهام النقل هنا ينطوي على مغالطة. وإنما المتهم هو الفهم الضيق لمراد النص،  وليس للسلفيين أن يعيبوا على العلمانيين كوارث وفضائح تطبيق القوانين الوضعية، فلا يجب اتهام العقل هنا، وإنما المتهم هو من ألغى عقله وارتكب المخالفة.

3-  ليس كل العلمانيين سواء من جهة علاقتهم بالنقل والتراث، فحسن حنفي مثلاُ علماني ذو توجهات سلفية بخلاف مراد وهبة أو فؤاد زكريا مثلاُ. وكذلك فليس كل الإسلاميين سواء في علاقتهم بالعقل والعصر، فمحمد عمارة مثلاُ إسلامي ذو إلمام جيد بعلوم العصر واحترام جاد لمقتضياته بخلاف الألباني وابن باز. والتقارب بين تيار الوسط – إن صح التعبير-  في العلمانيين والإسلاميين هو الذي من شأنه أن يجسر الهوة، ويتحرك بالأمة خطوات إلى الأمام.

4-  أنه حتى إذا سلمنا بعالم مثالي كل النصوص فيه صحيحة، والعقل فيه منزه عن الخطأ فلا زال الإنسان يحتاج إلى مزيد… لا النقل ولا العقل كافيان للإصلاح بين زوجين متخاصمين، ولا لجعل إٍسرائيل تعيد الحقوق للفلسطينيين، ولا لحث لاعبي المنتخب القومي على بذل جهد أكبر للفوز بالبطولة، ولا لمعالجة مدمن هيرويين… النقل والعقل مهمان، ولكن هناك تقابلاً آخر يكمل المعادلة بين القوة المادية والقوة الروحية.. . بين الولاء للعرف والموروث (وليس كله نقلا) وبين الانبهار بالوافد المثير (وليس كله عقلا)، وفي رأيي أن الصراع بين القيم النبيلة وبين القيم الزائفة هو الذي يمثل المشكلة الحقيقة الأولى بالاهتمام، وعندها يجب أن تتحالف قوة العقل والنقل معاً لصالح تغليب القيم الإنسانية النبيلة من أجل تحقيق مستقبل أفضل للفرد وللجماعة.

………………….

نص المقال

والآن مع مقال الدكتور حسن حنفي   وهو فقرة من كتابه: " الدين والثقافة والسياسة في الوطن العربي".. ……

تظهر في فكرنا العربي المعاصر عدة معارك زائفة وثنائيات مصطنعة مثل السلفية والعلمانية، الدين والدولة، الدين والعلم، الدين والفلسفة، الأصالة والمعاصرة، القديم والجديد، الإيمان والإلحاد، الدين والعقل، الله والطبيعة، الله والإنسان، النفس والبدن، الآخرة والدنيا، الرجل والمرأة.. الخ. وتوحي هذه الثنائيات بتناقض أطرافها واستحالة الجمع بينهما لأنهما على طرفي نقيض بمنطق "إما… أو".

وتنقسم الأمة إلى فريقين متصارعين كل فريق في صف طرف ضد الفريق الآخر الذي في الطرف الثاني. وتنقسم الثقافة الوطنية إلى قسمين متصارعين، يدمر أحدهما الآخر ويقضي عليه. فينتهي الإبداع، ويعم النقل. ويتوقف الحوار، ويسود التعصب.
والحقيقة أن هذه المعارك الزائفة قد نشأت في الغرب وتجربته في الحداثة. فبعد أن اكتشف الغرب في مطلع عصوره الحديثة منذ الإصلاح الديني وعصر النهضة استحالة الجمع بين الكنيسة والدولة، بين الدين والعقل، بين الإيمان والعلم، بين أرسطو والطبيعة آثر استبعاد القديم واستبقاء الجديد، وترك الكنيسة والدين والإيمان وأرسطو وبطليموس، والاعتماد على العقل والعلم والطبيعة وقدرة الإنسان على الفهم والنقد والتحليل. فنشأ في الوعي الأوروبي هذا الصراع بين القديم والجديد، وتربى على هذه الثنائيات المتعارضة.

ومنذ ريادة أوربا في عصورها الحديثة، وتحولها إلى مركز للعالم، وانتشار ثقافتها منذ القرن الماضي خارج حدودها مصاحبة للمد الاستعماري في أفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية، انتشرت هذه الثنائيات خارج حدودها، وعمت الثقافات الوطنية في الأطراف، ومنها الوطن العربي. فنشأ لدينا ومنذ فجر النهضة العربية في القرن الماضي هذا الرافد الجديد في الثقافة العربية. وبدأ التقابل بين الموروث والوافد في الظهور على نفس النمط الغربي خاصة في التيار العلمي العلماني عند شبلي شميل، وفرح انطون، وسلامة موسى، وإسماعيل مظهر، وزكي نجيب محمود، وفؤاد زكريا. وكلما زاد العداء للموروث انتشر النمط الغربي الذائع خارج الحدود.

وقد حدث هذا الفصام في الثقافة الوطنية في لحظة تاريخية توقف فيها الإبداع، وعم فيها التقليد والاتباع. فلا فرق بين النقل من القدماء لملأ الفراغ أو النقل من المحدثين. فضل البعض النقل عن القدماء لعجزهم عن الإبداع وتوقفهم عن الاجتهاد. فتراكم القديم فوق واقع لا يتلائم معه، ويتطلب حلولا أخرى غير التي صاغها القدماء. فدفع ذلك البعض الآخر إلى أن يولي وجهه شطر الحلول الجاهزة الوافدة من الغرب، فتراكمت بعضها فوق البعض. وأصبح الواقع يئن تحت الموروث والوافد. وكلاهما نقل.

فاذا انتفض الواقع باسم الحاضر تهاوى الموروث والوافد معا كما حدث إبان الثورات العربية الأخيرة التي بدأت من الواقع الوطني من أجل التحرر من الاستعمار الخارجي والقهر الداخلي والقضاء على الفقر والتخلف والتجزئة والتبعية دفاعا عن استقلال الإرادة الوطنية.

الصراع بين السلفية والعلمانية ليس فقط صراعا بين مصدرين للمعرفة، الموروث والوافد، بل هو أيضا صراع على السلطة، كل منهما يشعر بأنه الوريث الطبيعي للدولة الرخوة. الكل يريد الحكم، الدولة الوطنية أو ما تبقى منها: أنصار السلفية اعتمادا على الشرعية الموروثة، وأنصار العلمانية استدعاء لشرعية الحداثة والعصر. فلا حل إلا بالسلطة، والسلطة هي الحل، وإن الله يزع بالسلطان مالا يزع بالقرآن.

والحقيقة أن لكل من السلفية والعلمانية جانبين: إيجابي وسلبي. ويختلط المعنيان في الثقافة العربية على التبادل. فالهجوم على السلفية نظرا لمعناها السلبي، والدفاع عنها لمعناها الإيجابي. والهجوم على العلمانية نظرا لمعناها السلبي، والدفاع عنها لمعناها الإيجابي.

فالسلفية إيجابا تعنى الأصالة ضد التغريب، وأولوية الأنا على الآخر، والدفاع عن النفس ضد المخاطر التي تهددها. كما تعني أن القديم ما زال حيا في النفوس، وأن الموروث هو المكوّن الرئيسي في الثقافة الوطنية، وأن التواصل مع القديم خير من الانقطاع عنه بل إنه من المستحيل الانقطاع عنه نظرا لطابع المجتمعات التقليدية، كما أن السلفية رد فعل مشروع ضد التغريب والتبعية الثقافية للغرب، وناقوس الخطر على خطورة النقل، سواء من المحدثين أو من القدماء.
والسلفية سلبا تعني الموروث الديني الفقهي الذي ضم العلوم الدينية أساسا بينما الواقع ينادي على علوم الدنيا ويتطلبها. تعني العقائد والشعائر والواقع يتطلب الإيديولوجيات والمذاهب السياسية والأعمال الوطنية وبرامج التنمية الاجتماعية. كما تعني المحافظة والتقليد كما بدت لدى الأشاعرة قديما وإعطاء الأولوية للإرادة الإلهية على الإرادة الإنسانية وقوانين الطبيعة، وجعل النقل أساس العقل، وحصر الإمامة في قريش، وتأجيل العمل على الإيمان.

والعلمانية إيجابا تعني العلم وتطبيقاته في التقنية، والبداية بالطبيعة والعالم والكون لمعرفة قوانينه وسبر أغواره اعتمادا على العقل الإنساني وقدراته المعرفية الخالصة والحواس والتجارب، والتصديق والمراجعة والمقاييس الكمية الدقيقة. كما تعني حقوق الإنسان في الحرية، حرية الإيمان والتفكير والتعبير والانتقال، واختياره النظام السياسي بناء على عقد اجتماعي وليس حكما إلهيا.

وتعني العلمانية سلبا التبعية للغرب، وتبني نمطه للتحديث، والمساهمة في ازدياد التغريب، والعداء للموروث، والدعوة إلى الانقطاع عنه.

والحقيقة أن هذه المشكلة الزائفة قد أضرت بالثقافة الوطنية وبالوحدة الوطنية، وبسببها تصادمت شرعيتان، شرعية الماضي وشرعية الحاضر، شرعية الدين وشرعية الثورة. والفكر الابداعي الوطني يوحّد بين الشرعيتين اللذين يكوّنان أساس الوجود العربي.

وقد توحدت هاتان الشرعيتان في القرآن الكريم في الجمع بين الدين والدنيا، بين مقتضيات النفس وضرورات البدن، بين حقوق الله وحقوق الإنسان. وقد ظهر هذا التوحيد في مقاصد الشريعة كما عرضها علم أصول الفقه، وهي المصالح العامة التي تقوم عليها الشريعة. فالشريعة الإسٍلامية شريعة وضعية تقوم على رعاية المصالح العامة، وتتأسس في واقع الناس وحياتهم. ومقاصد الشريعة الخمس هي الدفاع عن الحياة (النفس)، والعقل، والدين (الحقيقة)، والعرض (الكرامة)، والمال (الثروة). وعلى هذه المقاصد والدفاع عنها لا فرق بين السلفية والعلمانية.

والإمامة عقد وبيعة واختيار وليست حكما إلهيا أو اختيارا ربانيا. فالإمام يمثل الأمة ولا يمثل الله. وعلى هذا الأساس لا فرق بين السلفية والعلمانية.

ويقوم الإسلام على التعددية، والاجتهاد، فللمخطىء أجر وللمصيب أجران، وعلى التعبير الحر، فالكل راد والكل مردود عليه، والحق النظري متعدد وإن كان الحق العملي واحدا. فأي خلاف بين السلفية والعلمانية على قيم التعددية، وحرية الرأي، والديموقراطية، والحداثة، والعصرية، والاجتهاد، والعقل، والعلم، وحقوق الانسان والشعوب؟ هل من المستحيل تكوين جبهة وطنية واحدة يلتقي فيها السلفيون والعلمانيون، والاتفاق على برنامج عمل وطني موحد، يحقق مطالب الأمة، ويحرص على وحدتها الوطنية؟ هل من الصعب تطهير الثقافة العربية من المشكلات الزائفة والتوجه إلى مواطن الإبداع الثقافي العربي؟
———————————-

 

 

 

Advertisements