محمد الفاتح هو السلطان السابع من سلاطين آل عثمان، ولد عام 833 هـ – 1432 م، وأبوه هو السلطان مراد الثاني، وكانت أمه تدين بالنصرانية (ترهبنت ودخلت الدير بعد وفاة والده). وتولى الخلافة وهو في الثانية والعشرين من عمره.  حكم حوالي ثلاثين سنة، وتوفي مسموماً وهو في بداية الخمسينات من عمره.

أَضاف السلطان محمد الفاتح إلى شخصيته القوية واهتمامه بتحقيق العدل بين أفراد الرعية حصيلة علمية وفيرة في التاريخ واللغات والمعارف الحديثة، كما أنه عرف بالزهد والتواضع، ومحاربة كل مظاهر الترف والبذخ في أسرته والمحيطين به.

كان نجاحه في فتح القسطنطينية بعد عامين فقط من توليه السلطة (29 مايو 1452) أحد الأعاجيب العسكرية والإدارية. وقد سبق فتحها معارك على أكثر من جبهة في أوروبا الشرقية في الصرب وبلجراد والمجر وألبانيا وصقلية وبلغاريا والبوسنة.

 وقصة الفتح نفسها وإصراره على إتمامها رغم العقبات المتتالية والخسائر المتوالية دليل على إيمان عجيب وبصيرة ثاقبة. ولم يكن من أُثر هذا الفتح إنهاء الحكم البيزنطي الذي استمر لما يقرب من 1000 عام فقط، وإنما بداية النهضة لأوروبا الغربية التي سعت لجمع شملها لتواجه التقدم الإسلامي بشكل جديد وأدوات جديدة، لذلك اعتبر هذا الحدث نهاية العصور الوسطى. 

كان السلطان محباً للعلم والعلماء، وحرص على نشر المدارس والمعاهد في كافة المدن والقرى وأوقف عليها الأوقاف العظيمة وجعلها مجانية للجميع، واهتم بنفسها بمراجعة المناهج التعليمية، وتنظيم المراحل ومستوى الامتحانات، وإنشاء المكتبات، وتوفير المدارس الداخلية مع مرتبات شهرية للطلبة، ورغم مشاغله الجسيمة كان يحضر الامتحانات ويجلس مجلس التلميذ في بعض الدروس، ويجزل العطايا والمكافآت للنابغين والمتفوقين. واهتم بعلوم الهندسة والطب قدر اهتمامه بعلوم اللغة والفقه والترجمة.

كما أبدى متابعة جادة للأدب والأدباء، وكان في بلاطه ثلاثون شاعراً يتقاضى كل منهم مرتباً شهرياً واتخذ بعضهم وزراء وأوفدهم في بعض المهام الخاصة، كما أنشأ حركة ترجمة نشطة بين اللغات العربية واليونانية والتركية والفارسية، ويقال إنه كان يتقنها جميعاً.  وأنشأ في قصره خزانة خاصة احتوت على غرائب الكتب والعلوم، وصل عددها إلى 12 ألف مجلد حين احترقت.

كما كان مولعاً بالفنون المعمارية، والعمران المدني. وشهد عصره بناء عشرات المساجد والمعاهد والقصور والمستشفيات (المجانية) والخانات والحمامات والأسواق الكبيرة والحدائق العامة، وأدخل المياه إلى المدينة بواسطة قناطر خاصة. وطالب ولاة الأقاليم ورؤساء المدن بمراعاة نظافة وجمال المدن التي يديرونها. واهتم بعاصمة الخلافة (إسلام بول) (المدينة المليئة بالإسلام)، وقد غير أتاتورك هذا الاسم إلى استانبول.  وجعل هدفه أن تكون أجمل عواصم الدنيا وحاضرة العلوم والفنون في الشرق والغرب. وجعل الخدمات العامة كالتعليم والصحة والتنزه مجانية تماماً للمقيمين في المدينة وزوارها دون تفرقة بين جنسية أو دين.

وأولى اهتماماً كبيراً بالتجارة والصناعة، حتى أصبح الأتراك العثمانيون كبار رجال المال والأعمال في العالم كله، وكانت لهم إسهامات هائلة في تطوير الطرق البرية والبحرية القديمة، كما اهتموا بتطوير الموانيء، وخطت الدولة خطوات واسعة في إنشاء وتطوير مصانع الأسلحة والذخيرة، فضلاً عن الملابس والسروج والدروع.

لم يكن تفوق الجيش العثماني الكاسح بسبب عدد جنوده وإنما بسبب التدريب والتنظيم والمعدات، وقبلها الروح القتالية العالية والانضباط الشديد. ويعتبر محمد الفاتح هو مؤسس الأسطول البحري العثماني، وكانت توجيهاته بوجوب التفوق البري والبحري واضحة، وكان حاسماً في معاملة المترهلين والفاسدين من قادة الجيش والجنود. كما أولى عناية فائقة بما يسمى بالأشغال العسكرية و الخدمات المساندة و الإمداد والتموين، فكان هناك متخصصون في حفر الأنفاق تحت القلاع، وآخرون مختصون بالألغام، وآخرون لشئون السقاية والطعام. كما واصلت الكليات العسكرية العثمانية إمداد الجيش بالمتخصصين في كافة المجالات العسكرية والطبية والهندسية والمساحية.

وابتكر السلطان وسيلة جديدة للمراقبة والحسبة، حين منح بعض رجال الدين النصارى تفويضاً بالتجول بين الناس وبحرية مطلقة في النقد والتسجيل ليتابعوا كيف تدار الأمور، وكيف تصدر الأحكام في المحاكم، وآراء الناس في الحكام والولاة. كما كان السلطان يتوقف في بعض البلدان وينصب خيمته ويدعو الناس للدخول إليه للنظر في شكاياتهم ومظالمهم بنفسه ويتخذ الإجراءات الحاسمة والفورية. كما أنشأ جهازاً للتفتيش القضائي من شأنه أن يراقب القضاة ليس فقط في دراستهم العلمية وإنما في التزامهم النزاهة و الاستقامة في سلوكهم اليومي وأحكامهم. كما اعتنى برفع مرتباتهم ليسد الطريق أمام الرشوة والتربح، كما أحاط منصبهم بما يليق به من جلالة وقداسة. وفي مقابل ذلك كان قاسياً في إيقاع عقوبة الإعدام بالمرتشين والفاسدين منهم.

على أن أهم أعمال السلطان – في رأيي- هو إصداره "قانون نامه" (توجد نسخة عربية منه بترجمة الأستاذ أحمد فؤاد متولي)، أو ما يمكن اعتباره القانون أو النظام العام للحكم. وقد صدر في ثلاثة أبواب وشكلت لجنة من العلماء والخبراء لمراجعته والتأكد من مطابقته التامة لأحكام الشريعة الإسلامية. وجاء في بابه الأول ما ينص صراحة على أن نظام الحكم هو نظام إسلامي وأن هدف الدولة هو تأكيد تفوق العنصر الإسلامي يغض النظر عن أصله وجنسه. وشمل "قانون نامه" فصولاً متعددة عن حقوق الحكام وعلاقتهم بالمحكومين والعقوبات والغرامات وعلاقة السكان المسلمين بغيرهم، والعلاقات الخارجية للدولة مع الدول المجاورة، وقوانين الجهاد وتنظيم الجيش، والحقوق المالية والسياسية للأفراد ، والضرائب والأعمال الإدارية للدولة,, الخ.

وقد تطور هذا الدستور في عهود الخلفاء اللاحقين، وبلغ شأواً كبيراً في عهد السلطان سليمان القانوني (حكم 48 عاماً). والمعروف أن السلطان سليمان حاز لقب القانوني ليس وضعه القوانين، وإنما لتطبيقه هذه القوانين بعدالة، ولهذا لم يعط العثمانيون للألقاب التي أطلقها الأوروبيون على سليمان في عصره مثل: الكبير، والعظيم أهمية كبرى، وإنما فضلوا استخدام لقب "القانوني"، باعتبار أن تطبيق العدالة وأرقى نظم الإدارة هو الأهم من الانتصارات العسكرية أو الامتداد العمراني.

ومع مرور الوقت وتطور الأحداث تغيرت المواد الأساسية في القوانين وبدأ الاعتماد على القوانين الفرسنية والإيطالية حتى قبل سقوط الدولة العثمانية. فصدر القانون الجنائي عام 1851، والقانون التجاري عام 1850، وقانون أصول المحاكمات التجارية عام 1864 وقانون الإجراءات العام عام 1880. وتعتبر هذه القوانين هي المرجع الأكبر للقوانين التي صدرت بعد ذلك في الدول العربية بعد سقوط دولة الخلافة. ومن المؤسف أن العديد من هذه القوانين (وفي ظل حكم الدولة العثمانية) كان بعيداً عن تطبيق أحكام الشريعة الإسلامية، فأجاز قانون المحاكمات الحقوقية الفوائد الربوية، كما أجازه قانون المرابحة الصادر عام 1887.

ويقال إن السلطان محمد الفاتح توفي مسموماً (1481م) حين أغرى أهل البندقية طبيبه يعقوب (إيطالي المولد وتظاهر بالإسلام حتى تقرب للسلطان) بزيادة جرعة السم في طعام السلطان بعد أن توجه بجيوشه إلى إيطاليا تمهيداً لفتح روما. وقد كانت حادثة وفاة السلطان العثماني هي أسعد الأخبار على الشعوب الأوروبية حتى أن كنائس روما ظلت تدق لمدة ثلاثة أيام متوالية ابتهاجاً برحيله.

وهذا هو نص وصيته لابنه بايزيد قبل رحيله، والتي يمكن اعتبارها تلخيصاً للملامح الأساسية للدولة الإسلامية من وجهة نظر محمد الفاتح، الذي لم يترك تراثاً فكرياً ذا شأن ولكنه ترك جملة من أعمال الإصلاح والنهضة لا يقدر عليها إلا أولو العزم من الملوك والسلاطين :

ها أنذا أموت، ولكني غير آسف، لأني تارك خلفاً مثلك!

كن عادلاً صالحاً رحيماً،

وابسط على الرعية حمايتك بدون تمييز،

واعمل على نشر الدين الإسلامي،

فإنّ هذا هو واجبُ الملوك على الأرض.

قدّم الاهتمام بأمر الدين على كل شيء ولا تفتر في المواظبة عليه،

ولا تستخدم الأشخاص الذين لا يهتمون بأمر الدين، ولا يجتنبون الكبائر، وينغمسون في الفحش،

وجانب البدع المفسدة، وباعد الذين يحرّضونك عليها.

وسّع رقعة البلاد بالجهاد، واحرس أموال بيت المال من أن تتبدّد.

إياك أن تمدّ يدك إلى مال أحد من رعيتك إلاّ بحق الإسلام،

واضمن للمعوزين قوتهم،

وابذل إكرامك للمستحقين.

وبما أن العلماء هم بمثابة القوة المبثوثة في جسم الدولة، فعظّم جانبهم وشجعهم،

وإذا سمعت بأحد منهم في بلد آخر فاستقدمه إليك، وأكرمه بالمال.

حذار حذار لا يغرنك المال ولا الجند،

وإياك أن تبعد أهل الشريعة عن بابك،

وإياك أن تميل إلى أي عمل يخالف أحكام الشريعة،

فإن الدين غايتنا، والهداية منهجنا، وبذلك انتصرنا.

خد مني هذه العبرة:

حضرتُ هذه البلاد كنملة صغيرة، فأعطاني الله تعالى هذه النعم الجليلة،

فالزم مسلكي، واحذ حذوي،

واعمل على تعزيز هذا الدين وتوقير أهله،

ولا تصرف أموال الدولة في ترف أو لهو،

فإن ذلك من أعظم أسباب الهلاك".

……………….

………..

…..

 

Advertisements