العنوان هو اسم لمسرحية كتبها الكاتب السوري الكبير سعد الله ونوس (1941- 1997)، وقد كتب المسرحية في أواخر السبعينات ولم يلتفت الناس لها، حتى تم عرضها في مسرح السلام بالقاهرة عام 1988 ، وقام ببطولتها الفنان القدير صلاح السعدني، وحسين الشربيني وفايزة كمال والمطرب الكبير محمد منير، وأعيد عرضها عام 2006 بمعظم الأبطال (باستثناء المرحوم حسين الشربيني  الذي قام بدوره أحمد فؤاد سليم).

وقد كان لي حظ حضورها في عرضها الأول، كما حضرها معي أبي الشيخ رحمه الله تعالى (متخفياً و بدون ردائه الأزهري)، وقد فعل ذلك معي في عدة مرات على هذا المسرح العريق في مسرحيات الوزير العاشق لفاروق جويدة، والعسل عسل والبصل بصل للمخرج سمير العصفوري، وكذلك في حفل رثاء الشاعر فؤاد حداد.

تقوم فكرة المسرحية – ويبدو أنها مستوحاة من إحدى قصص ألف ليلة وليلة – على تجربة مثيرة قام بها الملك (حسين الشربيني) الذي شعر بالملل والضجر في يوم من الأيام، فقرر أن يتنازل عن الحكم لمدة ليلة واحدة، ويرى فيها كيف يتصرف الملك الجديد البديل ويلهو به وبغفلته، و ليتفرج على مشاهد ظن أنها ستكون مليئة بالمتعة والسخرية وهو يرى كيف يتعامل مع الناس ويتعامل الناس معه، ثم أخذ يتصور كيف سيكون رد فعل الشعب وهو يعلن لهم ما حدث ليعرفوا فضله وحكمته وقدرته.

واختار الملك أحد العوام وهو "أبو عزة" (صلاح السعدني) لتنفيذ الملهاة، وهو رجل كان تاجراً ثرياً ثم تبدل به الحال بعد أن غدر به شهبندر التجار وتواطأ مع القاضي في الاستيلاء على ثروته، وأصبح أقرب إلى الدرويش أو السكير الغارق في أوهامه والمنفصل تماماً عن واقعه، كما أنه يعاني مشاكل لا تنتهي مع زوجته القاسية والجادة "أم عزة" (ماجدة منير) التي تتهمه دائماً بالفشل والخمول، وابنته الشابة "عزة" (فايزة كمال) التي رغم تعاطفها مع والدها تشعر بالنقص أمام زميلاتها وتعجز عن إتمام الزواج مع خطيبها (محمد منير).

غير أن الأمور لم تسر كما خطط لها الملك. فما أن نام أبو عزة على سرير الملك، وما أن ارتدى رداءه حتى تغير كل شيء. عامله الخدم والحاشية باعتباره الملك الحقيقي، وعاملوا الملك الأصلي باعتباره الرجل المجنون. وساعد على ذلك أن  الوزير وشهبندر التجار استغلا الحدث، وساعدا أبو عزة على تثبيت نفسه كملك أصيل وليس بديلاً، بل إن زوجة الملك الأصلي تنكرت له واعترفت بصاحب رداء الملك ملكاً، وقالت إنها تستطيع تمييزه من بين المئات، وهكذا تم طرد الملك الأصلي، وتولى قيادة البلد الملك البديل، ولم يشعر أحد م الشعب بأي فرق … فالملك هو الملك.. والمسألة لا صلة لها بأصله وخبرته وقدراته الشخصية، بل بالرداء الذي يلبسه والدور الذي يجيده. أما الملك الأصلي فينتهي به الحال بعد أن طرده وطارده الجميع إلى الجنون ليصبح في النهاية كأبي عزة. كما أن الملك الجديد "أبو عزة" عاش في دور الملك الحقيقي حتى عندما جاءته زوجته وابنته لم يعرفهما، وأنكرهما وطالب بالتخلص من هؤلاء المتطفلين العوام.‏

في المسرحية العديد من المشاهد المؤثرة، لازلت أذكرها رغم مرور أكثر من عشرين عاماً، مثل حوار الملك أبو عزة مع بلطة السياف واحتضانها بشغف وهو يقول: "لا شيء يطهر الملوك مثل الدم.. سأغتسل بالدم سأستحم فيه"..  ومثل حوار الملك أبو عزة مع الملكة الحقيقية وتغزلها فيه، وحواره مع زوجته أم عزة وتنكره لها ونسيانه لشكلها، ومثل أغني محمد منير التي كتبها أحمد فؤاد نجم.

قبل عشرين عاماً كانت الرسالة الأساسية التي فهمتها من المسرحية هي: الملك هو الملك يعني: لا يهم شخص الملك، ولا خلفيته ولا خبرته ولا حتى حالته العقلية. وبالتالي فإن الاهتمام بمن يحكمنا يجب أن يأتي في مرحلة متأخرة من أولوياتنا، وأن اهتمامنا الأكبر يجب أن ينصب على احتياجاتنا الخاصة وطموحاتنا الشخصية فهذا هو المهم.

الآن أنظر لفحوى المسرحية بشكل مختلف.. المسرحية تقول: إذا ظلت هناك فجوة قائمة بين الحاكم والرعية، إذا ظل المواطن غائباً عن بؤرة اهتمام الحاكم، إذا ظلت قيم الحرية والعدالة وكرامة الإنسان مسلوبة.. فنعم الملك هو الملك… لا شخص الملك يهم، ولا رأي الشعب يهم.

أما في الدول التي تنجح شعوبها في تبني هذه القيم، ودفع الحاكم إلى مراعاتها والاحتكام إليها، الشعوب التي تحارب للقضاء على الظلم والاستبداد والفساد، الشعوب التي تريد نهضة وتنمية وحياة كريمة… فإن شخص الحاكم مهم، ودور الحاكم مهم، وحق الشعب في اختيار الحاكم مهم.

أعترف الآن في مايو 2009: الملك هو الملك..

وأود قبل نهاية العام أن يكون:

الملك هو الشعب.

 

Advertisements