باراك بن أوباما عندنا… يا مرحباً يا مرحباً.

شغلنا أنفسنا في الأسبوعين الماضيين بما سوف يقوله أوباما في رسالته للعالم الإسلامي والتي سوف يوجهها من جامعة القاهرة اليوم 4 يونيو 2009.. وكلها توقعات لا تستند على أية معلومات مؤكدة.. حتى أن السيدة داليا مجاهد مستشارة الرئيس للشئون الإسلامية لا تعرف على وجه التحديد مضمون الخطاب، بل وستحضره ليس باعتبارها من الوفد المرافق للرئيس وإنما باعتبارها مدعوة من قبل وزارة الإعلام المصرية حسب ما صرحت للتليفزيون المصري.

وبينما يؤكد البعض أن أوباما سيطرح تصوراً جديداً ومتكاملاً لحل المشكلة الفلسطينية (بالمناسبة اسمها في أمريكا "امن إسرائيل") باعتبارها مفتاح الخطاب للعالم الإسلامي، يؤكد آخرون مثل الدكتور عبد المنعم سعيد أن القضية الفلسطينية سيرد ذكرها عابراً.. وأن معظم الحديث سيكون حول تحسين العلاقات والقيم الإنسانية المشتركة وتخفيف الأجواء المحتقنة والتعاون لمواجهة الأزمة الاقتصادية.

وأرى أن الأهم من التنبؤ بما سوف يقوله لنا أوباما.. هو التركيز فيما نود أن نبلغه إياه، وما نحب أن يعرفه عنا، وما نرغب أن يخرج به بانطباع عن اهتماماتنا وتطلعاتنا..

ويجب أن نحرر عقولنا من التصورات النمطية عن أوباما. فلا هو "المخلص" والمهدي المنتظر، ولا هو المتهم الذي قدم إلينا حاملاً كفنه ليقدم لنا الاعتذار ليغلق ملف الثأر. ويبقى مهماً أن نتذكر دائماً – لنضبط سقف توقعاتنا-  أن أوباما لا هو عربي ولا هو مسلم. وإنما هو أمريكي ويعبر عن المصالح الأمريكية ويبحث عنها، وليس في هذا ما يعيبه ولا ما نلومه عليه.

نحن لا نعرف هل خطاب أوباما للحكام المسلمين أم للشعوب الإسلامية؟ وفي كلا التوجهين مشكلة. فإذا كان الخطاب للحكام المسلمين – المتهمين من شعوبهم بالتراخي أو التواطؤ- فسيخسر الشعوب العربية. وإذا كان للشعوب الإسلامية، فهو يقدم خطاباً في مواجهة خطاب بن لادن والظواهري. وسيكون شاقاً على المسلمين أن يفاضلوا بينهما خاصة أن أمريكا لم تقدم على الأرض أية إشارات تدل على الثقة بها لا في فلسطين ولا في العراق ولا في أفغانسان ولا في جوانتانمو.

نريد أن نقول لأوباما:

نعرف أنك ظاهرة فريدة في السياسة الأمريكية والعالمية. وكنت من أوائل من كتبت عن "ألأوبامية"، واشتريت كتابك “Audacity of hope”   (جرأة الأمل) لأعرفك أكثر، ولكن لم أتمكن من قراءته كله فهو صعب ولغته راقية، وهو يخاطب الأمريكان تماماً… ولكني معجب بك ومتفائل من وجودك على رأس الإدارة الأمريكية. لا أتوقع أن تتصرف لصالحي دائماً، ولكن أرجو أن تبذل الجهد الكافي لتفهمني.

إذا كنت تبدي تسامحاً ورغبة في الحوار وما يشبه الاعتذار عما جرى من سلفك في العراق … فإنك وباليد الأخرى تحرق أفغانستان وباكستان… وشأن هذه السياسة أن يقسم العالم الإسلامي إلى عالمين: عالم إسلامي عربي مع وعود أمريكا… وعالم إسلامي غير عربي ضد سلوكها.. وربما يكون اختيار القاهرة (العربية) محلاً للخطاب هو لتدشين هذه الخطة الخبيثة.. أرجو أن أكون مخطئاً.

الاعتذار عما تم في العراق وفلسطين ليس مجانياً. أمريكا ليست دولة صغيرة تخطيء فنسامحها. ولكنها الدولة الأكبر الآن، وخطأ الكبار خطيئة، وخطيئة الكبار كارثة. وعليك يا سيد أوباما  أن تدرك أن ما أصابنا يحتاج وقتاً كبيراً لإصلاحه. المسلمون في أمريكا عادوا منها إلى بلادهم الأصلية، ولم نعد نرسل أبناءنا للتعليم في أمريكا، ولا نذهب هناك للسياحة، ولا عادت الشركات الأمريكية هي المفضلة في عقود الاستشارات الكبرى والتفط والاتصالات.. وأنا أعلم أن هذا ما جاء بك.. لا بأس لنتحاور ولكن من موقع الأنداد، لا موقع السادة والعبيد.

إننا نريد أن نفهم ما هو تصورك للصداقة والمصالحة والتعاون معنا وبلادك تحتل بلدين من بلادنا (العراق وأفغانستان) – مهما كانت المسميات-، وتهدد بضرب ثالثة (إيران)، وتدعم القوات الباكستانية الحكومية في حرب خلفت 3 مليون مشرد دون نتائج على الأرض؟ إذا كنت ترفض مصطلح بوش "الحرب على الإرهاب" التي سمح لنفسه من خلاله أن يطلق الجنود الأمريكان في شرق العالم الإسلامي وغربه، فما هذا الذي يحدث في بلادنا؟ وما هو تصورك عن الحوار ولا زالت رشاشات جنودك مصوبة نحو رؤوس أطفالنا كابل وسوات والموصل؟!

ورغم أن خطابك للعالم الإسلامي فقد فضلت الحديث من جامعة القاهرة على جامعة الأزهر.. حسناً هذا اختيارك. وكلها جامعات عريقة. ولكن إذا كنت تريد أن تتطرق للحديث عن جماعات الإسلام السياسي والحركي، وظننت أن خطابك من الأزهر سيدعم موقف المتطرفين من الإسلاميين فقد أخطأ مستشاروك توجيهك، فالأزهر هو الرمز الحقيقي للوسطية والانفتاح على الآخر. ولن تستقر المنطقة حتى يشعر المسلمون أن دينهم يقود حياتهم، ويفهم الغرب أن هذا الدين هو الوعاء الأكبر للسلام والمصالحة.  وجناية المستشارين على القادة – حين ينصحونهم بتجفيف المنابع- تحتاج كتباً لكشف الفضائح والكوارث الناجمة عنها.

لن يسمعك أحد إذا ظلت القضية الفلسطينية تراوح مكانها، وظل العنت الإسرائيلي هو اللغة المسموعة، وظلت الحقوق العربية غائبة. هناك عشرات الحيل تم استخدامها في الماضي لطمس القضية، وكلها فشلت. وسئم الناس كلمات: التسوية، خارطة الطريق، قضايا الحل النهائي، المفاوضات، الأرض مقابل السلام، تبديل الأراضي، المستوطنات، تهويد القدس، إلخ.. والموضوع واضح، ولكن يحتاج إلى شجاعة المواجهة.. هناك أراض محتلة، وشعب مطرود من أرضه. نريد للشعب أن يعود إلى الأرض وينشيء دولته. إذا كنت تقدر أن تساعد فأهلاً، وإذا كان نهاية أملك حقنة أمل جديدة والركض خلف شعار جديد، فمن الآن: تفضل قهوتك وارحل.

لا أعتب عليك حديثك الإيجابي عن الرئيس مبارك، فأنت في ضيافته، ثم إنك لم تمدحه بما ليس فيه، فأنت لم تزد عن أن قلت إن وجوده وثقله من عوامل الاستقرار في الشرق الأوسط، وهذا صحيح. ولم تقل إنه ديموقراطي أو خلاق. ونحب بهذه المناسبة أن نقول لك إننا سئمنا الاستقرار، ومشكلات الشرق الأوسط لن يحلها الاستقرار وإنما الجسارة والجرأة في مواجهة التحديات والأفكار الجديدة. لا نريد منك أن تضغط ولا نحب منك ذلك.. كل ما نريده أن تعرف أننا نريد في بلادنا مثل الذي جاء بك رئيساً في بلادك. كما أن نريد أن تعرف أننا نفضل أن نصل إلى ذلك وحدنا.

نعلم أن مشاكل مصر الاقتصادية والاجتماعية والسياسية لا تعنيك في شيء، ونريد أن نقول لك أيضاً إن مشاكل أمريكا الاقتصادية والاجتماعية والسياسية لا تعنينا في شيء أيضاً. ونحن لم ولن نتوجه لك بالشكوى من حكومتنا… ولكن فقط ننبه أن المصالح الأمريكية يمكن أن تتحقق دون أن تتفق مع حكومتنا علينا. وأن أمريكا التي تحبها وجئت من أجلها لا يمكن أن تربح إذا استمرت في تجاهل مشاعرنا ورغباتنا وحقوقنا.

لم أفهم، ولا يحب أحد أن يفهم أن اختيار مصر هو تقدير للحكومة المصرية، ومكافأة للنظام السياسي المصري. فهذا وحده يغلق آذاننا عن سماع كلماتك. ولكن نفهم أن اختيارها هو تقدير لتاريخها ومكانتها وحضارتها وشعبها. 

وأخيراً أيها الرئيس المبجل.. فأهلاً بك.. وأهلاً بخطابك، واستمتع بجولتك السياحية، ولكننا لا نزال نذكر رسالتك إلينا التي كتبها لك شاعرنا أحمد مطر، ووجهتها إلينا حين ظفرت بالمنصب الرفيع، ونعلم أنك لا تهتم بنا  إلا بقدر حاجتك إلينا… نذكر أنك قلت، وفهمنا:

وَأنا رَجْلٌ عِندي شُغْلٌ … أكثَرُ مِن وَقتِ بَطالَتكُمْ ……أطوَلُ مِن حُكْمِ جَلالَتِكُمْ
فَدَعوني أُنذركُمْ بَدءًا … كَي أحظى بالعُذْر ختاما:
لَستُ بِخادمِ مَن خَلَّفَكُمْ …  لأُسِاطَ قُعودًا وَقياما.
لَستُ أخاكُمْ حَتّى أُهْجى … إن أنَا لَمْ أصِلِ الأرحاما.
لَستُ أباكُمْ حَتّى أُرجى … لأكِونَ عَلَيْكُمْ قَوّاما.
وَعُروبَتُكُمْ لَمْ تَختَرْني …. وَأنا ما اختَرتُ الإسلاما!
فَدَعوا غَيري يَتَبَنّاكُمْ …. أو ظَلُّوا أبَداً أيتاما!
أنَا أُمثولَةُ شَعْبٍ يأبى … أن يَحكُمَهُ أحَدّ غَصبْا.. ونِظامٍ يَحتَرِمُ الشَّعبا.
وَأنا لَهُما لا غَيرِهِما …. سأُقَطِّرُ قَلبي أنغاما
حَتّى لَو نَزَلَتْ أنغامي   … فَوقَ مَسامِعِكُمْ.. ألغاما!
فامتَثِلوا.. نُظُمًا وَشُعوبًا   وَاتَّخِذوا مَثَلي إلهاما.
أمّا إن شِئتُمْ أن تَبقوا في هذي الدُّنيا أنعاما  تَتَسوَّلُ أمْنًا وَطَعاما
فَأُصارِحُكُمْ.. أنّي رَجُلٌ في كُلِّ مَحَطّاتِ حَياتي
لَمْ أُدخِلْ ضِمْنَ حِساباتي
أن أرعى، يوماً، أغناما..  

……..

رسالتك وصلت..

شكراً.

Advertisements