في مقابل فكر القمني الذي التزم فيه المنهج العلمي، والبحث التاريخي المجرد –حسب ادعائه- وانتهى به إلى رواية تاريخ غير الذي نعرفه ملخصه أن الإسلام الذي هو رسالة الله للعالمين، لم يكن أكثر من صراع قبلي بين بطنين من بطون قريش ، وأن القرآن الذي نتعبد الله بتلاوته يرتبط بوشائج وثيقة بأشعار أمية بن أبي الصلت الذي كان على الحنفية قبل البعثة…

أقدم لكم نموذجاً حقيقياً للتفكير الرائق النبيل المنطقي، لا تعسف فيه ولا ابتذال، ولا مبالغة ولا لي للحقائق، ولا بحث عن الشبهات، ولا ادعاء للعلم في مواطن الجهل، ولا نقل غبي وسرقة مكشوفة من إٍسهامات الآخرين، ولا غمز ولا لمز ولا تشكيك.

وأًصل هذه المقالة إدراج نشرته على مدونتي في أكتوبر عام 2006، كما نشرته في جريدة الدستور المصرية، أيام كان لديها صفحة دينية، وفوجئت بحمد الله وفضله أن المقالة منشورة بنصها على عشرات المواقع وبدون الإشارة إلى مصدرها الأصلي.

اليوم أعيد نشرها، مع العديد من الزيادات والتنقيحات والتعليقات الشخصية، لتناسب الموضوع.

……….

عام 1977 قرر الدكتور جاري ميلر المبشر الكندي النشيط وأستاذ الرياضيات والمنطق في جامعة تورنتو أن يقدم خدمة جليلة للمسيحية بالكشف عن الأخطاء العلمية والتاريخية في القرآن الكريم، بما يفيده وزملاؤه المبشرين عند دعوة المسلمين للمسيحية ولكن الرجل الذي دخل بمنطق تصيد الأخطاء وفضحها، غلب عليه الإنصاف وخرجت دراسته وتعليقاته أفضل مما يمكن أن يكتبه معظم المسلمين دعاية للكتاب الحكيم، ذلك أنه أحسن ‘تدبر القرآن’. وكان أول ما أذهله: هو صيغة التحدي التي برزت له من في مواضع كثيرة من مثل’: وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً" (النساء: 82) ،"أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ" (هود: 13)، "وَإِنْ كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ" (البقرة: 22)، وقوله: دخل الرجل الحلبة متحدياً وخرج منها منبهراً بما وجده.

وأستعرض فيما يلي بعضاً من نتائج تدبره كما جاء في كتابه: ‘القرآن المذهل:" "Amazing Quran”

         قبل عدة سنوات استعار أحد البحارة في تورنتو الذين قضوا معظم أعمارهم في البحر نسخة مترجمة من القرآن الكريم من أحد المسلمين، وأمضى عدة أيام في قراءتها، ثم عاد وسأل المسلم: هل كان محمد هذا بحاراً؟ فأجاب المسلم باستغراب: لا لقد قضى حياته كلها في الصحراء، فقال الرجل: هذا عجيب جداً، لا يمكن أن يقول: "أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا" (النور: 40) إلا رجل عاش في البحر وشاهد هذا المشهد بنفسه، لا يمكن أن يكون هذا خيال شاعر. قال المسلم: " وَمَنْ لَمْ يَجْعَلْ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ" بقية الآية. فلم يكن من البحار إلا أن أعلن إسلامه على الفور.

         الملاحظة التي يبدأ بها ميلر بحثه: "القرآن المذهل" عن القرآن الكريم، هي أن القرآن يدهش كل من يقرؤه ، ومن أول لحظة يغير الصورة التي يتصورها من يقبل عليه لأول مرة. كل من سمع عن القرآن يتصور أنه كتاب قديم مكتوب من أكثر من 1400 عام، من رجل كان يعيش في الصحراء. ولكن من اللحظة الأولى، ومن الآيات الأولى يعيد المرء حساباته، فالقرآن ليس كتاباً قديما، ومواضيعه ليست مواضيع قديمة، وطريقة عرضه ليست طريقة عرض قديمة، وترتيبه ليس ترتيباً كلاسيكيا قديماً، هو يتحدث في كل شيء التاريخ والمستقبل، والصحراء والبحر، الأرض والسماء، الخير والشر، بنفس الجدة والإدهاش والإعجاز.

         يوضح ميلر لماذا لم يحتوي القرآن نصيحة الرسول صلى الله عليه وسلم للصحابي بأن يشرب العسل. ويؤكد ميلر حقيقة تغيب عن كل الذين يزعمون تاريخية النص، وهي أن القرآن الكريم هو كلام الله تعالى، وهو وحيه المقدس، وأنه بنصه كان تاماً وكاملاً حتى قبل خلق النبي صلى الله عليه وسلم، وكونه نزل منجماً لا يتعارض مع أنه كان موجوداً حتى قبل الإسلام ذاته. يؤكد ميلر أيضاً أن القرآن الكريم لم يتورط في تسجيل ما يمكن أن يسمي بالعلاج الشعبي أو الطب الشعبي، حتى يقطع الطريق تماماً أمام المتشككين من غير المسلمين في صلاحيته لكل زمان ومكان. وحتى لا يصبح بتعاليمه ونظمه خاصاً بأمة بعينها أو ثقافة بذاته. وحين تحدث تعالى عن العسل لم يستخدم الاسم، وإنما تحدث عن النحل وقال عنها: "يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ". ولا يوجد خلاف في أمة من الأمم على أن العسل فيه شفاء للناس، ولو قال أكثر من ذلك، لوجدت هنا الخلاف بين عادات وتراث الشعوب.

         لا يستعرض القرآن أيضاً من الأحداث الشخصية العصيبة التي مرت بالنبي – صلى الله عليه وسلممثل وفاة زوجته خديجة أو وفاة بناته وأولاده. الذين يقولون إن القرآن هو من عمل محمد، أو نتيجة هلاوسه كيف لم يلاحظوا أنه بالرغم من الظروف العصيبة التي مر بها، فإنه لا يأتي على ذكر هذه المواقف. إن السيدة خديجة لم تكن مجرد زوجة عادية، ولا شريكة حياة استمرت لسنوات طويلة، وإنما هي المرأة التي عندما جاءه الوحي ذهب إليها وطلب منها المعونة والرأي والعناية. إن العربي اليوم لا يفعل ذلك مع زوجته، لكن الرسول فعل. ومع ذلك فقد جاءت الآيات: "يا أيها المزمل"، "يا أيها المدثر"، ولم تشر إلى أي تفصيل في هذا الِشأن، كما لم تشر إلى أية تفاصيل بشأن وفاتها، رغم أن هذه الحادثة كانت هي الأخطر على الرسول وعلى الدعوة.

         بل الأغرب أن الآيات التي نزلت تعقيباً على بعض النكسات في طريق الدعوة، كانت تبشر بالنصر، وتلك التي نزلت تعقيباً على الانتصارات كانت تدعو إلى عدم الاغترار والمزيد من التضحيات والعطاء. لو كان أحد يؤرخ لسيرته لعظم من شأن الانتصارات، وبرر الهزائم، ولكن القرآن فعل العكس تماماً، لأنه لا يؤرخ لفترة تاريخية بقدر ما يضع القواعد العامة للعلاقة مع الله والآخرين.

         يقول د. ميلر: ‘لا يوجد مؤلف في العالم يمتلك الجرأة ويؤلف كتاباً ثم يقول هذا الكتاب خال من الأخطاء ولكن القرآن على العكس تماماً يقول لك لا يوجد أخطاء بل يتحداك أن تجد فيه أخطاء ولن تجد‘.  إن هذا المنهج لم يعرفه العلم الحديث إلا مؤخراً، باسم "اختبار البطلان" falsification test. ويعني إن النظرية العلمية لا تحظى بالقبول من المجتمع العلمي حتى تتضمن أمرين: نص النظرية، ووسائل إثبات بطلانها أو دحضها. عندها يبدأ المجتمع العلمي بالنظر فيها. هكذا فعل أينشتاين حين قدم نظريته عن تمدد الأرض، وقدم معها ثلاثة وسائل على العلماء أن يحاولوا إثبات فشلها بتجريبها. مكث العلماء 6 سنوات حتى أعلنوا عن قبولهم النظرية بعد أن استخدموا وسائل إبطالها ففشلوا. في حالة القرآن الكريم، قدم القرآن مع آياته اختبار البطلان في سورة النساء آية 82: "أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً". وهكذا يقول للعالم كله: كل الناس كل الوقت: حاولوا أن تثبتوا أن هناك تناقضاً، وعندها سيكون معكم حق، في إثبات أنه ليس كتاباً سماوياً.

         ملاحظة أخرى في منطق القرآن المدهش لاحظها د. ميلر وهي قوله تعالى: "فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ" (النحل: 43). لم يعرف الناس هذا الأسلوب في التعبير والحوار من قبل، إنه يتعرض لموضوع في خلق الإنسان أو خلق الكون، أو علم الفلك أو البحار.. ثم يقول للقاريء إن كنت في شك، أو تريد معلومات إضافية فاذهب إلى أهل الاختصاص واسألهم. لقد كان لهذا الأسلوب أثر عبقري في الاكتشافات التي قام بها علماء المسلمين في الطب والهندسة والفلك والبحار والتشريح أو علم الأجنة. وفي كل كتابات المسلمين القدماء استشهادات من القرآن الكريم، تؤكد أن القرآن هو الذي أرشدهم للبحث في هذه المنطقة، وبهذه الطريقة.

         وتعليقاً على قوله تعالى "تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا" (هود: 49) تعقيباً على بعض القصص القرآني، يقول ميلر: ‘لا يوجد كتاب من الكتب الدينية المقدسة يتكلم بهذا الأسلوب، إنه يمد القارئ بالمعلومة ثم يقول له هذه معلومة جديدة!! هذا تحد لا مثيل له؟ ماذا لو كذبه أهل مكة – ولو بالادعاء – فقالو: كذبت كنا نعرف هذا من قبل. ماذا لو كذبه أحد من الباحثين بعد ذلك مدعياً أن هذه المعلومات كانت معروفة من قبل؟ ولكن كل ذلك لم يحدث، ولن يحدث.

         يفرق د.ميلر بين الدقة والأصالة. وحتى يكون الكتاب سماوياً فيجب أن يجمع الصفتين، أن يكون دقيقاً، فلا توجد به أخطاء أو تناقضات. وهذا هو ما تحدى به القرآن الكريم العرب والعالم وقت الرسالة وبعدها. ولكن هذا لا يكفي فدليل التليفون دقيق، ولكنه ليس وحياً. يجب أن يكون أيضاً أصيلاً، ولكن كيف يمكن أن نثبت هذه الأصالة؟ يقول ميلر: إن الطريقة التي اتبعها القرآن لذلك هي طريقة التحدي. وهي طريق عملية وبسيطة. إذا لم تكن تصدق أن هذا الكتاب هو الوحي فهذه مشكلتك، وعليك لأن تحلها أن تفعل أحد شيئين: أن تأتي بآية مثلها؟ أو أن تثبت أن هناك خطأ. يقول ميلر إن أحد الشباب جاءه بعد محاضرة له بجنوب إفريقيا متحمساً، وقال له: سأصعد الآن إلى غرفتي، وسأقابلك في الصباح وقد كشفت لك عن عشرات الأخطاء في القرآن. شجعه ميلر على ذلك، وانصرفا. لم يعد الشاب في الصباح، ولكن ميلر تأكد أن هذه الطريقة العملية ليست ناجحة فقط في الرد، ولكنها ناجحة أيضاً في اجتذاب المخلصين إلى هذا الدين العظيم بعد أن يرهقهم البحث عن الأخطاء دون أن يجدوها، وهو ما حدث مع ميلر نفسه. وهذه هو الدليل الأكبر على الأصالة، وعلى أنه وحي من عند الله تعالى.

………..

وغداً نتابع…

…………………

……………….

Advertisements