كثيرة هي الجمل والعبارات المأثورة التي يتناقلها الناس بل ويرددها الشيوخ على المنابر، وينسبونها للرسول صلى الله عليه وسلم باعتبارها أحاديث شريفة، دون أن تصح نسبتها للرسول الكريم. وبعض هذه الجمل مشهور جداً، بل ربما يفاجأ كثير من القراء عندما يقرأون نماذج منها في هذا الإدراج حين يعرفون أنها ليست بأحاديث ولا يصح نسبتها للرسول الكريم صلى الله عليه وسلم.

و لا ينبغي أن يفهم أحد من هذا أن كتب السنة والأحاديث مخترقة، وأنها مليئة بالأحاديث الباطلة والموضوعة والمكذوبة، فيدعو لطرح السنة بالكلية كما ينادي قصار النظر، وإنما العكس تماماً هو الصحيح، فجهود العلماء في فرز هذه الأحاديث الضعيفة والموضوعة، وكشف زيف نسبتها للرسول صلى الله عليه وسلم، ينبغي أن تكون محل تقدير، لأنهم بهذا الجهد استطاعوا عزل هذه الأحاديث عن الأحاديث الصحيحة بحيث يمكن أن يطمئن المسلمون إلى ما بين أيديهم مما جرى الحكم عليه بالصحة من العلماء المحققين، وفق مناهج صارمة لم تعرف في دقتها وعمقها واتساقها أمة من الأمم ولا حضارة من الحضارات. وكما أن جهود وزارة الصحة في كشف الأدوية المغشوشة ينبغي أن تكون محل تقدير، وترفع من ثقة الناس في الأدوية المتداولة في الصيدليات المحترمة، كذلك جهود علماء الحديث في كشف الأحاديث المكذوبة والموضوعة، يجب أن ترفع ثقتنا في الحاديث المروية في كتب الصحاح.

كما لا ينبغي أن يفهم أن معاني هذه الأحاديث فاسدة، أو أنها بالضرورة تخالف الثابت من الأحاديث، بل إن كثيراً منها في الحقيقة صحيح المعنى، ولكن دقة علماء الحديث وتحريهم لم تسمح لهم بالإبقاء عليها بين الأحاديث الصحيحة، لأن منهجهم في نقد السند دقيق جداً وحاسم. ولعل في هذا ما يرد على كثير من الجاهلين، الذين طالبوا بإعمال العقل والمنطق فقط في فهم الحديث، فإذا وافق عقلهم – في الحقيقة : هواهم – أبقوه وروجوا له حتى لو لم يكن صحيحاً، وإذا خالف ما عرفوه وألفوه من علوم وعادات رفضوه وأنكروه حتى لو صحت نسبته للرسول الكريم. وهذا خلاف منهج علماء الحديث المحققين، الذين يرون أن الحديث الصحيح هو ما صح سنده بنقل العدل الضابط عن مثله إلى منتهاه وخلا من الشذوذ والعلة بغض النظر عن إعجابنا بمعناه، أو فهمنا له، فهذا يأتي في مرحلة لاحقة، وهي التفسير والتأويل. وهم يرون الحديث الضعيف والموضوع لا يصح نسبته للرسول حتى لو احتوى على عيون الحكمة و نطق برائع البيان.

وربما سأل سائل: لماذا نسمي هذه النقول "أحاديث" رغم أننا نقول إنها ليست أحاديث؟! والعلماء يرون أن إلحاق الصفة بها لا يضر إذا ثبت معها الوصف بالوضع أو الضعف أو البطلان خاصة أنها منشورة ومشهورة بين الناس، كما أنهم لدقة تحريهم يفرقون بين الحديث الضعيف، والحديث الباطل أو الموضوع أو الذي لا أصل له. فالحديث الضعيف يمكن أن يقوى إذا وردت روايات أخرى تعضده، وعادة ما يكون الضعف مقترناً بسند الحديث لا  بنصه (متنه) ، ولذلك عرفوا الحسن لغيره، أي الذي كان سنده ضعيفاً ثم ارتقت درجته بتعاضد الروايات المشابهة له، وهي قضية فنية لا أود أن أشغل القاريء الكريم بها. وعلى هذا فيمكن أن يقرأ العنوان: "مائة حديث في ظننا ليست بأحاديث في الحقيقة".

مرة أخرى أقول إن أغلب ما سأعرضه من هذه الأحاديث هو صحيح المعنى، ولا بأس من العمل بمضمونه خاصة أن بعضه هو في الحقيقة من أقوال الصالحين أو التابعين، ولكن الخطر هو في نسبته إلى الرسول الكريم، فلنجتهد في أن نعرف هذه الأحاديث وننبه الشيوخ على المنابر، والأصدقاء في اللقاءات الخاصة أنها لم تصح نسبتها إلى الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم.

اخترت مائة من أشهر هذه الأحاديث انتشاراً… وقد سمعتها جميعها من الشيوخ عل المنابر وقرأتها في الكتب الدينية، وطالما رددتها باعتبارها أحاديث صحيحة، ثم اطلعت بعد ذلك على ما أثبته العلماء من أنها لم تصح عن النبي صلى الله عليه وسلم. ولن أشغل القاريء الكريم بتفاصيل ما ذكره العلماء المحققون عنها إذ يمكن الرجوع إلى ذلك في مظانه، وهي عندهم ما بين باطل وضعيف وموضوع أو لا أصل له.

وأبدأ بأحاديث فضائل رمضان و رجب شعبان، ويكفينا الصحيح منها، فلا داعي لترديد الضعيف والموضوع. ثم أذكر 100 من الأحاديث والجمل المشهورة والمنتشرة وهي ليست بأحاديث، أو هي أحاديث بالغة الضعف، وقد قمت بترتيبها أبجدياً حسب الحرف الأول من الكلمة الأولى حتى يسهل العودة إليها ومتابعتها. ومرحباً بتعليقات وتصويبات الأخوة القراء. والله من وراء القصد وهو الهادي إلى سواء السبيل..

أحاديث لم تصح عن فضل رجب وشعب ورمضان

  1. (شهر رمضان أوله رحمة، وأوسطه مغفرة، وآخره عتق من النار)
  2. (صوموا تصحوا )
  3. (من أفطر يوماً من رمضان من غير عذر و لا مرض لم يقضه صوم الدهر وإن صامه)
  4.  (لو يعلم العباد ما في رمضان لتمنت أمتي أن يكون رمضان السنة كلها)
  5.  (اللهم بارك لنا في رجب وشعبان، وبلغنا رمضان)
  6. (من صام رمضان، وأتبعه ستاً من شوال؛ خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه)
  7. (فضل شهر رجب على الشهور كفضل القرآن على سائر الكلام)
  8. (رجب شهر الله، وشعبان شهري، ورمضان شهر أمتي)
  9. (فضل شهر شعبان كفضلي على سائر الأنبياء)
  10. (إذا كانت ليلة النصف من شعبان فقوموا ليلها، وصوموا نهارها)
  11. (من أحيا ليلتي العيد، وليلة النصف من شعبان لم يمت قلبه يوم تموت القلوب)

……………

يتبع…

Advertisements