من عدة أشهر كنت في لقاء مع مجموعة من المهتمين بعلم "إدارة المعرفة"، بدعوة من صديقي المهندس محمد غازي، في لقاء مع أستاذ كبير في هذا المجال اسمه ديفيد جارتين، وكنا بصدد إنشاء فرع لما يسمى "مقهي المعرفة"  أو "ديوانية المعرفة" Knowledge Café  في مدينة دبي. وهو أشبه بمنتدى افتراضي يلتقي فيه الناس ليتبادلوا العلوم والمعارف، ويتناقشوا فيما يهمهم من أمور العلم والاقتصاد والسياسة على مستوى العالم.

 

وكنا بصدد الإعداد ل "وثيقة المباديء" الحاكمة للعمل، وجاء الرجل ومعه مسودة ضمنها خلاصة خبرته الطويلة، فالرجل جاوز السبعين، كما أنه أنشأ من قبل أكثر من مائة نادي من هذا النوع في جميع أنحاء العالم.

 

وانتهينا إلى أربعة مباديء حاكمة:

 

الأول:

Knowledge is not about knowing, knowledge is about understanding

المعرفة ليست كي نعرف، المعرفة لكي نتفهم.

 

والغرض من النص على هذا المبدأ هو ألا نكون عبيداً للمعارف في حد ذاتها، جمعاً وإنشاء وتحريراً وتوزيعاً.. فالمعرفة نفسها لا قيمة لها. القيمة الحقيقية هي في استخدامها. لا قيمة لمجرد أن تحفظ القرآن الكريم، ولا أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم (الشيخ محمد عبده رفعوا إليه طفلاً يحفظ صحيح البخاري، فقال: زادت نسخ الصحيح واحدة، علموه أن يعمل بما فيه). وهذا المبدأ ينص على أن المعرفة يجب ألا تستخدم في التباهي أو التفاخر أو الاستعلاء أو الاستقواء.. وإنما للتعرف على الآخر، أو بمعنى أدق لتفهم دوافع الآخر ومنطقه. هذا الآخر قد يكون مديرك في العمل، أو ابنك، أو تلميذك أو جارك أو زوجتك… أو صاحب دين آخر أو مذهب آخر أو مدرسة حياتية أخرى.

 

الثاني:

conversation not debate

حاور لا تناظر.

 

هناك فرق كبير جداً بين الحوار والمناظرة. في الحوار يتساوى الطرفان. ولا ينتهي بمنتصر ومهزوم. الغرض منه أن تعرف المزيد من التفاصيل، لا أن تلقي المزيد من الحجج والبراهين. لا مجال في الحوار لحظ النفس أو غلبة الهوى، أو إظهار العلم والذكاء، أو مراءاة للناس أو طلب التقدير والثناء بخلاف ما يحدث في أغلب المناظرات. الحوار غالباً ما يسود في جو ودي بينما تتم المناظرة في جو مشحون أو متوتر أو عدائي.

 

والثالث:

List all what you agreed upon

أعد قائمة بما اتفقتم عليه

 

هذا هام جداً، فلابد أن يكون للحوار هدف، ولا بد أن تكون له نهاية. وليس مجرد مسابقة في المعلومات العامة أو القدرة على الاستدلال والتنظير. يجب أن يبدأ أي حوار بما يسميه علماء الأصول: "تحرير محل النزاع"، وينتهي بإعداد قائمة بما اتفق عليه الطرفان.. حتى لو كانت من فقرة واحدة أو فقرتين.. لا أدري لماذا نرى دائما ما اختلفنا فيه ولا تتجه أنظارنا إلى ما اتفقنا عليه، وهذا ما يزيد من جو التحفز بدون مبرر. ما يتفق عليه الناس أكبر بكثير مما اختلفوا فيه. فنتعاون فيما اتفقنا عليه، وليعذر بعضنا بعضاً فيما اختلفنا فيه. سواء كان هذا الخلاف سائغاً أو غير سائغ.

 

والرابع وهو الأخطر:

Don’t exit any conversation unless you change

لا تخرج من أي حوار دون أن تتغير.

 

والحق أنه لولا ما منحه الله إيانا -محمد غازي وأنا – من الثقة والتوفيق، لشككنا في نواياه، خاصة هذا المبدأ الرابع الخطير، فما معنى أن تدخل حواراً عن العقيدة وفي نيتك أن تتغير؟!! ما معنى أن تدخل حواراً عن الإسلام وليس لديك مشكلة في أن تخرج من هذا الحوار وقد تغيرت قناعاتك عن الإسلام. كان التصويت بالأغلبية. وصوتت الأغلبية مع هذا المبدأ، وكان علينا أن نقبله، فقبلناه على مضض.

……….

 

لا أخفيكم سراً أنني – ومجموعة المؤسسين من المسلمين– وسط الأجواء الغربية التي صاحبت إنشاء المقهى لم ننتبه في حينها أن هذه المباديء الأربعة متفقة تماماً مع نصوصنا الإسلامية، ولها جذور عميقة في تراثنا الإسلامي. بل إن الرسول صلى الله عليه وسلم نفسه، وهو يناقش نصارى نجران في عقيدتهم الواضحة الفساد قال لهم: "وإنا أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين".

 

ولا أخفيكم سراً، أن هذا المبدأ الذي كنا نخشاه، صار هو سلاحنا الأمضى في الحوارات لا المناظرات.

 

مرة أخرى الغرض ليست أن ننتصر، ولا أن نثبت أننا على صواب وأن الآخرين على خطأ، ولكن أن ننشر ونعبر ونشرح ونوضح ما يخفى على الآخرين مما نعرفه، ويغيب عنهم.

 

نجح المبدأ الرابع تماماً في أن يغير طريقتي في الحوار، ومشاعري وسلوكي أثناءه، وأعلم أنه تغيير صعب، ويحتاج إلى إرادة قوية وصفات شخصية مميزة تأتي يالتدريب لمن لا يملكها بالفطرة.  فلم يعد همي في الحوار أن أثبت أنني على صواب وأن الآخر على خطأ بل صار همي ثلاثة أشياء:

 

         أن أبذل كل جهدي لأتفهم وجهة النظر الأخرى ودوافعها ومنطقيتها ومشاعر أصحابها، لا بغرض أن أعرف نقاط ضعفهم حتى أهاجمهم منها، ولكن بغرض إعذارهم أولاً، ثم توضيح ما خفي علي وعليهم ثانياً.

 

         أن أكف تماماً ونهائياً عن الدفاع عن وجهة نظري، وسرد الدليل وراء الدليل لإثبات صحتها، كما أكف عن محاولة تعقب أخطاء الطرف الآخر (وهو أمر مغري جداً، ويناسب هوى النفس). لم أعد أستخدم كلمات مثل: "ناظرني"، "ائتني بالدليل"، "ولكن هذا يناقض ما جئت به من قبل"، و "لكنك فعلت كذا في الموقف الفلاني وهو يتعارض مع…"، وإنما أستخدم عبارات: "اشرح لي.."، "لم أفهم…"، "هل يعني هذا..؟" الخ.

 

         أن يتحول الحوار إلى مسابقة في البحث المشترك عن الصيغة الجامعة التي تأخذ من كل رأي أفضله،  وليس في إثبات من هو على صواب ومن هو على خطأ، وإنما كيف تضفر رأيك مع الرأي الآخر في صياغة تنتهي إلى تصور هو في حد ذاته أفضل من كل رأي على حدة.

 

الحمد لله أن شافاني وعافاني، مما ابتلاني به لسنوات..

إنني الآن لا أدخل أي حوار بغرض أن أنتصر… وإنما بغرض أن أتغير.

 

 وبشكل عملي فإن هذه المباديء تؤكد على معاني أساسية، وغيابها هو الذي يفسد كل الحوارات العربية السياسية منها والرياضية والدينية، وهو ما يبدو واضحاً في البرامج الحوارية في الفضائيات العربية.

 

         فدخول أحد الطرفين بظن أنه على الحق المطلق وغريمه على الباطل المطلق يؤدي إلى نوع من الاستعلاء وعدم التكافؤ  وهو ما يفسد الحوار من اللحظة الأولى.

 

         وكذلك فإن عدم تحديد هدف محدد للحوار يؤدي إلى استمراره دون نهاية، وهو ما يرهق المشاركين والمتابعين على حد سواء.

 

         وأيضاً فإن عدم استعداد أي من الطرفين للتغيير – لا أقول التنازل – سيؤدي إلى الدخول في متاهات لا آخر لها.

 

         وأخيراً فيجب على الطرفين أن ينفقا من البداية على أنه إذا انتهى الحوار دون أن يتحول أحد الطرفين من موقع إلى موقع، وهو الأمر المتوقع في معظم الحالات، فعليهما أن يخرجا من الحوار بنفس صافية، وتفهم للآخر واحترام له وعدم استعلاء عليه واتهامه بالجهل أو الغباء أو المغالطة.

………………….

 

طلب الشيخ محمد الغزالي من سائق السيارة أن يقف بجوار كشك سجائر، ونزل من السيارة واتصل بالتليفون بمنزله (لم يكن وقتها تليفون محمول)، وقال لزوجته: "مش لازم ملوخية. اطبخوا اللي انتوا عاوزينه"، ثم أغلق التليفون وعاد إلى السيارة، وواصل مسيره حيث كان متجهاً لإلقاء محاضرة عن الشورى في الإسلام. سأله السائق إن كان هناك مكروه. قال: أبداً ولكني قلت لنفسي كيف يمكن أن أكون صادقاً وأنا أحدث الناس عن الشورى، وفي الوقت نفسه أشدد في الطلب على زوجتي في الصبح أن تطبخ لنا ملوخية دون أن أسأل باقي الأسرة ماذا يحبون، فعدت لأخبرهم أن يطبخوا ما يرغبون.

 

لا أعرف واحداً – بما فيهم نفسي- نجح أو حتى اهتم بإجراء الحوار في بيته مع أبنائه وأسرته، ولا في عمارته مع جيرانه، ولا في المسجد مع أصدقائه، ولا في العمل مع زملائه…

 

فلماذا – ونحن لا نعرف الحوار ولا نمارسه – نطالب الحزب الوطني أن يتحاور مع المعارضة، ونطالب المسلمين بأن يتحاوروا مع الأقباط، ونطالب المجتمع الدولي أن يتحاور معنا.؟!!

………….

 

كما أن تحديات  السلام أصعب بكثير من تحديات الحرب…

فكذلك: تحديات الحوار أصعب بكثير جداً من تحديا ت المناطرة..

لأنك هنا… لست في جدل مع قناعات الآخرين لتغيرهم، وإنما في جدل مع قناعات نفسك لتتغير.

"وإن ذلك لمن عزم الأمور".

………….

………

…..

 

Advertisements