العمل الإجرامي الذي استهدف عدداً من الإخوة الأقباط أمام كنيستهم في نجع حمادي في أعقاب احتفالهم بعيد الميلاد هو عمل غادر وجبان، لا يرضى به الإسلام، ولا يصح نسبة مرتكبيه إلى الدين… وإنما هو من إملاء الشيطان. والحمد لله أن مكن قوات الأمن من القبض على الجناة، وتحويلهم للمحاكمة ليلقوا عقابهم الرادع.

وقد تابعت بعضاً مما جاء تعليقاً على هذا الحدث، ولي كلمة – قديمة – أظن أنه لا بأس من مراجعتها، حتى تتضح الصورة، ولا يستغل المزايدون الموقف، ويشعلوا فتنة تأتي على أمن الوطن واستقراره..

…….

الذين يرددون ادعاء أن الأقباط هم أصحاب البلد، وأن المسلمين (الوافدين الغزاة) ساموا الأقباط الخسف  وحملوهم العنت عبر السنين.. عليهم أن يتذكروا ما يلي:…

         كما أن الإسلام وافد على مصر، فكذلك المسيحيةوالمصريون القدماء (إذا كان لابد من اعتبار أنهم هم أهل البلد الحقيقيين) لم يكونوا مسلمين ولا مسيحيين. ولا يوجد أحد الآن يملك ما يثبت أنه من أحفاد مينا أو من سلالة رمسيس الثاني.

         الأغلبية الحالية من مسلمي مصر هم من المصريين الذين تحولوا طوعاً من المسيحية إلى الإسلام عبر القرون، و ليسوا من العرب أو الأتراك أو العجم الوافدين. وكما ذكرت فقد استغرقت هذه المسألة أكثر من أربعة قرون، وتمت بدون إكراه أو اضطهاد. إنني أفهم معنى أن يطلب متعصبو فرنسا طرد المغاربة من بلادهم، وأن يطلب متعصبو ألمانيا طرد الأتراك من بلادهم… ولكني لا أفهم كيف يطلب المصريون الأقباط طرد المصريين المسلمين من مصر… وإذا ترك المصريون المسلمون بلدهم مصر التي عاشوا فيها من أكثر من ألف عام فإلى أين يذهبون؟؟

         ليس عيباً أن تحافظ جماعة إثنية أو دينية على بقائها… العيب أن يتم ذلك عبر أساليب غير مشروعة، وأن يظل هاجساً يفسد أية رغبة حقيقية في تطور البلد وتنميتها. إذا حدث العكس وصارت الأغلبية في مصر مسيحية، فهل سيكون للمسلمين الحق في  ادعاء أن المسيحيين معتدون؟!! ويجب طردهم من البلد؟!! إن علينا قبول حقيقة أن التحولات الاقتصادية والاجتماعية تحدث مع الأيام، وهي نتيجة التفاعلات الطبيعية وتغير موازين القوى…. ومصر الآن دولة إسلامية بحكم الواقع والدستور، وتاريخ الكنيسة وتاريخ الأقباط هو جزء من تاريخ مصر الممتد عبر آلاف سنين والذي ساهم في تشكيل وجدان وثقافة الشعب المصري. هو جزء من تاريخ مصر… لكنه ليس كل تاريخها.

         لا توجد دولة الآن يمكن أن تدعي نقاء شعبها أو وحدة عرقها، أو تأصل جذورها… بل إن حركات الهجرة الجماعية والارتباط بالنسب عبر القرون، تجعل ادعاء أية جماعة أو فئة دينية أو عرقية بأحقيتها بحكم دولة بعينها هو ادعاء يفتقر إلى أي تبرير، كما أنه يخالف ما استقر عليه الفكر المعاصر في مواصفات الدولة الحديثة، بما لا سبيل لتغييره أو القفز عليه إلى الوراء… وإذا صح أن أحفاد وأنجال الملك فاروق لا يملكون شرعية المناداة بعودتهم إلى الحكم بعد 50 سنة من تركه، فلا يحق لأحد أن يملك هذا الادعاء بعد آلاف السنين، خاصة أنه لم يكن أصلاً في موقع الحاكم أو ولي الأمر.

         الأجدى أن تتجه الأنظار إلى التفكير في السبل الملائمة لصياغة دولة معاصرة قوية … كما فعلت الهند وماليزيا وسنغافورة… والمسألة العرقية والطائفية عندهم أكثر تعقيداً وأشد خطراً… ولكنهم نجحوا في التركيز على الأهداف المشتركة، والصالح العام، و الالتزام بعناصر النهضة وفق تطبيق صارم للقانون الذي يضمن المساواة ويجرم التمييز.  

*******

قرأت كثيراً عن حوادث اضطهاد المسلمين للأقباط عبر التاريخ والتي لا يكاد يخلو منها موقع قبطي.. و قد جمع أحد الباحثين الأقباط قائمة من صور هذا الاضطهاد من عهد عمرو بن العاص مروراً بخلفاء بني أمية الوليد بن عبد الملك وسليمان بن عبد الملك، وولاة مصر عبد العزيز بن مروان … وحتى الخلفاء العباسيين والفاطميين والأيوبيين والعثمانيين و انتهاء بحسني مبارك…. واجتهد الباحث في تعقب هذه الحوادث في كتب التاريخ الإسلامي (الطبري والمقريزي والقلقشندي وغيرهم..) وجاءت جميعها في أقل من عشرين صفحة…. وهي –مستنكرة بغير ريب بعد التحقق من مسبباتها –  ولكنها لم تصل أبدأ إلى حد العنف الممنهج أو المنظم، كما لم تصل إلى حد الإبادة الجماعية أو التطهير العرقي أو حمل الناس قسراً على مغادرة الوطن أو تغيير الدين…

 وقد كان ممكناً بأقل مجهود، وبدون أدنى إدانة من المجتمع الدولي الذي لم يكن قد تشكل بعد، أن يتم القضاء على الوجود غير الإسلامي والذي استمر لمئات السنين في أي من الولايات الإسلامية الممتدة من أندونيسيا حتى طنجة في شهور معدودة… (كما حدث في الأندلس مثلاُ أو في البوسنة والهرسك مؤخراً)… ولكن الدولة الإسلامية دولة تقبل التعددية الدينية، والمجتمع المسلم تربى على قبول الآخر واحترامه. كان غير المسلم وأهله يعيشون بأمان بين المسلمين ويعملون في كافة المهن والتخصصات، بما فيها وظائف الدولة من وزارة وإدارة، و كانوا يأمنون على تجارتهم وأموالهم ودور عبادتهم، بينما كان هذا مستحيلاً للمسلمين خارج حدود الدولة الإسلامية، و في مقابل الملايين من المسيحيين واليهود والمجوس الذين عاشوا في ظل الدولة الإسلامية لم يعرف أن مسلماً واحداً تمكن من العيش بأمان في أوروبا طيلة القرون الوسطى.

*******

وأرى أنه لا بد من التحقق من حوادث الاضطهاد الديني التي … وهذا يستلزم…

         الفصل بين ما هو ديني وبين ما هو سياسي، فثورة البشموريين في أيام المأمون كانت ثورة ضد  والي مصر المتعسف، و قد شارك فيها جموع من المسلين، ولم تكن اضطهاداً موجهاً ضد الأقباط. وكذلك فإن حوادث الاستيلاء على الأموال القبطية لصالح الدولة والتي تكررت عبر التاريخ من الملك العادل حتى جمال عبد الناصر لم تقتصر على الأقباط وإنما كانت قرارات سياسية شملت المسلمين أيضاً عندما كانت تفرغ خزائن الدولة وتحتاج إلى أموال لتلبية احتياجاتها العسكرية أو مشاريعها القومية أو حتى أحلام حاكمها المستبد.

         النظر في الأسباب وراء هذه الأحداث، وليس فقط في نتائجها… فلا يمكن أن يقوم مروان بن محمد آخر الخلفاء الأمويين والذي ترك بغداد مطارداً إلى صعيد مصر- لا يمكن أن يقوم بالتنكيل بالأقباط هكذا بدون سبب… وكذلك فإن الكنيسة التي أغلقها صلاح الدين الأيوبي في الإسكندرية أثناء الحروب الصليبية كانت قراراً عسكرياً صائباً ليقضي على أية محاولات لاستغلالها من قبل المتعاملين مع الصليبيين من القطر المصري، وقد أعادها لأصحابها بعد النصر، بل وأقطع الأقباط ديراً ملاصقاً للقبر المقدس بالقدس وهو ما يعرف باسم دير السلطان. والإساءات التي تعرض لها نصارى دمشق عقب انتصار المسلمين في عين جالوت، كانت رد فعل على سلوكهم قبل سنوات عندما احتل التتار دمشق فخرج النصارى للترحيب بهم، وساروا في الشوارع بالصليب، وأجبروا المسلمين على القيام لتعظيم الصليب، ورشوا الخمور على المساجد، وكانوا يهتفون في الشوارع: “لقد ظهر الدين الصحيح دين المسيح”.  ويأتي في الإطار نفسه ما فعله المعلم القبطي يعقوب حنا، الذي جند آلاف الأقباط فحاربوا مع نابليون ضد إخوانهم المصريين، وحين رحلت الحملة الفرنسية بعد فشلها، غادر معهم ويقال إنه توفي على المركب فوضع جثمانه في برميل خمر ودفن في فرنسا. و هكذا فإن معظم حوادث الهياج الشعبي ضد الأقباط والتي كانت تستغرق يوماً أو بعض يوم، كانت نتيجة استفزاز قبطي أو إشاعة مغرضة… وهي حوادث مجرمة بغير شك… ولكن الأمانة تستدعي أن ننقل القصص بكاملها للتأكيد على أنها نتيجة غضب انفعالي عارض، وليس خطة ممنهجة لتغيير التركيبة الديموغرافية، أو استجابة لتعاليم دينية تنادي بالتضييق على الأقباط والتنكيل بهم.

         وضع هذه الأحداث في حجمها الحقيقي، والتثبت من حقيقة ومصداقية بعض الروايات  فقد قرأت أن الحاكم بأمر الله (1020 م) أمر بهدم 30 ألف كنيسة… وقد ورد هذا الرقم في سياق سرد للعديد من حوادث التضييق على الأقباط عبر التاريخ…. فقلت لنفسي لو صح أنه بقي للأقباط مع كل هذا التضييق والتنكيل هذا العدد من الكنائس في هذا الوقت (كانت القاهرة وهي ربع مصر تفخر بأنها بلد الأف مئذنة) فلا شك أن للأقباط سراً في بناء الكنائس أو إخفائها عن العيون…

*******

بقيت ثلاث حقائق يجب دائماً تذكرها والاحتجاج بها أمام كل من يتخندق حول حوادث الاضطهاد ضد الأقباط، ويستقوي بها بالخارج ضد شريكه في الوطن…

         ما تم جمعه بخصوص الاضطهاد ضد الأقباط في مصر في ألف وأربعمائة سنة، يمكن جمع أضعافه بخصوص الاضطهاد ضد المسلمين في مصر في سنة واحدة (في منتصف الثمانينات أو أوائل التسعينات)… وما لاقاه الأقباط من اضطهاد الخليفة الحاكم بأمر الله لاقى أضعافه المسلمون السنة في نفس الفترة…ولكن ليست هذه هي الطريقة المثلى في التفكير ولا في الحفاظ على الوطن ولا تحقيق نهضته.

          ما يمكن جمعه عن حوادث التسامح والتعايش السلمي بين المسلمين والأقباط … يتجاوز بكثير حوادث الاضطهاد والعنف المشترك… وقد كتب  الدكتور علوي المالكي رسالته للدكتوراه عن تسامح المسلمين مع غير المسلمين فجاءت في ثلاثة أجزاء كبيرة… مع التأكيد على فارق جوهري… وهو أن قصص التسامح والتعايش ناتجة عن عقيدة المسلمين وتعاليمهم…. وبالتالي فهي أصيلة في سلوكهم لأنهم يتقربون بها إلى الله، أما حوادث الاضطهاد فهي خروج على التعاليم، وهي – في أغلبها – رد فعل لاستفزازات أو مخاوف، وهي أعمال عنف مشتركة وليست في اتجاه واحد… وغالباً ما تظهر في مناخ محتقن، أو في عصر حكم استبدادي، أو أطماع خارجية وجدت لها محرضين داخليين كان يجب الأخذ على أيديهم ردعاً وحفاظاً على استقرار الوطن.

         ما يمكن جمعه عن حوادث الاضطهاد بين الملل المختلفة من المسيحيين، داخل مصر وخارجها، وقبل الإسلام وبعده يتجاوز بما لا يمكن وصفه حجماً ونوعاً … كل ما تم جمعه عن اضطهاد المسلمين للأقباط في مصر.  

*******

وأخيراً… فإن الحقوق لا تسقط بالتقادم… ومن كان له حق من هذا الطرف أو ذاك… فليس لنا أن نمنعه من المطالبة به، وعلينا أن نبذل غاية جهدنا للوفاء به…. لكني – كمصري مسلم – لست مطالباً بالاعتذار عما فعله بالأقباط الحاكم بأمر الله، أو أحمد بن طولون أو الناصر بن قلاوون، كما أنني لا أطالب أي – مصري مسيحي – بالاعتذار عما فعله المعلم يعقوب أو يطرس باشا غالي أو حتى يوسف بطرس غالي.

الأهم من ذلك أن نسارع إلى صياغة “وثيقة عملية لمستقبل مصر”، نتجاوز فيها آلام الماضي وأخطاءه ونبني جذور ثقة مشتركة بعيداً عن التخوين والاستعداء والاستعلاء… أساسها المواطنة وضمانها القيم النبيلة والمعاني السامية في الإسلام والمسيحية.

إنني أشعر بالحسرة على كل يوم يمر علينا دون أن نفكر في المستقبل، ومن المؤسف أننا في الوقت الذي يجب أن ننظر فيه إلى الأمام فإن عيوننا وقلوبنا وأحلامنا تتجه إلى الخلف… علينا أن نفكر في وطننا كيف ننهض به معاً، وفي غدنا كيف نصوغه سوياً، وفي أبنائنا كيف نربيهم على الاحترام المتبادل، والتعاون الخلاق.

هذا أو الطوفان.

******

Advertisements