سألنى أحد الأبناء الأعزاء ممن يعلمون في مجال الصحافة عما يجب عليه فعله إذا وجد خبراً يتعرض إلى شخص بعينه أو جماعة بعينها ويمسك عليهم فعلاً شائناً أو مخالفاً لما عليه شهرتهم من تقوى وورع ونضال…

 

هل الأفضل أن ينشر الخبر ويسيء إليهم ويشوه صورتهم في أعين أتباعهم، أم أن الأفضل أن يخالف ضميره، ويكف عن نشره فيكون بذلك كاتماً للحق، ومعاوناً على تضليل الناس بعدم كشفه أخطاء هؤلاء وفضحهم أمام الجميع حتى يرتدعوا.

 

وقال لي إن هذا الأمر يؤرقه، فما أكثر ما يقع بين يديه من هذه الأخبار، وما أشد الفتن والخلافات والبلبلة التي يمكن أن تحدث نتيجة هذا النشر.

 

سؤاله هو: هل أكون أميناً فأنشر… أم أكون كاتماً للحق فأحجب؟

……..

 

وأنا أقول له في كلمة واحدة، ودون تفكير: "إياك إياك إياك أن تفعل".

وأقول له صحح مفاهيمك، وتأمل بهدوء وتروي:

الأمانة هي ألا تنشر… وتضييع الحق هو أن تنشر فتضلل.

 

وإليك التفصيل:

 

الناس تهتم كثيراً بموضوع نقل وتداول الخبر، ولكنها لا تلقي بالاً بموضوع "صناعة" أو "إنشاء" أو "مصدر الخبر".

 

ولا يخفى أن الأخبار المنقولة لا ترد خالصة من الشبهة ومن التحوير والتزييف والتزيد. وهي أيضاً لا تخلو من الغرض والهوى والمصلحة.

و معظم هذه الأخبار لا سبيل لآحاد الناس من أمثالنا لتحري دقتها وصحتها في ذاتها وسلامتها من التحريف أو التزييف أو التغيير. ولا قيمة لأن يقول مثلي أمام خبر … إنني متأكد منه تماماً. فكل ما يمكن أن أكون متأكداً منه أنه بين يدي … أما كيف وصل لي، ولا لماذا وصل لي، ولا ما الذي يراد بي من وصوله إلي … فلا أدري عنه شيئاً.

 

ولقد شاهدنا جميعاً حادثة تفجير البرجين في 11 سبتمبر مئات المرات… هل يمكن الآن أن يجزم أحد من فعلها، ولماذا؟!! هناك عدة كتب وأفلام أمريكية تؤكد براءة جماعة القاعدة من هذه الفعلة، وأن فاعليها هم من الأجهزة الأمنية الأمريكية التي خططت لها لتبرير ضرب أفغانستان وغزو العراق.

 

هل يمكن لأحد منا أن يؤكد أن أسامة بن لادن أو محمد الظواهري اللذين نشاهد تسجيلاتهما على التليفزيون كل فترة لا زالا أحياء؟!! ألم تسمع عشرات الأقاويل عن أن صدام حسين لا زال حياً وأن من جرى إعدامه هو شبيه له؟!!

 

لدي كتب وأمثلة بالمئات لا بالعشرات، كيف يمكن أن نضلل الناس بالإعلام وبالإعلانات وبالأخبار الكاذبة،

 

وهناك كتاب شهير اسمه: "المتلاعبون بالعقول" هدفه كما قال مؤلفه: "أن نجعل الناس يصوتون ضد أكثر مصالحهم أهمية".

 

والرسالة التي يريد أن يوصلها هذا الكتاب هو: كفى بالمرء جهلاً وغباء أن يصدق بكل ما يسمع. وقبلها بالتأكيد كفى بالمرء إثماً وإضلالاً أن يحدث الناس بكل ما سمع.

 

ولقد عاصرت فترة في مصر، كنت أجد أمام باب منزلي بالقاهرة… أوراقاً منزوعة من ملفات تخص السفارة الأمريكية، واستمارة تقديم للهجرة، وصوراً لمشاهير في البرلمان المصري في أوضاع مشبوهة… ووالله لم أكن أصنع أكثر من ألقيها في القمامة أمام باب المنزل دون أعتني حتى بأن أفتح مظروفاً مغلقاً أو أحتفظ من محتوياته بنسخة.

 

وفي حياة كل منا عشرات المواقف التي عرف فيها معلومات خطيرة أو ثمينة… ولكن … ما كل ما يحدث يعرف، وما كل ما يعرف يقال،  وما كل ما يقال في المجالس المغلقة يقال على شبكة الإنترنت، وما كل يقال على الشبكة صحيح، وما كل ما هو صحيح يفهم على الوجه الصحيح، والخروج من هذه المتاهات أسلم.

……………..

 

دعنا نعود إلى سؤالك المباشر عن نقل الخبر المثير للجدل… هل أفعل أم لا أفعل؟!!

 

وأؤكد لك مرة أخرى: إياك أن تفعل فتشارك في الإثم، وتكون أداة في يد جهة تستفيد من أهل البراءة أمثالك في تضييع الحقيقة أو صياغتها بطريقة تخدم مصالحها..

 

إذ حتى لو كان ناقل الخبر هو شاهد عيان، فإنه لا يضمن أن يكون قد شاهد كل شيء في المكان، أو حضر الواقعة من بدايتها وحتى نهايتها. فلربما يرى رجلاً يعتدي بالضرب المبرح على امرأة لكنه لا يعرف من هي المرأة ولا لماذا يضربها، ولا ما الذي حدث بعد أن ضربها… وكثيراً ما تتغير ملابسات الواقعة تماماً بعد إضافة بعض المعلومات الناقصة عنها.

 

والذي يعرف سبب نزول قوله تعالى : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِين َ) وفي قراءة (فتثبتوا)، يجد حادثة في غاية البيان للكارثة التي يمكن أن تقع فيها الأمة نتيجة تناقل الأخبار بدون تثبت وجهد في تحري الحقيقة.

 

والقصة أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث الوليد بن عقبة بن أبي معيط إلى بني المصطلق ليأخذ منهم الصدقات، فلما أتاهم الخبر فرحوا ، وخرجوا ليتلقوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما عرف الوليد أنهم خرجوا يتلقونه رجع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله: إن بني المصطلق قد منعوا الصدقة.  فغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم من ذلك غضباً شديداً، فبينما هو يحدث نفسه أن يغزوهم إذ أتاه الوفد ، فقالوا : يا رسول الله : إنا حُدثنا أن رسولك رجع من نصف الطريق ، وإنا خشينا أن يكون إنما رده كتاب جاءه منك لغضب غضبته علينا ، وإنا نعوذ بالله من غضب الله وغضب رسوله ! وأن رسول الله استعتبهم ، وهمّ بهم ، فأنزل الله عز وجل عذرهم في الكتاب : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِين } الحجرات/6.

وقد نشرت من سنوات صورة شهيرة لطائر أمام بقعة زيت كبيرة في البحر، وكتبوا تحتها: هذا من آثار حرب العراق على الكويت، حيث تم تدمير مصافي الكويت وتسرب البترول فلوث الخليج العربي كله…  ثم تبين بعد ذلك أن الصورة لطائر في بحر الشمال وأن القصة كلها ملفقة، وأن الغرض منها كان دعم التدخل العسكري الأمريكي في المنطقة.

 

 

 

وما أكثر ما ورد علي بريدي الإلكتروني– وبالتأكيد ورد عليكم- خلال السنوات الماضية عشرات القصص المثيرة التي نجد شهوة خفية في نقلها ونشرها وتداولها، ومنها قصة وصورة الفتاة العمانية التي تحولت إلى مسخ لأنها كانت عاصية لوالديها، وقصة الأصوات الغريبة التي سجلت من أحد القبور، وصور البيض والبطيخ والدجاج والشجر والصخور التي عليها اسم الله تعالى أو اسم محمد صلى الله عليه وسلم، وكذلك الصور التي تقول بعودة صدام حسين، أو معجزات السحرة أو غير ذلك…

 

ولا شك أن الإنسان يستمتع بنقل الأخبار المثيرة – هكذا خلقه الله تعالى وعلى هذا جبله – ومثل هذه المتعة وهذه الشهوة تجعله أقل حرصاً على التبين والتثبت والتدقيق فيما ينقل.

 

 

 

وقد عاني الرسول صلى الله عليه وسلم وعانت الدعوة الإسلامية من الأثر السلبي للإشاعات حتى وصلت في بعض الأحيان إلى حد الخطر على استمرار الدعوة نفسها.

 

ففي غزوة أحد أشيع أن الرسول صلى الله عليه وسلم قد قتل، فتفرق الجيش وترك المثيرون القتال فانكشف المسلمون وكادت تلحق بهم كارثة تبيدهم. وتداول المسلمون شائعة السيدة عائشة رضي الله عنها بكثير من الكلام غير المقبول. وتخيل أن هذا الموقف حدث هذه الأيام، ونقل الناس صور الفيديو للسيدة عائشة رضي الله عنها، وهي تركب جملها ويقدم بها صفوان بن المعطل السهمي إلى المدينة…. من يرضى أن يقوم بدور المنافق الخبيث عبد الله بن أبي بن سلول، وعصبته؟!!

 ولو كان هناك احتمال واحد في الألف أن يكون الخبر الذي أهم بنشره ليس دقيقاً أو يمكن تأويله بشكل مختلف، أو أن الضرر من نشره يمكن أن يكون بالغاً لتوقفت فوراً عن النشر.

 

ولو جاء لي أحدهم بشريط فيديو يقول لي: هذا هو الشيخ فلان يزور الغانية فلانة في الساعة الثانية بعد منتصف الليل في بيتها وهي امرأة سيئة السمعة.. لطرحت الشريط في وجهه، وقلت له: لا تجسسوا… ولا يغتب بعضكم بعضاً… وماذا أستفيد أنا من معرفة هذه المعلومة، وما ضرني أنا لو كانت صحيحة… وأية مصلحة تجنيها الأمة من معرفة هذه الواقعة الخائبة. ولماذا أعرض نفسي لشبهة أن ألقى الله تعالى وفي قلبي سوء ظن بفلان أو ضغينة بعلان، وكيف أضع عيني في عينه بعد ذلك، أو أصلي خلفه أو أستمع إلى عظاته، وقد دخل قلبي شك في سلوكه وعمله.

 

كونوا مع أنفسكم بمنتهى الحزم والشدة في هذا الباب… وأدعو المشرفين على المنتديات على تنقية منتدياتهم من شبهة نشر كل ما ينتشر في الإنترنت تحت مسمى "فضيحة" بما تحمل من إساءة إلى الآخرين، فما بهذا أمرنا، وليس هذا من باب الجرح والتعديل، وإنما من باب اتباع الشهوات الخفية، وإنما يريد الشيطان أن يوقع بيننا العداوة والبغضاء ويصدنا عن ذكر الله وعن الصلاة…

 

ولدينا  الآية الجامعة والملخصة لهذا الموضوع:

 

وَلَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ

والله تعالى أعلى وأعلم.

 

…….

 

وفي الحديث: "بئس مطية الرجل زعموا".. ومعناه أن من أسوأ ما يقوم به الإنسان أن يحكي حكاية يريد أن يصل بها إلى غرض من الأغراض، فيقول: سمعت أن كذا وكذا قد حصل، أو قال بعضهم كذا وكذا.. أو زعموا كيت وكيت. فهذا من خبث الطوية والوصول إلى الأهداف بطريق التزوير والتحايل كما أنه يفضي إلى كوارث بين العائلات أو الأصدقاء أو أتباع المذاهب والفرق المختلفة وأحياناً بين الدول.

 

ومنهجي ألا أتوقف عندها، وأن ألقي بها فوراً في أقرب سلة مهملات… دون أن أرهق ذهني بمحاولة إثبات صحتها أو خطئها، فما بذلك أمرت، وما لدي من الشواغل أولى وأهم وأرجى عند الله. و"حسب امريء من الكذب أن يحدث بكل ما سمع"، كما قال الفاروق رضي الله عنه.

 

هل يعرف أحد على وجه الدقة الآن الأسباب وراء حادثة نجع حمادي المؤسفة؟ أو ما حدث عقب مباراة مصر والجزائر في الخرطوم؟ أو من المحق ومن الكذوب في قافلة جالاوي "الإنسانية".

 

Advertisements