في المدرسة الثانوية العسكرية، والتي لم يكن لها علاقة بالعسكرية إلا اسمها، وزعيق المقدم صبحي في طابور الصباح… سمعت لأول مرة كلمة "اختراع" مرادفاً لمعني: أنه شيء كان موجوداً واندثر حتى ظن الناس أنه ليس له وجود من الأساس. و ذلك عندما كان المقدم صبحي يوبخنا لأن بعضنا أتى سلوكاً مشيناً.. فيقول: "فيه اختراع اسمه: الأدب". أي ببساطة  أنتم قليلو الأدب…

 

هذه مجموعة أخرى من الاختراعات…

يا قليلي الاختراعات…

 

التفكير، العفو، الحياء، الأمل، العمل، الإتقان، الغضب، الصدق.

……………

 

التفكير الإيجابي

التفكير هو عادة وعبادة ومهارة.

 

سألت صديقي ما هي آخر مرة فكرت فيها؟!! فوجيء السؤال… قلت له للتبسيط: ما هي آخر مرة اتخذت قراراً بعد تفكير…

 

"فكر" لعدة لحظات قبل أن يسألني مندهشاً: يعني إيه تفكير؟!! ولم أكن مستعداً للإجابة.

 

ديكارت قال: أنا أفكر إذن أنا موجود. وأخذها استشاريو التنمية البشرية، وينشرونها اليوم تحت عنوان: التفكير هو الذي يجعلنا آدميين. وتحت عنوان: أنت هو ما تفكر فيه.

 

قل لي فيم تفكر… أقل لك من أنت.

 

هل تفكر في اغتيال نتنياهو؟ أم تفكر في كيفية تدبير تكاليف الدروس الخصوصية لأبنائك؟ هل تفكر في كيف تحصل على سعر مخفض لتذكرة حف عمرو دياب القادم، أم تفكر كيف تقنع حسني مبارك بتغيير النصوص المعيبة في الدستور؟

 

العقل مثل الحديقة. بعض الناس حديقتهم جرداء لا ماء فيها ولا زرع. وبعضهم يتعهدها بالرعاية والعناية.

 

بعضهم يزرع فيها الشوك وبعضهم يزرع فيها الزهور.

 

لا تنمو الزهور حتى نستبعد من حديقتنا الحشائش الضارة.

 

الأفكار السلبية والتعصب والعنف واليأس حشائش ضارة… لا تتأخر في نزعها وإلقائها في سلة المهملات.

 

نعم هناك اختراع تتفتح به الورود  اسمه: التفكير الإيجابي.

……………..

 

العفو

لم أكن أتصور أن التسامح صعب بهذا الشكل حتى سألت مجموعة من الشباب في ندوة ثقافية، من على استعداد أن يتسامح مع من أساء إليه فرفع معظم الحاضرين أيديهم. فلما سألتهم: من على استعداد أن يتسامح مع من خانه، فانخفض عدد الموافقين إلى النصف. فلما كان السؤال: هل هناك شخص في حياتك لا يمكن أن تسامحه مهما حصل… فوجدت الجميع هذه المرة وبلا استثناء يرفع يده. نحن ندعي أننا نسامح، وعند الجد نتهرب ونروغ.

 

إلى هذا الحد… نجد صعوبة في التسامح..؟!! إلى هذا الحد نتقن لعب دور الضحية والشهيد؟!! إذا كنا جميعاً ضحايا، فمن يا ترى هو المعتدي الأثيم؟!!

 

لماذا يسهل علينا أن نتذكر من أساء إلينا… وننكر تماماً أننا أسأنا إلى أحد؟!!

 

لا أذكر من الذي قال: "الحياة هي رحلة شاقة من الغفران المستمر". ولكني متأكد من أن غاندي هو الذي قال: "الضعفاء لا يستطيعون أن يتسامحوا. لا يقدر على العفو إلا القوي".

 

نبهني أن الله سبحانه وتعالى اسمه: العفو الغفور… وليس الكئيب الغضوب.

 

هناك اختراع يضمن السلام الروحي والنفسي اسمه: العفو.

………………..

 

الحياء

انتقلت إلى مسكن جديد، فجاء الرجل ليضبط لي الدش… وهو دش مركزي… فقال لي بعربية مكسرة: أنت تبي (تريد) عرب سات ونيل سات… طبعاً ما تريد هوت بيرد… فيه محطات مو زينة (غير جيدة)… صدقت على كلامه، وطلبت منه أن يحمل محطات عرب ونيل سات الزينة.

 

في أقل من ساعة أمكنني التعرف على أكثر من 30 محطة عربية لا يمكن أبداً أن تكون "زينة" حتى بالمقاييس الغربية… ولا أدري كيف يفكر القائمون على هذه المحطات، ولا ما الذي يتصورون أنهم يمكن أن يقدموه من عرض هذه المناظر الخليعة لتدخل كل بيت.

 

لقد استأنفت الحكومة المصرية (ممثلة في جهاز تنظيم الاتصالات ) الحكم الصادر والملزم بأن تمنع المواقع الإباحية من البث عبر شبكة الإنترنت في مصر، بحجة أنه من المستحيل تقنياً أن يمنعوا ذلك من الوصول ل 80 مليون مواطن. مع أن الصين المكونة من مليار نسمة تقوم بذلك، وحبذا لو اشترينا هذه التقنية الصينية فهي أفضل من فانوس رمضان وحلوى المولد الصينيتين.

 

غياب الحياء لا يقتصر على انتشار المناظر الخليعة على الشاشة أو في الشارع، ولكنه ممتد للألفاظ التي يطلقها أبناؤنا في المدارس ونوابنا في مجلس الشعب. الحياء غائب من تعليقات الوزراء على مشاكل المواطنين، وغائب من مطالب الحرفيين على أعمالهم المعطوبة، ومن الرسائل الفاضحة التي تصلني يومياً على تليفوني المحمول ممن أعرف ومن لا أعرف.

 

هناك اختراع قديم من أيام آدم وحواء عليهما السلام اسمه: الحياء.

……………..

 

الأمل

ما أكثر الأحلام المجهضة، والقطارات المتأخرة، والمرشحين المشطوبين، والصحف المشبوهة، واللصوص النافذين… ومع ذلك فالأمل أقوى…

 

لا يزعجني كثرة المظلومين المضطهدين المحرومين من حقوقهم؟!! فهذا من حقائق الحياة… ولكن يزعجني أنهم توقفوا عن المطالبة بحقوقهم، وهذا من مقدمات الموت.

 

من الذي قتل لدينا الأمل في حياة أفضل، وحكم أفضل، وصحة أفضل؟

 

فليشك من يشك، وليعترض من يعترض، ولكن لدي ألف مثل ومثل على أن: الأمل هو الحياة. 

 

هناك اختراع يصنع المنجزات اسمه: الأمل

…………….

 

العمل

للأسف حتى العمل في مصر أصبح اختراعاً.

 

زرت مصر لمدة أسبوع، وفوجئت بأنني أستطيع أن أقابل أي أحد في أي وقت في الصباح أو المساء وبدون أية مواعيد مسبقة.

 

سألت قريبي – بسذاجة- هل يمكن أن نلتقي غداّ في المنزل؟… قال: طبعاً أهلاً وسهلاً متى تحب أن تأتي؟ قلت له: متى تنتهي من عملك؟ فضحك ضحكة طويلة… عمل إيه يا أستاذ؟!!

 

في بلدتنا قابلت كل من أريد في منزله بين العاشرة والثانية عشرة صباحاً…

 

لماذا أشعر أن مصر كلها في أجازة؟!!

 

هناك اختراع له وزارة، ويجعل لقمتنا حلالاً اسمه: العمل.  

……………..

 

الإتقان

 

رغم أن ديننا هو دين الجودة والكمال والتمام: ”اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا“،  ”ما فرطنا في الكتاب من شيء“، ”بديع السموات والأرض“ ، ”ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت“، ”صُنع الله الذي أتقن كل شيء إنه خبير بما تفعلون ”… إلا أننا أصبحنا أمة "ماشي الحال"… وأمة "أهي حاجة والسلام"، وأمة "يا عم خلص".

 

 الإتقان: هو الحذق وإحكام الأشياء وجودة والأداء. الجودة: العطاء الواسع والأداء الذي يفوق الحد… ويجمعهما المعنى القرآني الجميل: الإحسان.

 

وفي الحديث الشريف: ”الماهر بالقرآن مع السفرة الكرام البررة“،  وفيه أيضاً: ”إن الله كتب الإحسان على كل شيء“

 

 الإحسان: عقيدة وقوة داخلية. والإتقان: مهارة ودقة أداء. والجودة: نظام عمل وفلسفة حياة.

 

أصل الإحسان في العلاقات: العدل والإنصاف دائماً، والمودة والرحمة غالباً.  والمبادرة بالمعروف.

 

 الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك. (الضمير، والرقابة الذاتية، الحياء من الله، والمراقبة)

 

المؤسسات الخالية من المضامين العلمية والقيمية الحقيقية لن تنجح ولن تستمر، ولن تفيد المجتمع.

 

تخيل مصر، وفيها المدرس يحسن عمله. والميكانيكي يحسن عمله، والوزير يحسن عمله، والضابط يحسن عمله.

 

تخيل أننا نطبق مباديء الإتقان والإحسان في تنفيذ المناقصات الحكومية- الإحسان في كتابة العقود – الإحسان في السير في الشوارع. الإحسان في التعليم، الإحسان في تقديم الخدمات، الإحسان في الحوار والتواصل، الإحسان  في العلاقة بين الزملاء. الإحسان في العلاقة بين الجيران. الإحسان في العلاقة بين أبناء الوطن الواحد،  الإحسان في العلاقات داخل الأسرة. بين الزوج وزوجته، الحوار بين الآباء والأبناء،..

 

لماذا عبر علينا قطار الإتقان والإحسان من زمن طويل… و لم يتوقف، ثم لم نره مرة أخرى حتى نسيناه.

 

يا ناس… هناك اختراع هو سبب نهضتهم في الخارج اسمه: الإتقان.

…………..

 

الغضب

 

من أجمل ما كتب فاروق جويدة:

 

اغضب فإن الله لم يخلق شعوباً تستكين

اغضب فإن الأرض تُحنى رأسها للغاضبين

 

اغضب
فإن بداية الأشياء.. أولها الغضب

ونهاية الأشياء.. آخرها الغضب

والأرض أولى بالغضب

 

فاغضب فإن الأرض يُحييها الغضب

 

لم يبق غير الموت

إما أن تموت فداء أرضك

أو تُباع لأي وغد


مت في ثراها

إن للأوطان سراً ليس يعرفه أحد

…………….

 

الصدق

 

الصدق هو الكلمة المختارة هنا للتعبير عن العديد من المعاني مثل: الأمانة، عدم الغش، إقامة العدل، رفض الرشوة، جودة العمل، المباديء، الوفاء بالعهد، الشفافية… الخ . أو باختصار: الضمير

 

 الصدق مطلوب مع النفس ومع الناس ومع الله. والله مع الصادقين.

 

 الإمام الزهري يقول لو أحل الله الكذب لما عرفت كيف أكذب. 

 

 لماذا يكذب الناس؟ خوفاً، أو مجاملة، أو عادة. هناك من يكذب فقط كعادة… رأيت سيدة ترفع سماعة التليفون فترد على أسئلة مثل: متى تسافرون؟ بكم اشتريت الفستان؟ من زاركم بالأمس… وكل إجاباتها كاذبة… سألتها: لماذا تكذبين؟ قالت: عادي … كله بيكذب. ما هو العادي في أن نكذب لمجرد أن نكذب؟!!

 

 نريد الحكومة أن تصدق مع الناس في وعودها، ومسمياتها (الجدار، الإفراج الصحي، مدير عام، عضو منتخب..)

 

رأيت الناس في مصر نوعين: مقهورون ومنافقون. حتى النفاق يحتاج واسطة … تحتاج ظهراً لتكون منافقاً.

………….

ما علاقة الصدق بالنهضة

          هل فعلاً: الصدق منج في مجتمعنا؟!! أم نحن في عالم من المنافقين

          ما هو مصير الكاذبين والمنافقين في مجتمعنا؟ إذا كانوا في القمة فلا أمل في النهضة.

          تخيل أن الكل يكذبون في المحكمة: الخصوم والمحامون والقاضي؟!!

          تخيل أن الكل يكذبون ويزورون في الانتخابات: الحكومة والمعارضة والصحف ولجنة الانتخابات؟!!

          تخيل أن الكل يكذبون في المدارس: الناظر والمدرسون والطلية وواضعو الامتحانات والمصححون

          تخيل أن الكل يكذبون في التجارة: البائع في وصف البضاعة والمشتري في تقدير ثمنها

          تخيل أن الكل يكذبون في العمل: المدير والموظفون والزملاء والمتعاملون

          تخيل أن الكل يكذبون في المعاملات الحكومية: الإقرارات الضريبة، بيانات الأسرة، بيانات السفر والعمل…

 

كيف يمكن أن ننهض، وكيف يمكن أن يرضى عنا الله ونحن على هذه الحال؟!!

 

يقول الإمام علي رضى الله عنه: "ملاك الدين…. الصدق واليقين".

Advertisements