(نشرت لأول مرة في إبريل 2007)

 

لا يذهب خيالك بعيدا، فلا "الدولة الطرية" تعني الدولة الضعيفة التي لا تحكم فيه السلطة قبضتها على الشعب، وتضعف فيها هيبة الحاكم أمام الجماهير،ولا "الدولة الجامدة" تعني بالضرورة الدولة التي تملك جيشاً قوياً وتكنولوجيا متقدمة وقدرة على سحق المعارضين ومنع المظاهرات. 

 

"الطرية" و"الجامدة" هما ترجمتي الخاصة لمصطلحي: soft state  و hard state  وهما لعالم الاقتصاد والاجتماع السويسري جونار ميردال، وقد نقلهما إلى العربية في مطلع التسعينات من القرن العشرين الدكتور جلال أمين واختار لهما تعبيرين أكثر رصانة هما: "الدولة الرخوة" و"الدولة القاسية".   (بالمناسبة عمر نظرية ميردال حوالي 40 سنة، وصاغها قبل الدفعة الأخيرة من الحكام العرب).

 

 الدولة الطرية وفق تعريف ميردالباختصار- هي الدولة الفاسدة المنافقة. هي التي يصبح الفساد فيها هو القانون، وتنحصر فيها معاني الطهارة والشفافية والعدالة والمساواة على الروايات الرومانسية، وحصص التربية القومية، وبرنامج الحزب المكتوب، وخطب الزعيم في المناسبات الدينية والقومية.

 

أنت في دولة طرية عندما تصبح مواد مثل المواطنة و حرية تكوين الأحزاب وحرية التعبير وحق التعليم والصحة وحقوق المرأة والطفل والإنسان مجرد عبارات جميلة في دستور مترهل لا تترجم إلى قوانين، أو تترجم إلى قوانين لا يطبقها أحد، ولا يحترمها أحد.

 

الدولة الطرية هي دولة موبوءة بالفساد. الجميع يسعى إليه، ويعضده ويحميه ويتغذى عليه. الدولة الطرية هي الدولة التي يتنفس أفرادها الرشوة والمحسوبية و استغلال النفوذ والإثراء الحرام. نعم هذا موجود في كل الدول، ومنتشر في بعض الأوساط. لكني هنا لا أتحدث عن حالات فردية تنشرها الصحف، وإنما عن "نمط حياة" لا يجد فيه الصحفي شهية النشر، لأنه من قبيل "الكلب الذي عض رجلاً" (عادي يعني) .

 

سأخبرك كيف يصبح الفساد هو القانون في الدولة الطرية. تبدأ المسألة بإسقاط هيبة القانون المكتوب. الثري وذو النفوذ له من المال والمعارف ما يحميه من سطوة تطبيق القانون عليه. والموظف الصغير يتلقى الرشوة لغض البصر. عندها يكون لكل شيء ثمن: رخصة البناء المخالفة، واستيراد السلعة الممنوعة، والاتجار بالبشر، والإعفاءات الضريبية، والاحتكار، والسلع المهربة من الجمرك، والتعيين في المناصب الحساسة كالشرطة والنيابة، وبدلات السفر الوهمية، ومكافآت اللجان التي لم تعقد، وضمانات القروض البنكية الشكلية.

 

نعم سيدي: في الدولة الطرية يتعايش الفساد ضمن النظام العام، ويتم احترامه كما لو كان هو النظام العام.

 

في الدولة الطرية يدفع الفقير مخالفة المرور ويقتل الغني المارة بسيارته الفارهة وهو يتمتم Sorry،

 

في الدولة الطرية يدخل لص المنازل قفص الاتهام في حين يستقبل لص البنوك في صالة كبار الزوار بالمطار،

 

في الدولة الطرية يحرم أول دفعته من التعيين معيداً بالجامعة بينما تذهب الفرصة إلى ابنة رئيس القسم،

 

في الدولة الطرية يقبض على البقال لمخالفة تموين صباحاً ويحضر الوزير فرح ابن تاجر المخدرات مساء،

 

في الدولة الطرية يعيش 3 مليون في المقابر و3000 في قصور على النيل،

 

في الدولة الطرية يذهب طلبة بعض القرى إلى المدرسة حفاة، ويرتدي ابن المسئول حذاء بألفي جنيه يغيره كل صباح،

 

في الدولة الطرية يطلب من الحلاق 40 ألف جنيه ضرائب سنوياً، ويعفى منها مستثمرو الحديد والصلب طبقاً لقانون حوافز الاستثمار،

 

في الدولة الطرية يناقش موظف الوحدة الصحية في تقرير ذمته المالية، ويستثنى من ذلك أمين التنظيم بالحزب الحاكم،

 

في الدولة الطرية يتظاهر آلاف العمال من أجل 39 جنيه شهرياً قيمة وجبة غذاء فلا يستجاب لطلبهم، بينما تتناول بعض أسر وجباتهم طازجة يومياً من باريس وروما،

 

في الدولة الطرية يفقد عم سيد ابنته بعد أن أصابه نزيف ورفضت المستشفي استقبالها، ويتلقى كلب الهانم جلسات مساج في فندق على الطريق الصحراوي.  

 

الدولة الطرية هي كما وصفها (ميردال) هي: "سر البلاء الأعظم وسبب الفقر والتخلف في الداخل, والمهانة وعدم الاعتبار في الخارج, وفي مثل هذا النموذج من الدول، يدخل الفساد والطراوة في حلقة جهنمية للذبول، فالدولة الطرية تشجع على الفساد, كما أن انتشار الفساد يزيد الدولة ضعفاً ورخاوة".‏

 

هذا جانب من جوانب طراوة الدولة، لكن الدولة لا تستحق هذا اللقب لمجرد أنها فاسدة، وإنما بالأساس لأنها منافقة.

 

خذ عندك أية دولة عربية ولتكن "مهانستان". وقارن خطاب الرئيس ببيان رئيس الوزراء بتعليقات شاب عاطل على المقهى أو موظف يلهث خلف الأتوبيس. تجد أنك أمام 3 مهانستان.

 

مهانستان الرئيس هي الغد الواعد، والبرنامج الذي يتحقق بأعلى من معدلاته، والدستور الذي يعبر عن تطلعات المهانستانيين، وحقوق الإنسان التي هي الهدف الأسمى.

 

ومهناستان رئيس الوزراء هي التحدي الذي نحققه، ومعدلات التنمية المرتفعة وارتفاع جودة الخدمات، وانخفاض نسبة البطالة وحجم الاستثمارات الجديدة، وتطبيقات الحكومة الإلكترونية، وعدد خطوط الموبايل الحالية.

 

أما مهانستان الشعب فهي المعاناة.. الروتين.. انعدام الأمل..ارتفاع سن الزواج… الغلاء… البطالة… التزوير… الهجرة الجماعية… التعذيب في أقسام الشرطة… الطوابير الطويلة… أزمة الخبز والغاز…   

 

الدولة الطرية هي دولة تعاني من انفصام في الشخصية سببه غياب قيمة اسمها: المصداقية.

 

أنت تعيش في دولة طرية إذا:

 

–       كان الرئيس ينادي بالذهاب إلى صناديق الاقتراع وكذلك يفعل وزير الداخلية ومفتي الديار، فإذا خرج الشاب للتصويت لاحقه جنود الأمن المركزي بالهراوات، وإذا تحايل على ذلك وتسلق السلم الخشبي ليهبط من داخل النافذة على مقر لجنة التصويت طرده القاضي، لأن اسمه في البطاقة الانتخابية ثلاثي بينما هو رباعي في الكشف الانتخابي.

 

–       كان ما تعلنه الحكومة عن إنجازات هائلة في الحكومة الإلكترونية، لا علاقة له بما تجده في وحدة المرور، أو هيئة الميناء أو الشهر العقاري أو مصحة الأحوال المدنية أو مكتب الصحة.

 

–       كانت الحكومة تصر على الإبقاء على نسبة 50% للعمال والفلاحين في المجلس النيابي، و هي تعلم أن معظم هؤلاء العمال والفلاحين أصحاب مصانع ورجال أعمال ومستثمرون في البورصة. ومنهم  حاصلون على شهادة الدكتوراه.

 

–       كان الدستور يشجع العمل الحزبي ، وفي نفس الوقت ترفض لجنة الأحزاب السماح بإنشاء أي حزب جاد.

 

–       أعلنت الدولة عن 50% نسبة حضور في الانتخابات، وأعلنت المنظمات المستقلة أن الحضور أقل من 5%. إذا تفاخرت الدولة بالانتخابات النزيهة، ثم ألغت الإشراف القضائي عليها؟!! إذا أعلنت الحكومة أنها استمعت لجميع الآراء.. ثم لم تأخذ منها اقتراحاً واحداً.

 

–       ادعت الدولة أنها تشجع العمل المدني، ثم منعت الانتخابات في نقابة المهندسين منذ 15 عاماً ووضعتها تحت الحراسة.

 

–       شجع الرئيس الناس على الإقبال على العمل السياسي، و تقاعست الحكمومة –بتوجيه من الرئيس- لسنوات عن الدعوة لإتمام انتخاب الدوائر الناقصة في مجلس الشعب في 12 دائرة.

 

           كان الرئيس يدعو في خطبته إلى المواطنة التي تعني المساواة والعدالة وحقوق الإنسان، ولكن الشرطة تحبس "الإنسان" في سيارته 3 ساعات حتى يمر موكب الرئيس لإلقاء خطبته.

 

من حقي أن أرفض أن أعيش في دولة طرية، ومن حقي أن أحلم بدولة جامدة.. قاسية صلبة ناشفة قوية الشكيمة عادلة، تتفق فيها القيم المعلنة مع الممارسات اليومية.

 

ومن واجبي أن أسعي لتحقيق هذا الحلم…

 

و من الغباء أن أظن أن هذا الحلم يمكن أن يتحقق دون تضحيات.

Advertisements