3-اربط مشاعرك باحتياجاتك الحقيقية

والحقيقة أننا لا نبذل جهداً كافياً مع أنفسنا لتحديد هذه الاحتياجات وترتيبها…

 

الإنسان يحتاج إلى الأمان والعطف والتقدير والاحترام والمال والحب والأهمية… الخ. غالباً ما يكون الذي أساء إليك ودفعك للاحتجاج أو الضيق هو محاولة للانتقاص من أحد هذه الاحتياجات… قم بتحديد هذا الاحتياج ثم عبر عنه في جملتك… لا تكتفي بنقل مشاعرك دون ربطها باحتياجاتك.

 

والحقيقة أن تحديد الاحتياج الحقيقي هو أصعب بكثير مما يبدو في الواقع.

 

من الوارد أن تبدي تبرمك بالمطعم الذي دخلته أو الطائرة التي تركبها، أو الطعام الذي وضعته زوجتك على المائدة، أو مستوى ابنك الدراسي، أو تفشي ظاهرة المحسوبية في العمل، أو ارتفاع أسعار الرسوم الحكومية، أو انتشار ظاهرة النميمة بين الزوجات، أو ازدواجية المعايير في السياسة الدولية، أو الاعتداءات الإسرائيلية على المدنيين الفلسطينيين. إلخ..

 

وهنا التعبير عن المشاعر مفهوم ومباشر، ومن الممكن أن تستخدم ألفاظاً من قبيل: التبرم، الضيق، الاحتجاج، الغضب، الرفض، الشجب، التنديد، الدهشة، القلق، الخوف، الانزعاج… الخ وغيرها مما تمتليء به قواميس الدبلوماسية الدولية، وصفحات الشكاوى في الصحف اليومية… ولكن هذا هو الخطوة الأولى فقط. وهو في الحقيقية الخطوة السهلة والمباشرة… الخطوة التالية هو ربط هذا الشعور السلبي الذي استخدمت في التعبير عنه أحد الألفاظ السابقة بالاحتياج النفسي الحقيقي. وهو أمر يعجز عنه كثيرون. وهو لذلك يحتاج إلى مزيد من التدريب والممارسة.

 

أن تقول: أنا غير مرتاح في الوظيفة بسبب عدم الأمان الوظيفي، يختلف تماماً عن أن تقول أن السبب هو ضعف العائد المادي، ويختلف كذلك عن أن تقول: أن السبب هو عدم وجود التقدير اللائق. هنا توضيح الاحتياج الحقيقي يساعد في فهم الطرف الآخر على اتخاذ رد الفعل المناسب.

 

لا يكفي أن تقول أنا غير سعيد مع زوجتي فقط. يجب أن تحدد الأسباب وتربطها باحتياجك النفسي. هل السبب هو عدم توافق الأفكار، أم عدم الاحترام المتبادل، أم سوء معاملتها لأهلك، أم عدم رعايتها للمنزل.. الخ.

 

وحتى على المستوى السياسي. ينقصنا أن نحدد مشكلتنا الحقيقية مع النظام، وما هي النقاط المحددة (المسئول عنها النظام)، والتي تدفعنا للاعتراض عليه وتدعونا لتغييره.

 

سنكتشف مع ممارسة هذا التدريب باستمرار… أن الكثير من مشاعرنا لا ترتبط باحتياجات حقيقية أصيلة، وبالتالي يمكن تجاوزها (مثل أن زوجتي تتأخر في إعداد الطعام)، أو أن السبب الذي نظنه هو مبعث الضيق غير دقيق (مثل أنني أتأخر في الذهاب إلى العمل لأن الطريق مزدحم، والحقيقة أنني أتأخر لأنني فقدت الحماس). أو أن العلاقة بين السبب الذي نظنه والمشكلة التي نشكو منها منتفية بالمرة (مثل أن تقول إنني أريد انتخاب البرادعي، لأن مجموع ابني في الثانوية العامة لا يكفي لدخوله كلية الطب!!).

 

اربط مشاعرك باحتياجاتك، وابحث عن السبب الحقيقي، وعبر عن ذلك بدقة حتى يمكنك أن تنتقل للسبب الرابع.. وهو:

 

4-   حدد مطالبك بوضوح

إذا كانت لديك مشكلة مع الجيران، أو في العمل أو مع أحد والديك، فلا يكفي أن تقوم بالمراحل الثلاثة الأولى… ثم تنهي اللقاء فجأة دون مطالب. لا يكفي أن تطلب حواراً مع مديرك لتشرح وجهة نظرك، ثم تقول في الختام أنا فقط أردت أن أبلغكم أنكم ظالمون… هذه طريقة سلبية تماماً في الحوار… ولكن اطلب بوضوح ماذا تريد…

 

لا يكفي ولا يصح للمرأة أن تقول لزوجها: أنت تعود متأخراً إلى المنزل كل يوم ولم تعد تهتم ببيتك.

هذه الجملة فيها كل أخطاء الحوار الفعال…

هي لم تتحدث عن نفسها،

وقامت بإصدار أحكام عامة …

ولم تتحدث عن مشاعرها…

ولا ما الذي تحتاجه تحديداً…

ثم إنها لم تحدد مطلباً معيناً…

 

غالباً عندما يستمع الرجل إلى جملة من هذا النوع فإنه يرد قائلاً: وهل هناك في البيت ما يجعلني أعود مبكراً… وهو نفسه ارتكب نفس الخطأ. ولا نقبل تبريره أنها هي التي دفعته إلى ذلك.

 

لو قالت: هل تستطيع أن تعود قبل التاسعة مساء… حتى يستطيع الأولاد أن يجلسوا معك قبل أن يناموا لنناقش بعض أحوالهم المتأخرة؟… لأحرجته، ولكان رده مختلفاً.

 

 

هذا نموذج لجملة، جاءت في شكوى أحد العاملين ممن تم تخطيتهم في الترقية، متكاملة خالية من عناصر التعبير البليغ:

 

"أنتم إدارة فاسدة لا يترقى فيها إلا ذوي الواسطة والعلاقات الشخصية (تقييم لا وصف).

كل من قمتم بترقيتهم خلال العامين الماضيين لا يستحقون هذه الترقية. (حديث عن الآخرين لا عن الذات)

إنني لا أريد منكم شيئاً فأنتم بلا قلب ولا ضمير، (غياب لتحديد المشاعر وربطها بالاحتياجات)

فقط أردت أن أكشفكم أمام أنفسكم وأثبت أنكم إداريون فاشلون وسينتهي بكم الأمر إلى خراب الشركة. (عجز عن تحديد المطالب)"

 

لاحظ أنه عند العجز عن الالتزام بمعايير التعبير البليغ، تمتلئ العبارات بكل ما هو سلبي مثل السب، والقذف والتطاول.

 

وفي المقابل هذا نموذج آخر لنفس الشكوى بعد صياغتها وفق منهجية التعبير البليغ:

 

ترقيتي متأخرة من عامين (وصف لا تقييم)،

وهذا الأمر أصابني بالإحباط (نفسك لا الآخرين)،

ويجعلني أشعر بعدم التقدير في الشركة، كما أن دخلي لم يعد يكفيني (مشاعر مرتبطة بالاحتياجات الشخصية).

وإنني على ثقة، من أنكم عند إعادة دراسة ملفي ومراجعة التقارير السنوية، ستتمكنون من إعادة الأمر إلى نصابه، وإصدار قرار بشمولي الترقية، وزيادة الراتب وفق اللوائح المتبعة  (حدد مطالبك بوضوح).

…………..

 

بشكل تقريبي، ودون الاعتماد على إحصائيات موثقة، وفي إطار من أعرف من أصدقاء وأقارب وزملاء، فإن أكثر من 90% منهم يعملون تماماً عكس هذه المفاهيم، وإذا طق أحدهم بعضها مرة، فإنه لا يطبقها في كل مرة. فهم يبادرون بالتقييم ولا يكتفون بالوصف، ويتحدثون عن الآخرين لا عن أنفسهم، ويخطئون في تحديد احتياجاتهم الحقيقية وربطها بمشاعرهم، ويعجزون عن تحديد متطلبات معينة تسهل على الطرف الآخر القيام بمساعدتهم.

 

بقي أن أقول عن تجربة شخصية أنني عندما بدأت ممارسة هذه المفاهيم، أصبحت شخصياً أهنأ حالاً وأكثر اتزاناً. حتى لو كان الطرف الآخر لا يعرف شيئاً عن هذه المباديء، بل ويتصرف تماماً على النقيض منها.

 

التعبير البليغ… هو الطريقة المقترحة لإيصال المعاني والأفكار بطريقة فعالة، ويبقى حتى يكتمل الحوار… على الطرف الآخر أن يتعلم كيف يستمع ويستجيب، ولكن هذا موضوع آخر… وله قواعد أخرى لعلنا نعود إليها في فرصة لاحقة.

 

Advertisements