من حوالي عشرين سنة شاهدت فيلم كرتون يحكي عن مخلوقات فضائية استطاعت أن تصل إلى الأرض، وتتابع الحركة فيها ثم ترفع تقريراً عما شاهدته على الأرض إلى قيادتها في الكوكب الذي جاءت منه

ولأن هذه المخلوقات فضائية ولا تعرف شيئاً عن الأرض… فإنها نزلت في مدينة أمريكية وبقيت تدرس فيها الحركة لعدة ساعات ثم غادرت معتبرة أنها كونت صورة “كاملةو “دقيقة” و “حقيقية” عن الأرض

كان هذا هو ما فهمته هذه الكائنات الفضائية عن الحياة على الأرض كما جاء في تقريرها:

          تسيطر على الأرض مجموعة من الكائنات ذات الألوان المختلفة التي تسير على أربعة أرجل دائرية (يقصدون السيارات).

          يقوم على خدمة هذه الكائنات مجموعة من العبيد يدخلون مباني شاهقة ويمكثون بها بالساعات لأداء طلبات السادة (السيارات).

          تتناول هذه الكائنات الطعام من خلال أنابيب يتولى العبيد إطعامهم على فترات متفاوتة. (يقصدون ملأ السيارات بالبنزين).

          تلتقي هذه الكائنات في ساحات مفتوحة ويمضون الوقت الطويل في الحديث … ولكن لا تصدر منهم أصوات مفهومة إلا عند الحركة كما أنهم يتحدثون ليلاً عن طريق الإشارات الضوئية..

وهكذا مضى التقرير يتحدث عن شيء آخر تماماً… كان كله صحيحاً من حيث أنه يحدث ومشاهد وحقيقي… وكان كله مزيفاً من حيث أنه لا يعبر بالمرة عن الأرض ولا الحياة فيها

إن الكثير مما نشاهده على الفضائيات الدينية… هو ما أسميه: “الإسلام بعيون مخلوقات فضائية”..

فهم رأوا جزءاً من الإسلام ظنوه هو الإسلام كله

وهم لم يفهموا ما رأوه ولم يحسنوا تحليله

وكانت النتيجة أن أصبح الناس (وفق فهم المخلوقات الفضائية) عبيداً عند السيارات كما في فيلم الكارتون..

وأصبحوا (وفق فهم بعض شيوخ الفضائيات) ضالين وفساق ومخالفين وبعيدين عن الهدي النبوي لأنهم يشاركون في الانتخابات، ويحبون آل البيت، ولا يرتدون الجلباب، ويلبسون الساعة في الشمال، ويحلقون لحاهم، ولا يقصرون ثيابهم، ويحتكمون لقوانين المرور الوضعية، ويقولون وحياة أبوك والبقية في حياتك… إلخ.

وليس مهماً أبداً عند هؤلاء قضايا مثل: الأرض المغتصبة، والحكام المستبدين، والتعذيب في السجون، و غرقى الهجرات العشوائية، و فساد ذمم المسئولين، وغياب تكافؤ الفرص،  وسوء توزيع الثروة… إلخ. ولا يرون لهذا علاقة بالدين من قريب أو بعيد. 

……..

هل أقول لكم مفاجأة؟!!إ

إن هذا الفهم الذي نراه عند هؤلاء عن الإسلام  لم يكن موجوداً في مصر من خمسين سنة.

هل أقول لكم مفاجأة أكبر؟!!

إن هذا الفهم للإسلام لم يكن موجوداً أبداً كظاهرة في كل العالم الإسلامي على امتداد 14 قرناً، حتى في أشد حالاته ضعفاً.

اقرأ كل كتب التراث… ستجد أنها تتحدث عن عالم آخر تماماً غير ما يتحدث عنه هؤلاء..

هل أقول لكم مفاجأة أكبر  وأكبر؟ وأجري على الله … !!

إن هذه الأصولية الجديدة… هي أكبر بدعة في تاريخ المسلمين.

……….

في الشركات المتقدمة يعلمون الموظفين الصغار ما يسمى بحديث "العشر ثوان"…

وأصلها أن أي موظف يمكن أن يتعرض لموقف يركب فيه مع شخص غريب المصعد… وهناك فلن يمكثوا أكثر من عشر ثوان… يجب أن يتعلم الموظف كيف يتحدث عن شركته مع هذا الشخص الغريب لمدة 10 ثوان حديثاً ذا معنى … حديثاً مفيداً وملخصاً وعن الشركة، وليس عن وظيفة الموظف في الشركة… فمثلاُ المحاسب في شركة أسمنت… إذا سئل عن شركته، فيجب أن يقول: شركتنا تنتج الأسمنت… ولا يقول: شركتنا تراجع على الحسابات.

وهذا هو ما فقهه – بغير تعليم ولا دراسة- جعفر بن أبي طالب عندما سأله النجاشي عن الإسلام، فقال  بغير تحضير: "بعث الله إلينا رسولاً منا نعرف نسبه وصدقه وأمانته، فدعانا إلى الله نعبده ونوحده، ونقيم الصلاة، وأمرنا بصدق الحديث، وأداء الأمانة، وحسن الجوار" هذا هو الإسلام في 5 ثوان.

وهو ما فقهه ربعي بن عامر عندما قال لكسرى" إن الله ابتعثنا  يعلمنا أن نخرج العباد من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والاخرة" … لخص المسألة كلها في ثانيتين… حتى لم يقل إنه دين يعلمنا الوضوء والصيام والزكاة … وبالطبع لم يقل إنه دين نزل لينهانا عن إسبال الإزار ويأمرنا بإطالة اللحي إلى حد الكف، ويطالبنا بحلق شعر العانة ونتف الإبط.

سألني أحدهم ليلزمني الحجة: "لو بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم اليوم ألن يكون ملتحياً؟" قلت: أعلم أنه لو بعث الآن لأنكر علينا تأخرنا العلمي واحتلال المسجد الأقصى وفساد ولاة أمورنا… أما ماذا سيأكل وماذا سيلبس وأين سيقيم وماذا سيفعل بلحيته فهذا ما لا أعلمه، وما لا سبيل لي لمعرفته، وما لن يفيدني معرفته شيئاَ. سألني وهو يمسك نفسه من الغضب لتطاولي: ألم يقل الرسول صلى الله عليه وسلم "أعفوا اللحى خالفوا اليهود والنصارى"… قلت: من حلقوا لحاهم خالفوا اليهود والنصارى والملحدين… خالفوا ماركس وداروين وبرنارد شو وجوته وليوناردو دافينشي وفولتير وهيرتزل وعشرات غيرهم…. قال منهياً الحوار: ولماذا تطلق لحيتك إذن – وهي لعلمك بوضعها الحالي غير شرعية؟  قلت : لحيتي هي لحيتي أنا طالت أم قصرت. وأنا مهموم بقدر مساهمتي في نهضة الأمة أكثر من همي بعلاقتي مع الحلاق.  

حبذا لو طرح أخونا المهندس عادل سعيد في مدونته المتميزة التي يرتادها عشرات المثقفين سؤال:

من هو المسلم؟

لنعرف هل يمكن أن نتفق على تعريف واحد للمسلم يصلح للعشر ثوان… ونعلنه لغير المسلمين بفخر ودون حياء…

أم أننا سننتهي إلى تعريف يصدر منا نحن المسلمين يرى أن المسلم هو: "الملتحي ذو الذؤابة الطويلة والجلباب القصير الذي لا يشاهد التليفزيون ويبدأ حديثه بالسلام عليكم وينهيه بجزاكم الله خيراً"… وهو تعريف لا يختلف أبداً عن الصورة النمطية التي تمتليء بها الإعلام الغربي عنا… والتي ننكرها عليهم.

إنني – يشهد الله – أحب الكثير من الملتزمين… ولا أنكر سمتهم الجميل… وأحسد المخلصين منهم على حسن عبادتهم وأتمنى أن أكون حارساً على باب علمائهم الربانيين.

مشكلتي ليست مع جماعة بعينها…

مشكلتي مع ضيق الأفق.

………..

ضيق الأفق كارثة…

والنظر إلى الإسلام بعيون مخلوقات فضائية (تتعرف على الإسلام لأول مرة وبدون أية مرجعية من تراث المسلمين الممتد على مدار السنين) كارثة أكبر

ولكنها تعبر عن حالة أمة… ظلت غائبة عن المصادر الأصيلة لدينها سنوات وسنوات… وحين عادت قررت أن تعود ضلت الطريق لأن عيونها لم تعتد بعد على الضوء … وعقولها لم تدرك أنها حين تبعث بعض أفرادها "بورقكم هذا إلى المدينة فلينظر أيها أزكى طعاماً"… فلن يصلح لأن العملة تغيرت والحكام تغيرت والدنيا تغيرت.

الأصولية الجديدة هي أزمة طارئة وإن طالت…

وهي موضة زائلة…

وإن افتتن بها الملايين.

 

Advertisements