هذا ملخص سريع لأهم ما لفت نظري في لقاء العالمين الجليلين الشيخ محمد حسان والشيخ محمد حسين يعقوب على قناة الرحمة مساء أمس السبت 19 ديسمبر 2009.

كان لقاء نورانياً ربانياً بين عالمين جليلين. كان الشيخ محمد حسين يقوب يسأل، والشيخ محمد حسان يجيب… ولا أدري أيهما أبلغ وأجمل: السؤال الموجز المركز أم الإجابة الدقيقة الأمينة.

ولو كان الأمر بيدي لطالبت بنشر هذه الحلقة على جميع الفضائيات ليستفيد منها الجميع خاصة شباب طلبة العلم، فقد كانت مليئة بالتوجيهات والإرشادات التي يحتاجونها في رحلتهما الدعوية الشاقة والماتعة.

أرجو في هذا الملخص أن أكون قد نجحت في نقل معظم ألفاظ الشيخ محمد حسان كما هي. ولا تحرمونا من دعائكم للشيخين… ولي في ركابهما..

 

      الأمة متعبدة بالاجتماع على وحدة العقيدة. الوحدة ليست مجرد دعوة لفضيلة، وإنما هي واجب وأمر تأثم لو لم يتحقق. "واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تتفرقوا"… وهناك نهي عن أن نكون من الذين: "فرقوا دينهم وكانوا شيعاً".

      لا ينبغي أن نختزل التوحيد في شرك القبور أو الحاكمية أو الأسماء والصفات.. هناك خلل يقع فيه بعض المسلمين… وهذا الخلل يصل أحياناً إلى ما ينافي التوحيد ويناقضه.. ولكن الواجب تجاهه هو التبيين والشرح وليس التكفير.. لسنا مكفرين.. والأمة إجمالاً على الخير.. وقد يئس الشيطان أن يعبد بأرضنا… وهي لا تجتمع على ضلالة… وهذه من أكبر المبشرات.

      يجب أن نقبل من العوام "الإيمان المجمل"… ولا نطيل الحديث في علاقة الإيمان بالعمل… وهل هو شرط قبول أم شرط كمال… المهم أن نأخذ بأيدي الناس إلى تصحيح العقيدة… وأن نبدأ بتعبيد الناس لرب العالمين.

      العلم الشرعي يجب أن يكون وسيلة لتجميع الأمة لا لتفريقها… ولكن العلم ليس مجرد معرفة الدليل.. وإنما يجب معرفة تراتيب الأدلة ومناطاتها العامة والخاصة… وهو ما لا يحسنه الكثير من الشباب. وقد جعل البخاري في صحيحه باباً عنوانه: "باب الفهم في العلم" أورد فيه حديث الرسول صلى الله عليه وسلم: "من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين".

      في كل ما سبق نحن نتحدث عن العلم الصحيح.. الذي يجب أن نأخذه من العلماء الربانيين… ماذا نتعلم وممن نتعلم؟ نتعلم أركان التوحيد، ونواقض الإيمان وأركان الإسلام: الصلاة، والزكاة (لمن يزكي) والصيام، والحج (لمن نوى الحج وشرع فيه) هذا هو الحد الأدني الذي يجب علينا أن نتعلمه، ويأثم من لم يتعلمه.

      يقول ابن سيرين: إن هذا العلم دين، فانظروا عمن تأخذون دينكم، وقول الحافظ ابن عبد البر:لا تأخذوا العلم إلا ممن تعرفون سمته. وسمات العلماء الربانيين: العبادة والأخلاق والسلوك وحسن التعامل.

      الأمة قادرة على تمييز العلماء الربانيين من غيرهم. الأمة انتقلت بفضل الله من مرحلة "أزمة الوعي" إلى مرحلة "وعي الأزمة".

      الدين لا يؤخذ من ال "رأيتيون"… الذين يقولون: أنا أرى وأنا رأيت… وإنما يؤخذ ممن يقول: قال الله وقال رسوله.

      هناك ضرورة للتخصص في العلم.. هناك فرق بين الدعوة العامة التي يمكن أن يقوم بها أي مسلم فرد… والدعوة المتخصصة التي يجب أن يقوم بها من حصلوا العلم الشرعي بطريقة صحيحة على أيدي العلماء الربانييين.

      الرباني: يمكن أن تكون منسوبة إلى "الرب" سبحانه وتعالى… وهي نسبة فيها مبالغة في الانتساب بإضافة الألف والنون… بدل أن نقول "الربي"… ومعناه.. العالم الشديد المعرفة بربه، الشديد الحرص على طاعته. ويمكن أن تكون منسوبة إلى الربان أي المرشد والمعلم.

      وقال ابن عباس: كونوا ربانيين أي حلماء فقهاء، ويقال الرباني: الذي يربى الناس بصغار العلم قبل كباره، وقال عطاء: علماء حكماء نصحاء لله في خلقه، والربانيون فوق الأحبار، والأحبار العلماء، والربانيون: الذين جمعوا مع العلم العمل والمعرفة بسياسة الناس.

      الربانية توحد الأمة ولا تفرقها.. ولكن علينا أن نميز بين ثلاث طبقات.. طبقة العلماء وطبقة طلبة العلم وطبقة الزهاد والعباد. والواقع أن لدينا نقصاً في الطبقات الثلاث. ونقصاً في التربية. والأصل في العلماء وهبي (اصطنعهم الله لنفسه) وتمامه كسبي (وهذا هو الدور العلماء والمربين).

      لدى بعض طلبة العلم شعور خاطيء بأن الوعظ أقل شأناً من تحصيل العلم الشرعي المتخصص… ونحن في حاجة ماسة إلى الوعاظ الذين يرغبون الناس في العبادة ويذكرونهم بواجباتهم تجاه ربهم. وأشرف من وعظ هو رسول اللع صلى الله عليه وسلم، وفي القرآن الكريم: "قل إني أعظكم بواحدة".. وفي الحديث عن عرباض بن سارية: "وعظنا رسول الله… " الحديث. الوعظ إذن ليس أقل من العلم ولا عيب فيه.

      وعلى طلبة العلم أن يكفوا عن الانشغال بسفاسف الأمور، وملاحقة العلماء الآخرين ومهاجمتهم والعمل على تسفيه آرائهم.. وعليهم أن يذكروا دائماً قول ابن عساكر: "اعلم يا أخي وفقني الله وإياك لمرضاته وجعلنا ممن يخشاه ويتقيه حق تقاته أن لحوم العلماء مسمومة وعادة الله في هتك منتقصيهم معلومة وأن من أطلق لسانه في العلماء بالثلب بلاه الله قبل موته بموت القلب (فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم".. وقال لرجل تجرأ على أحد الأئمة: "إنما نحترمك ما احتمت الأئمة".

      أقول لكل طلبة العلم: انشغلوا بأنفسكم، واجعلوا لأنفسكم خلوة، وخبيئة من عمل صالح. لن يكتب لكم التأثير في الناس والقبول بينهم إلى بالخلوة وقيام الليل والصق مع الله.

      أقول لكل داعية وطالب علم: تعلم أن ترحم الخلق، وإياك أن تقسو أو تحرج أو تجرح. ليس مطلوباً أن ترحب بالمعصية وتروج لها.. وليس مطلوباً أيضاً أن تتبع عورات المسلمين وتغتابهم.. فإن من يتتبع عورات المسلمين يتتبع الله عورته حتى يفضحه في بيته والعياذ بالله.

      أصحاب القلوب الكبيرة لا يميلون إلى الغلظة والشدة، ولكن إلى الرحمة واللين… "ولو كنت فظاً غليظ القلب لانفضوا من حولك".. وإبراهيم عليه السلام: لم يقل ومن عصاني فإلى نار جهنم وبئس، وإنما قال: "ومن عصاني فإنك أنت الغفور الرحيم"

 

      نحن متفائلون.. والمبشرات كثيرة… ولكن علينا أن نكون واقعيين.. فمرحلة التحول الفكري للأمة تحتاج إلى وقت ولا تكون بين عشية وضحاها. وأعمار الأمم تختلف عن أعمار الأفراد.. الأمة في بدايات التحول.. وهذا يحتاج إلى وقت طويل… وما تم هدمه في عشرات السنين يصعب بناؤه في بضع سنين.

      توحيد الأمة علمياً غير مطلوب… وربما يكون مستحيلاً. وهو لم يحدث ولن يحدث… ويبدو أن هذا هو أمر قدري: "ولا يزالون مختلفين"… وكما قال الإمام الشاطبي: الاختلاف المذموم هو الاختلاف في أصل الملة.

      كيف عالج الرسول صلى الله عليه وسلم فهوم الناس المختلفة؟ هو صلى الله عليه وسلم كان قدوة في هذا الباب… واستخدم أسلوب "سددوا وقاربوا". و "إذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه، وإذا أمرتكم بشيء فإئتوا منه ما استطعتم".

      الشباب الذين يسارعون في الشبهات لم يتربوا تربية صحيحة. و كثير منهم يركز على المظهر أكثر من تركيزه على الجوهر. ويظن أن اللحية والثوب القصير ستحميه من الوقوع في فتنة الشهوة وفتنة الشهوة. اللحية والثوب القصير يجب أن تكون حافزاً له لتحسين جوهره، لا بديلاً عنه.

      أنصح الشباب أن يبذل جهداً أكبر في القرب من الله تعالى وألا يكتفي بسمته الخارجي. الشباب ضعيف العبادة أكثر عرضة للوقوع في الأخطاء. وحتى يقي الشاب نفسه ويحصنها لابد من ورد من الليل، ولابد من الذكر الطويل، ولابد من قراءة القرآن الكريم والصدقات وقيام الليل وصيام النوافل، وبغير ذلك فهو على خطر عظيم، خاصة إذا أصابه داء العجب والكبر.

      الداعية الذي ليس له حال مع الله لا يمكن أن تنتفع به الأمة فضلاً عن أن ينفع هو نفسه.

      لابد من العلم و لابد من أن يصحب هذا العلم خشوع. الذي يقوم الليل لا يمكن أن يكون سليط اللسان ولا بذيء الكلام. من يقوم الليل يظهر هذا في وحهه، وبدون قيام وخشوع فلن تتحرك الدعوة، ولن ينفع العلم.

 

      كم من مذكر بالله وهو ناس نفسه وربه، وكم مناد للقرب من الله وهو بعيد عنه. فعلى كل مشتغل في هذا الطريق أن يكثر من محاسبة نفسه، وأن يحذر من أن يكون ممن يقولون ما لا يفعلون، فإن أول من يسعر في النار عالم لا يعمل بعلمه.

      أعداء الأمة موجودون في الداخل والخارج. وهم يريدون أن يبعدوا الناس عن الإيمان فهذا هو ما يسبب وهن الأمة وضعفها. أعداء الخارج مقدور عليهم المشكلة في أعداء الداخل. أحذر إخواننا من التصارع الداخلي لأنه السبب الرئيس في نكسة الأمة.

      دور الحاكم ضروري. فإن الله يزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن. وإذا انحرف الحاكم عن المنهج شق الأمر على الأمة أن تعود لرشدها. الحاكم الملتزم يسعد ويُسعد، والحاكم الضال يشقى ويٌشقي.

      واجب على الحكام أن يعودوا إلى شرع الله وأن ينبذوا القوانين الوضعية. ولا بأس من أن يأتي المتخصصون ليضعوا القوانين في شئون الحياة المختلفة المتفقة مع الشرع والمنضبطة بتوجيهاته.

      من المؤسف أن الحكام يخشون العلماء ويعملون على إبعادهم. ولا أدري ما الذي يخيف الحكام من العلماء الذين لا يملكون إلا الكلمة والنصيحة والتوجيه. نحن لا نريد سياسة ولا نريد حكماً. كل ما نريده أن نُحكم بالإسلام، ولا يهمنا من يحكمنا.

      قرب الحكام من العلماء يضيق الكثير من الهوة، ويوحد الأمة ويجعلها أقوى على مواجهة أعدائها.

      خلاف التنوع يثري العمل الإسلامي… وخلاف التضاد يفسده.

      يجب أن يكون مرجعنا كتاب الله وسنة ورسوله، وليس كلام أحد من الأئمة أو العلماء.. وكما يقول شيخ الإسلام ابن تيمية:  " ليس لأحد أن ينصب شخصا يدعو إلى طريقته، ويوالي ويعادي عليها غير النبي صلى الله عليه وسلم ولا ينصب لهم كلاما يوالي عليه  ويعادي غير كلام الله ورسوله وما اجتمعت عليه الأمة ".

      لا يصح أن يكون ولاؤنا ودعوتنا لأشخاص أو أفراد فمن تعصب لإمام فهو من عمل أهل البدع الذين ينصبون لهم شخصا أو كلاما يفرقون بين الأمة،  وليس هذا من فعل الصحابة.

      دور البيت في تنشئة الأولاد هو الدور الأول. وبالرغم من أن تأثير المدرسة والإعلام والنادي وغيرها كبير إلا أن الدور الأكبر يظل للبيت… ولذلك ففي الحديث الشريف: "كل مولود يولد على الفطرة… فأبواه يهودانه.. الحدث" لم يقل فالمجتمع أو المدرسة أو القبيلة وإنما الأبوان. فأهم شيء يخاف منه ويؤثر على تربية الأولاد هو "أبواه". فليعلم كل رب أسرة عظم هذه المسئولية وخطورتها، وليجتهد في أن يربي أولاده وفق هدي الله وشرعه الحكيم.

      يجب أن نهتم بتربية أنفسنا على الجدية في كل شيء.. لا بأس من الترفيه ولكن بضوابطه الشرعية. قال النبي صلي الله عليه وسلم: ما يبكيك يا حنظلة؟ فقال: نكون عندك يا رسول الله فتذكرنا الجنة والنار فكأنا رأي عين فنخرج من عندك وإذا بنا عافسنا الزوجات ولاعبنا الأولاد وعالجنا الضيعات ونسينا كثيرا.. فقال النبي صلي الله عليه وسلم: يا حنظلة إنما هي ساعة وساعة.

      وعلينا أن ننتبه إلى معنى الساعة في هذا الحديث. فساعة الترفيه التي تحدث عنها الرسول صلى الله عليه وسلم هي ساعة في الحلال من متاع الدنيا والعمل.. كالجلوس مع الأهل أو متابعة أحوال العمل… أما ما يقوم به بعض الشباب من قضاء الساعات أمام القنوات الإباحية أو الأغاني الخليعة أو غير ذلك، فليس أبداً من الساعة المسموح بها في الحديث الشريف.

      لا يجب تضييع الحق ولا تمييعه. يجب أن نتحلى بالجدية في كل ما نقوم به ونعمله حتى يرزقنا الله تعالى القبول.

      أدب المرء عنوان سعادته في الدنيا والآخرة.. وشقاوته في قلة الأدب. وأعلى درجات الأدب الأدب مع الله تعالى و الأدب مع رسوله والأدب مع المسلمين.

      المسلم الحق هو الذي يدعو الخلق إلى الحق بحق.

 ………………

أعلم أن هذا التلخيص مخل بجلال اللقاء وجماله، ولكن هذا جهد المقل. تقبل الله منا ومنكم صالح الأعمال… وأعاننا على طاعته، واستعملنا في مرضاته، وغفر لشيوخنا الأجلاء… وألحقنا بالصالحين على خير.

 واللقاء متوفر على العديد من المواقع لمن أراد أن يستمع إليه كاملاً.

وبالله التوفيق.

Advertisements