كيدزانيا أو Kidzania هي دولة للأطفال.

 

عرفها العالم لأول مرة عام 1999 في المكسيك ثم انتشرت بعد ذلك في طوكيو وجاكرتا ولشبونة… وأخيراً في دبي التي افتتحت في مول دبي على مساحة 80 ألف مقدم مربع (مساحة ملعبين لكرة القدم) وبتكلفة تجاوزت 70 مليون درهم. ويعمل فيها 300 موظف من 40 جنسية مختلفة. أشهر مدن كيدزانيا العالمية هي المقامة في طوكيو والتي عرض لها المذيع السعودي النابه أحمد الشقيري في خواطر 5 ضمن سلسلة حلقاته عن اليابان.

 

 

 

 

كيدزانيا التي زرتها مع أطفالي في دبي هي نموذج لدولة مصغرة للأطفال من سن 4 سنوات وحتى 14 عاماً. في اليابان غير مسموح بدخول الكبار إلى دولة كيدزانيا… وفي دبي حيث نضيف النكهة العربية المميزة غير مسموح بدخول الأطفال بدون مصاحبة الكبار… عموماً هذا جيد لي.

 

تدخل دولة كيدزانيا بتذكرة قيمتها حوالي 175 جنيهاً مصرياً… لتمضي فيها ما شئت من الوقت… كان حجم الأطفال والكبار الذين ينتظرون الدخول كبيراً رغم أننا في وسط الأسبوع… عموماً تحملت طول الطابور الطويل… وأخذت تذكرتي مع الولدين… وتسلمت شيكاً بمبلغ 70 كيدزو (عملة كيدزانيا) وكان على أبنائي التوجه للبنك لصرف شيكاتهم من داخل الدولة الجديدة بعد عبور الحدود.

 

في الدولة ستجد مئات الأطفال وعائلاتهم… يتحركون في شوارع كيدزانيا وبين مبانيها الصغيرة المصممة للأطفال. في البداية ستتوه لا تعرف من أين تبدأ… وعليك أن تتبين طريقك وحدك. (تمام زي ما توصل محطة مصر لأول مرة )

 

ستجد مباني للشرطة ومطافي ومستشفي وعيادة أسنان وإسعاف وبريد وحلاق رجالي وصالون تجميل نسائي وجامعة وجريدة ومسرح وحلية سباق ومعهد لتعليم قيادة السيارات وأماكن بناء ومدارس متعددة لتعليم الرسم والطهي والموضة والتمثيل… كلهم للأطفال… يعمل بهم أطفال… ويرتادهم أطفال… ويشرف عليهم بعض الكبار بتدخل محدود للغاية. (شغل الأطفال مش حرام ولا عيب)

 

ستكتشف بعد دقائق من دخولك أنك إذا اكتفيت بالنقود التي صرفتها من البنك فستنفقها في لعبة أو لعبتين وتبقى طيلة الوقت في كيدزانيا عاطلاً جائعاً… لا توجد في كيدزانيا مؤسسات لمساعدة العجزة والعاطلين… وكان عليك حتى تكسب المزيد من النقود أن تعمل.. ومن حسن الحظ أن هناك مكتب للتوظيف. (ناس بتفكر)

 

توجه إليه ابني وهناك أجروا له اختباراً لتحديد الشخصية وتسلم خطاب توصية بناء على تحليل شخصيته، يوصي بالعمل في ثلاث جهات هي: مصور في جريدة، وعامل بناء وراقص في المسرح القومي… (حاجة تفرح).

 

لا توجد واسطة ولكن هناك ازدحام شديد في الواقفين على باب الوظائف (طائرات كيدزانيا لا تتوقف عن إدخال مهاجرين جدد كل دقيقة). يمكن أن يقف الطفل في الصف لمدة تزيد عن نصف ساعة حتى يحصل على دوره في العمل (الصبر جميل). المهن ليست شاقة ولا صعبة وبها بعض المتعة…ولكن الأجور متدينة (حتى أنت يا كيدزانيا).

 

وهكذا تمضي الحياة بالأطفال في كيدزانيا كأنهم مجموعة من الراشدين… بين الدراسة أو الترفيه (حيث ينفقون النقود) أو العمل (حيث يكسبون).. والمحرك الرئيسي لكل ما نراه حولنا هو النقود والعمل… أطفال الإطفاء يطفئون حريقاً في فندق، وأطفال الإسعاف يسعفون مصاباً في حادث بناء، والفتيات دون السابعة يقدمن عروضاً  للأزياء أو يعملن في رعاية العرائس أو يشتركن في طهي بيتزا وهمية أو يساعدن طبيبة الأسنان في الكشف على دمية بحجم رجل.

 

وهكذا يتعلم الأطفال الدرس الأكبر في كيدزانيا: لا حياة بلا نقود… ولا نقود بلا عمل…. ولا عمل بدون تعليم ومهارة.

 >>>>>>>>>>>

 

دروس من كيدزانيا:

 

مكثت مع أولادي في كيدزانيا حوالي 4 ساعات… ولا أظن أنني أو هم في شوق لتكرار التجربة قريباً … وهذا أهم ما خرجت به من دروس:

 

1-   تبدو كيدزانيا رائعة في تعليم الأطفال قيمة العمل والصبر والمال والنظام … لكنها خالية تماماً من أي بعد روحي أو أخلاقي (اكتشفت في نهاية الرحلة باباً صغيراً مكتوب عليه "حجرة الصلاة"… لكنه كان مغلقاً لا يفتح).

 

2-   هناك فرق بين كيدزانيا طوكيو و كيدزانيا دبي… في كيدزانيا طوكيو عيادة بيطرية لا توجد في دبي… وفي دبي مطاعم لا توجد في طوكيو. أطفال طوكيو جادون وملتزمون وصبورون وصامتون… وأطفال دبي لعبيون وغير ملتزمين ومتعجلون ويصرخون طول الوقت. (لسه بقول العيب في الكبار مش في الصغار)

 

3-   تظهر في كيدزانيا الفروق بين أطفال الدول المختلفة.. أو في الحقيقة بين أسرهم.. فينما اكتفت الكثير من الأسر العربية بالجلوس على المطاعم والمقاهي الحقيقية في كيدزانيا لتناول الماجدونالدز والبيتزا والمشروبات الغازية (لا أظن أنها متاحة في كيدزانيا طوكيو)… ومارسوا كل مساويء التبذير الرديء بالنقود الحقيقية (بلا كيدزانيا بلا بهدلة).. وفي المقابل كنت ترى أطفال الأجانب والهنود يتحركون في كل مكان يعملون ويكسبون الكيدزو … وينفقون ما كسبوه في الألعاب والمتعة… وهكذا تمضي بهم الحياة.. الأطفال هم الأطفال ولكن أسرهم هي التي تنهض بهم أو تفسدهم (تذكرت صديقي له أولاد من زوجة أجنبية وأولاد آخرون من زوجة مصرية… يقول لي: لا أعرف لماذا أولاد المصرية يلقون بالأوراق في الشارع.. وأولاد الأجنبية يضعونها في صندوق القمامة؟!!).

 

4-   لأن الطوابير طويلة ومملة… هنا تظهر الفروق الأخلاقية.. فوجئت بأم خليجية لا يبدو وجهها خلف غطاء الوجه أصرت على وضع ابنها أمام ابني في الصف… قلت لها: يا سيدتي هذا صف ويجب أن يلتزم الجميع بإتباع التعليمات.. قالت لي ببرود وتحد: لقد كان في الصف وخرج لإحضار شيء وها هو الآن يعود. كنت أعلم أنها كاذبة… ولكني لم أشأ أن أفسد اليوم بنقاش عقيم… لكني لم أستطع أن أمنع نفسي من أقول لها: نحن هنا في كيدزانيا ولسنا في الإمارات. لكنها لم تكترث، وأكدت على ابنها بصوت أسمعه.. سأتركك الآن ثم أعود.. إياك أن تترك مكانك لغريب. (لا أدري ماذا يعلمون أبناءهم؟).

 

5-   في كيدزانيا العديد من المهن بداية من الجراح وحتى مذيع النشرة. ومن المدرس حتى عامل الإطفاء.. ولكني لاحظت أن هناك بعض المهن لا توجد في كيدزانيا… ومع ذلك هي دولة ناجحة جداً… لعلنا نراجع هذا في حياتنا اليومية… في كيدازانيا لا يوجد وزارات ولا وزراء.. و لا مشايخ وقساوسة، ولا مراقب حسابات، ولا منادي سيارات، ولا قاضي، ولا مندوب مبيعات، ولا مؤرخ ولا فيلسوف. (نسيت أقولكم: في كيدزانيا لا يوجد رئيس).

 

6-   أنشط مؤسسات كيدزانيا دبي هو المسرح… كل ربع ساعة عرض خاص من الأطفال… بين الرقص والتمثيل والموضة… والإقبال عليه كبير جداً سواء من الأطفال المشاركين أو الكبار المتفرجين. جلست وسط مجموعة من الأسر في قاعة المسرح … ونادت المذيعة على عرض الأزياء… وتقدمت الموديلات: شمة وحصة وشيخة… وسط لينا ونانسي وجانيت.. كنت أشعر أن الخجل يكتسي وجه الآباء وهم يشاهدون بناتهم (بين السابعة والتاسعة) بمكياج صارخ يستعرضون أحدث الموديلات على المسرح ويحيون الجمهور بشغف ودلال (الموضوع محتاج مراجعة).

 

7-   مهما طالت إقامتنا في كيدزانيا… ومهما تعلقنا بها وأعجبتنا سيأتي يوم نخرج فيه منها عبر مكتب الهجرة والجوازات… خارج كيدزانيا لا قيمة للكيدزو… هم لا يطلبون منك تسليمه… ولكن حتى لو أخذته معك فهو عملة عديمة القيمة. عرفت أطفالاُ لم يوفقوا بين العمل والمتعة… أمضوا معظم وقتهم في العمل… جمعوا بعض النقود.. ولم يكن لديهم وقت لإنفاقها. فوجئوا أن كل ما جمعوه بلا قيمة… حتى لو لم يكن عليهم تسليمه عند بوابة الخروج… (فعلاً: كل من عليها فان).

 

8-   أجمل ما صادفني طفل في السابعة من عمره… كان يقف خلف ابني في الصف الطويل للعب بالسيارات.. وحين جاء دوره لم يكن معه 10 كيدزو ليدفعها حتى يسمحوا له بالدخول.. كاد يبكي وأهله ليسوا معه الآن.. أشفقت عليه ودفعت له النقود… وإلا كان عليه أن يتأخر ساعة أخرى حتى يحصل على دوره الجديد… فالصف طويل جداً.. دخل واستمتع باللعب (جميل الإحساس بالعطاء).. مع انتهاء اللعب كان ابني الأكبر قد عاد بعد مهمة عمل مرهقة في الجريدة ب 8 كيدزو من كده وعرقه. خرج الطفل من اللعب دون أن يشكرني بكلمة واحدة (لا بأس فلست في حاجة لشكره).. وعلى بعد عدة أمتار أمكنني مشاهدته من جيبه يخرج نقود كيدزو كثيرة كان قد خبأها.. تأكد منها ثم أعادها في جيبه مرة أخرى… ليقف في صف لعبة جديدة… ويتظاهر أما م ساذج جديد بأنه فقير معدم.. أو تائه مسكين… أو عابر سبيل.

 

حتى في كيدزانيا… نصابون.

 

Advertisements