اقترض مزارع مبلغاً كبيراً من المال من أحد التجار المرابين. وأراد المرابي الطاعن في السن والدميم الشكل والسيء السمعة أن يستغل دين المزارع ليتزوج من ابنته الجميلة.

 

 

كان للمرابي نفوذ كبير، وكان معظم أهل القرية يتجنبونه ولا يحبون أن يعترضوا عليه، فله ديون عند كثيرين منهم، كما أنه كان لدودا في الخصومة، وكثيراً ما شرد أعداءه في السجون أو حملهم على الهجرة والرحيل.

 

 

حاول المرابي التودد إلى الفتاة لكنها كانت دائماً تصده، فاستصدر أمراً بسجن أبيها لعدم وفائه بالدين، ثم بدأ يساوم أباها… ونجح المرابي عن طريق أعوانه وأصدقائه في أن يقدم عرضاً يحظى بمباركة كبار رجال الدولة…  مفاده أن يترك "للعناية الإلهية" حق تقرير مصير الفتاة.

 

 

ومن المؤسف أن أهل القرية المغلوب على أمرهم وافقوا أيضاُ على هذا العرض رغم قناعتهم بأنه عرض غير عادل وغير أمين.  وخلعوا أيديهم وقالوا: للفتاة رب يحميها. ثم إن لديها فرصة للنجاة، ولن يخذلها الله.

 

 

كان اقتراح المرابي على النحو التالي: سيضع حصاتين واحدة سوداء و الأخرى بيضاء في كيس فارغ، وعلى الفتاة أن تلتقط أحد الحصاتين. ويكون الحكم الذي سيشهده كل أرض القرية على النحو التالي:

 

 

1- إذا التقطت الحصوة السوداء، تصبح زوجته ويتنازل عن دين أبيها.

2- وإذا التقطت الحصوة البيضاء، لا تتـزوجه ويتنازل عن دين أبيها.

3- أما إذا رفضت التقاط أي حصاة وأصرت على الرفض ، فسينفذ حكم السجن بوالدها.

 

وفي اليوم المشهود اجتمع أهل القرية جميعاً في الساحة، ليشهدوا ماذا ستفعل الأقدار في شأن ابنتهم… وتقدمت الفتاة من المنصة وكأنها تساق إلى حبل المشنقة…  في صدر المشهد كان يجلس المرابي وبجواره مجموعة من الأعيان ليصدقوا على الحكم فور سحب الفتاة للحصاة.

 

كان المرابي في أقصى لحظات سعادته ونشوته، وانحنى على الأرض وأخذ منها حصاتين ليضعهما في الكيس لتبدأ التجربة. ولكن الرجل الخبيث الماكر التقط حصاتين سوداوين ووضعهما في الكيس. وهكذا لم يكن يفصل بينه وبين الظفر بالفتاة الفاتنة إلا عدة لحظات.

 

لم تكن الفتاة وحدها هي التي شاهدت الرجل يضع حصاتين سوداوين… وإنما جمع من الحضور من كبار القوم وصغارهم شاهدوا فعلة الرجل الخبيثة لكن أحداً لم يفتح فمه.

 

حاولت الفتاة الجريئة لفت نظر الناس إلى هذه الحيلة الدنيئة… وصرخت بأنه لا يوجد في الكيس حصوة بيضاء… وأن هذا مخالف للعدالة… لكن أحداً لم يسمعها… وتكفل بعض أعوان المرابي بالتشويش على كلماتها…

 

وقال لها القاضي بحنان كاذب وإغواء محبوك: هيا يا ابنتي …. لقد ارتضينا بحكم العناية الإلهية…. وأنت في كل الأحوال كاسبة فستنقذي أباك المسكين… وربما تنجحي أيضاً في الإفلات من الزيجة التي ترفضينها. وحتى إذا اختار لك القدر الزواج بالرجل… فستنعمين بثروة طائلة وستعيشين في بحبوحة من العيش.

 

 

كانت عينا المرابي تلمع بالنصر المضمون… و عقل القاضي يحسب المبلغ الذي ينتظره في نهاية التمثيلية خاصة بعد كلمته المؤثرة للفتاة والتي تتعارض مع مهنيته كقاض… كانت قلوب الحاضرين تدمع من أجل المصير الدامي الذي ينتظر الفتاة… الوحيد الذي احتفظ بحقه في الفرصة الأخيرة هو الفتاة.

 

 

في لحظات… وضعت خطة ونفذتها بنجاح… وكان لها ما أرادت وأنقذت نفسها من المرابي القميء… وكافأتها العناية الإلهية بما تستحق وسط تهليل الجماهير.

…………………….

 

 

موقف الفتاة هو بالضبط موقف محمد البرادعي…

 

 

الكل يعرف أن الانتخابات الرئاسية هي كذبة كبيرة… ولكن الكل يقول له العب اللعبة… واسحب إحدى الحصاتين… مع تمام قناعتهم أن كلتيهما سوداء…  والكل ينتظر العناية الإلهية… ولكن العناية الإلهية لا تكافيء إلا المجتهدين… وليس المتكلين المستسلمين.

 

 

لم ينصت أحد لقول الفتاة بأن الاختيار ينطوي على خدعة… وساقوها جبراً لتختار بين الحصاتين… وهو ما يحدث الآن مع البرادعي… لا أحد متحمس لتغيير الدستور… وكل الأحزاب السياسية تقول له: أنت مش أحسن مننا… ادخل الانتخابات حتى لو متأكد إنك ها تسقط… لأنك بذلك تنقذ أباك من السجن والتنكيل.

 

 

ماذا فعلت الفتاة؟ حتى يقلدها البرادعي لو أراد؟

 

 

الفتاة فكرت في الحصوة البيضاء… وليس في الحصوة السوداء…

 

 

الفتاة نجحت في  تحويل اللعبة من 100% ضدها إلى 100% معها.

 

 

أدخلت الفتاة يدها في الكيس وقبضت على أحد الحصاتين وسحبتها من دون أن تفتح يدها وتنظر إلى لون الحصاة. ثم تحركت وسط الجموع  وهي لا تزال تغلق على قبضة يدها… و قالت لهم: ادعوا لي أن تكون هذه الحصاة بيضاء… ساندوني في محنتي…. قفوا بجانبي… يا رب كن معي ومع أبي المسكين… ماذا اخترت لي يارب… وشرعت ببطء تفتح كف يدها..

 

 

وفجأة…

 

 

تعمدت أن تتعثر لتقع وتسقط الحصاة من يدها في الممر المملوء بالحصى المشابه من كل لون. وبذلك يستحيل الجزم بلون الحصاة التي التقطتها.

 

 

صدرت همهمات خافته ولكن قبل أن يعلق أحد وقفت الفتاة وقالت تتصنع الأسف : "يا إلهي لقد أوقعتها … و لكن حتي لا تقولوا إنني أريد إفساد التجربة سأواصل ولن أنسحب …  وسأقبل يما قسمه لي ربي.. بإمكاننا أن نتعرف على لون الحصاة التي سقطت مني بالنظر إلى لون الحصاة التي في الكيس".

 

 

 

وقبل أن يعترض أحد أسرعت إلى الكيس واستخرجت منه الحصاة الباقية …. ورفعتها أمام الجميع: وقالت الحمد لله … الحمد لله… هذه الحصوة سوداء… إذن فما سحبته هو الحصوة البيضاء… أشكرك يا رب.. أشكرك يارب…

 

 

وفي نفس اللحظة… وقبل أن يستعيد أحد قدرته على التفكير: قالت: أشكرك يا حضرة القاضي..  فقد شجعتني على أن أخطو هذه الخطوة الشجاعة حتى ظهر الحق… أشكركم يا أيها الجمهور الكريم… فقد وقفتم جانبي طوال الوقت حتى أنصفني الله.  أشكرك يا رب فقد كنت لي نعم الحكم العدل.

 

هنا…

 

وهنا فقط…

 

هتف الناس: يحيا العدل… يحيا العدل…

 

وحملوا الفتاة وطافوا بها شوارع القرية… وعاد المرابي إلى بيته يجر أذيال الهزيمة.

………

 

 

هل يفعلها البرادعي ….. كما فعلتها الفتاة؟!!

 

Advertisements