"اقرأ باسم ربك الذي خلق"  هي الآية الأولى نزولاً في القرآن الكريم.

وهي – بغير مصادفة – في سورة العلق. والعلق هو الصورة الأولى للحياة.

اقرأ هي سر الحياة.

 

هل تعرف ما معنى الأصل اللاتيني لكلمة "دين" religion   باللاتينية… إن المصطلح اللاتيني religio  مشتق من كلمة relegere  والتي تعني "أن تعيد القراءة" أو تحديداً "أن تقرأ من جديد مرة تلو الأخرى"… لا تقل إن الأمر مصادفة…. الدين أن تقرأ ثم تعاود القراءة… سواء كان هذا يعني ممارسة الصلاة بشكل متكرر… أو كان معناه إعادة التأمل في الكون للتعرف على المزيد من معجزات الخالق سبحانه وتعالى.

اقرأ هي روح الدين.

 

والأمر: "اقرأ"  نقله جبريل للرسول صلى الله عليه وسلم في أول اتصال بين السماء والأرض للرسول صلى الله عليه وسلم بعد سنوات من التحنث في غار ثور. فهو أمر كريم نقله رسول كريم (جبريل) إلى رسول كريم (محمد صلى الله عليه وسلم) ليكون شعار أمة كريمة (المسلمين).

 

وكأن الله تعالى يقول لنا بقدر التزامكم بهذا الأمر والتوجيه… تستحقون لقب خير أمة.

…………..

 

والقراءة لا تعني التلاوة والتلفظ المسموع، وإنما تعني الوعي والفهم والإدراك الذي يتحول معه "النص" المكتوب إلى مباديء حاكمة للسلوك وقيم صالحة للتطبيق.

 

و أمر "اقرأ" أمر دائم ومتكرر.

لا تقرأ مرة واحدة فتحصل على "شهادة" بأنك قاريء  فتكف بعدها عن القراءة، وإنما…

 

اقرأ اليوم واقرأ غداً واقرأ دائماً..

اقرأ الماضي واقرأ الحاضر و اقرأ المستقبل

اقرأ نفسك واقرأ الآخرين

اقرأ بكل اللغات وبمختلف الأوجه الممكنة ووفق جميع الاحتمالات

 

اقرأ

ولا تتوقف عن الفهم والاستيعاب وإعادة القراءة

ولا تظن أن قراءة الأمس تغني عن قراءة اليوم

وأن فهم الأمس سيتوافق بالضرورة مع فهم اليوم

إعادة القراءة ليست تكراراً.. وإنما تأكيد وتصحيح وتقويم للفهم وضبط للسلوك.

 

في كل يوم نقرأ الفاتحة كل يوم سبع عشرة مرة لعلنا في مرة نعرف حقيقة المراد منا… وحتى إذا عرفنا فعلينا مواصلة القراءة لنعرف المزيد.

 

وفي كل الأحوال علينا أن نقرأ بتوافق تام مع مسألتين: "باسم ربك": عالم الغيب، و "الذي خلق" عالم الشهادة المرتبط بالغيب… القراءة المادية وحدها ناقصة، وكذلك القراءة الروحية.

 

يبعث الله على رأس كل مائة سنة من يجدد لهذه الأمة دينها… تجديد الدين ليس إلا تنفيذاً مباشرة لأمر اقرأ، أو إعادة قراءة فهمنا عن الدين ودورنا فيه.

 

التفاسير المختلفة للقرآن الكريم هي تنفيذ مباشر لأمر اقرأ.. أو هي قراءة مختلفة ومتجددة للنص القرآني.

 

وفي كل عصر سنجد من يعيد كتابة السيرة النبوية الشريفة… لأنه ينفذ أمر اقرأ.

 

وهناك مذاهب فقهية مختلفة، وأحكام فقهية تتغير وفق مقتضيات العصر والظروف… تنفيذاً ل "اقرأ". يقال إن الشافعي بعدما انتقل من العراق إلى مصر… وفي أقل من 4 سنوات أعاد قراءة كتابه الأم، وأعاد قراءة واقعه … فغير كل فتاويه في الكتاب إلا عشرين مسألة.

………………

 

ولربما يقول قائل إن علماءنا وشيوخنا الأجلاء يقرأون كثيراً ويحفظون كثيراً حتى أنهم يوردون الحديث كامل السند وتام التخريج ويعلمون كثيراً من مسائل كتب الفقه… ويحفظون كثيرا من قصص الرقائق.

 

وهذا كله جميل…

غير أنه ليس هذا فقط هو ما أراده الله ب أمر "اقرأ"… وما أراده الله تعالى ليس الحفظ والتسميع "باسم ربك"… وليس من أجل هذا "خلق" الله الإنسان وعلمه بالقلم … علم الإنسان ما لم يعلم.

 

أرجوكم احفظوا هذه الجملة: "العلم هو الكشف عن المجهول لا تحصيل المعلوم".

 

والعلماء الكبار لم يحصلوا على جوائز نوبل لأنهم حفظوا كتاب الفيزياء… فهذ فعل طلبة المدارس الفاشلين… ولكن لأنهم أضافوا الجديد مما لم يكن مكتوباً في الكتاب.

 

والشافعي صار الإمام الشافعي ليس لأنه حفظ القرآن صغيراً… ولكن لأنه وضع كتاب "الرسالة" الذي لم يسبقه إليه أحد… والبخاري صار البخاري لأنه وضع "الجامع الصحيح" الذي لم يسبقه إليه أحد، وأحمد بن حنبل صار الإمام أحمد لأنه وضع "المسند" الذي لم يسبقه إليه أحد… والغزالي صار الإمام الغزالي لأنه وضع "الإحياء" الذي لم يسبقه إليه أحد، وابن عطاء الله صار الإمام لأنه وضع "الحكم العطائية" التي لم يسبقه إليها أحد، وابن تيمية صار ابن تيمية لأنه وضع عشرات الكتب، وسيد قطب والغزالي والقرضاوي وجمال حمدان … وهكذا

 

لا علم بالتكرار والاجترار.

 

العلم بإعادة القراءة وإعادة الفهم وإعادة إنتاج المفاهيم.

 

والعلماء الذين تنتقص الأرض بموتهم ليسوا هم حفظة النصوص، فالنصوص الآن بحمد الله ووعد الله محفوظة ورقيا وإلكترونياً كما لم تكن من قبل….

 

الأرض تنتقص بموت المجددين والمصلحين والمجتهدين… لا النقلة والحفظة والمقلدين.

……………….

 

لم تكن مشكلة جهاز الاستخبارات المركزية الأمريكية حين فشل في منع هجمات سبتمبر هو غياب المعلومات… وإنما عجزه عن قراءتها.

 

وليست مشكلتنا اليوم كمسلمين هو غياب النصوص الملهمة والتراث العريق وإنما عجزنا عن استيعابه وفرزه والبناء فوقه …. ليس الغرق فيه.

 

يقول مارسيل بروست: إن الاكتشافات الجديدة لا تأتي من زيارة أماكن جديدة… وإنما تأتي من النظر إلى الأماكن القديمة بعيون جديدة.

 

كم مرة زرت المسجد الحرام والروضة الشريفة …. عشرات المرات؟!! ماذا لو كانت لك في كل مرة قراءة جديدة ومشاعر جديدة و فيوضات جديدة و مناجاة جديدة ودموعا جديدة.

 

وهذه هي القيمة الحقيقية ل "اقرأ".

 

لدينا نفس القرآن الكريم … ونستمع إليه من نفس الشيوخ… ولدينا نفس الكون… ونفس الناس… ونفس القوانين الطبيعية…

ومع ذلك  علينا أن تكون لنا عقول جديدة تقرأ لنا ما لم يقرأه الأوائل.

 

وهذا ممكن إذا تذكرنا أننا لا نستخدم أكثر من 10% من قدراتنا الذاتية…

وهذا واجب إذا كان هذا هو الوسيلة الوحيدة التي تحمينا من الانقراض.

 

لقد أثبت لنا القرن العشرين أكثر من أي وقت مضى أن القيمة الحقيقية ليست فيما تعلمناه (فهذا بعد سنوات سيكون تاريخاً يضاف إلى المتاحف) وإنما القيمة الحقيقية هي كيف أعددنا أنفسنا لنتعلم من جديد. القيمة الحقيقية هي في قدرتنا على توليد علوم ومعارف جديدة… القيمة الحقيقية في "اقرأ".

………….

 

إن كل مظاهر التأخر الفكري والحضاري التي تعاني منه الأمة اليوم هو نكوص عن أمر اقرأ… وفي جلسة عصف ذهني واحدة جمعت مع بعض الأصدقاء أكثر من ثلاثين مظهراً من هذه المظاهر لا تخطئها عين المتابع لما يجري على ساحة الفكر الإسلامي اليوم، كان منها:

 

  • الجمود الفكري والتقليد المذهبي
  • التزيد الشكلي والتقعر اللفظي والتشدق الكلامي
  • مخاصمة العصر واحتقار الإنتاج الفكري المعاصر
  • غياب العقل النقدي رفض استخدام أدوات التحليل والنقد الحديثة
  • غياب فقه الأولويات
  • العجز عن تقييم المصالح والمفاسد
  • التفتيش في النوايا
  • الخلط بين النص المقدس والرأي البشري
  • الانعزالية وقلة الثقة أمام الفكر الغربي
  • تقديس القدماء وترديد آرائهم بغير نقد وتمحيص
  • غياب فقه المقاصد
  • تعظيم الصغائر والانشغال بالجزئيات عن الكليات وتقديم النوافل على الفرائض
  • العجز عن التأصيل والتحقيق والقفز إلى النتائج بغير تحليل العواقب
  • السفسطة في الحوار
  • التحيز إلى الفئة والجماعة والطائفة والطريقة
  • استعارة المفاهيم من عصور غابرة والتمسك بها رغم فقد صلاحيتها مع الزمن
  • ذيوع ثقافة التلقين وحشو الذهن بشروح المتون
  • غياب موازين التمييز بين الأصول والفروع
  • الإسراف في التركيز على القضايا الهامشية
  • الانكفاء على مقولات وفهوم القدماء
  • ضمور ثقافة الشورى والنفور من الحوار مع الآخر
  • الاعتساف في فهم النصوص
  • الميل للتشدد والتطرف والغلو في التحريم
  • التوسع في التبديع وتضييق هامش الحرية والإبداع
  • التعصب للشيوخ والتسليم لفتاويهم ولو كانت بغير دليل راجح
  • العجز عن تعلم اللغات الأجنبية والتقليل من أهميتها.

هذا في جلسة واحدة… فكيف لو كررنا الجلسات.؟!

………….

 

اقرأ

لعلك تخرج من هذه الجب الذي يعوقك عن التقدم والمشاركة الفعالة…

 

اقرأ

لعلك تكون ممن اختارهم الله تعالى ليحقق لهم:

"علم الإنسان ما لم يعلم".

 

 

 

Advertisements