لا أدري هل أصفق للبابا شنودة كما فعل المئات ممن حضروا عظة الأحد بالكنيسة الأسبوع الماضي حين رفض حكم المحكمة الإدارية العليا (أعلى سلطة قضائية في القضاء الإداري) بإلزام الكنيسة بمنح تصريح بالزواج لأحد رعاياها لا يلزم الكنيسة. وإعلانه أنه سيقوم بشلح أي بابا يقوم بمنح هذا التصريح، وأنه إذا تعارضت أحكام القضاء مع أحكام الإنجيل، فلن يطبق إلا أحكام الإنجيل…. وأن حكم المحكمة هو حكم مدني وليس كنسياً…. ولم يغفل البابا في كلمته الإشارة بأن رفضه الالتزام بهذا الحكم يتوافق مع الشريعة الإسلامية التي تعطي لأصحاب الأديان والملل الأخرى الحق في أن يديروا أمورهم بالطريقة التي تتفق مع تعاليم ومباديء دينهم.

 

هل أصفق للبابا على التزامه بتعاليم الدين وعدم رضوخه لأية ضغوط تخالف هذه التعاليم، أم أرثى لضياع هيبة القضاء والدولة.

…………

 

القضية لمن لم يعرفها رفعها أحد الأزواج المسيحيين ممن تم تطليقه من زوجته من سنوات بقرار كنسي. وفي الوقت الذي منحت فيه الكنيسة بعد ذلك لمطلقته تصريحاً بالزواج مرة أخرى قامت على إثره بالزواج من شخص آخر، ترفض الكنيسة منحه هذا التصريح، وتقول إنه إن أراد أن يتزوج فليفعل ذلك بعيداً عن الكنيسة. وهو ما اعتبره إجحافاً بحقه، وعدم عدالة في الأحكام فرقع قضيته آنفة الذكر. 

 

المحكمة استندت في حكمها على لائحة الأحوال الشخصية للمسيحيين الأرثوذوكس الصادرة عام 1938 ـ ولا يوجد لدى المحكمة قوانين أخرى تستند إليها لإصدار أحكامها. أما الكنيسة فلا تعترف بهذه اللائحة، و تطالب بتغييرها. وتقول إنه بخصوص القضية المشار إليها فإن الكنيسة لا تحكم بالتطليق إلا لعلة الزنا، وأنه إذا زنا أحد الزوجين وتم تطليقه، فإنها لا تصرح له بالزواج مرة أخرى حسب تعاليم الإنجيل، وإلا كانت كمن يشجع على ارتكاب الفاحشة.

 

وجهة النظر الأخرى ترى أن هذا التضييق في المعاملة، وعدم التجاوز عن الأخطاء السابقة هو الذي يؤدي إلى الاستمرار في الخطيئة، أو تغيير الملة أو حتى تغيير الديانة، وأن روح الإنجيل لا تقول بذلك، ولا يمكن أن تشجع عليه.

 

الخلاف بين وجهتي النظر خلاف تقليدي، ويشبه تماماً الخلاف بين النصوصيين من الإسلاميين وبين المجددين. وسيستمر لسنوات ولا يمكن حسمه، وليس لنا أن نتدخل فيه.

 

ما لفت نظري أكثر هو الجرأة والثقة التي تكلم بها البابا شنودة، والتأييد الواسع الذي لقيته كلمته. وتساءلت هل مصر دولة دينية أو دولة مدنية؟ ولفت نظري أن أشد المؤيدين للبابا في عدم ولاية الدولة على أحكام الكنيسة من رجال ونساء البرلمان والمثقفين الأقباط هم أعلى الأصوات عداء للمادة الثانية من الدستور (التي استشهد بها البابا دفاعاً عن رأي الكنيسة)، وهم أكثر المحذرين من طغيان الصوت الديني للإسلاميين على مدنية الدولة وعلمانية قوانينها.

…………

 

هل تسمح هذه السابقة لشيخ الأزهر أن يرفض حكماً قضائياً لأنه لم يطبق حد الزنا أو حد السرقة، ولماذا سمعنا أصوات التنديد بتصريح عابر لشيخ الأزهر السابق حين طالب بتطبيق حد القذف (الجلد) على الذين يلوكون في أعراض الناس؟ هل سنسمع للأزهر صوت ينادي بتحريم تقديم الخمور على الطائرات المصرية.

 

>>>>>> 

 

جاء في بيان الاتحاد المصري لحقوق الإنسان الذي أصدره أمس تعليقاً على الحكم القضائي:

 

هذا الحكم الغير المسبوق فى تاريخ القضاء المصرى، رتب تداعيات أهمها – :

 

– أن هذا الحكم قد تعرض وبصورة غير مسبوقة للسلطة الدينية الممنوحة لرجال الكنيسة من صميم ما جاء بالكتاب المقدس وهو لا طلاق الا لعلة الزنا وهو ما يعد فى رأينا اغتصابا للسلطة الدينية واقحام الحكم نفسه رقيبا على اعمال تدخل فى صميم الاعمال الدينية من العقيدة المسيحية.

 

– أن هذا الحكم ايضا قد انتهك الدستور وخالف أحكام الشريعية الإسلامية نفسها إذ ان المادة الثانية من الدستور والتى تعتبر الشريعية الإسلامية المصدر الرئيسى للتشريع فى مصر، وقد حسمت أحكام الشريعة الاسلامية القول بترك المسيحيون ما يدينون به، وليحكم أهل الأنجيل بما انزل الله، أي أن المسيحيون يحتكمون إلى كتابهم المقدس بكل ما يتعلق بأحوالهم الشخصية وشريعتهم الخاصة وهو لا طلاق الا لعلة الزنا وهو ما اكده ايضا القانون 462 لسنة 1955، وإذ خالف هذا الحكم تلك القواعد فانه يكون قد انتهك الدستور وخالف احكام الشريعة الاسلامية .

 

– أن هذا الحكم ايضًا أوجد صراعًا بين قلة ضئيلة لها مصالح وأغلبية ساحقة لا ترى فى غير الكتاب المقدس بديلا بما يؤثر بالتالى على السلام الاجتماعى .

 

– أن هذا الحكم فتح السنة كثيرة لتلوك رمزًا هامًا وقيادة  كنسية كبيرة مثل قداسة البابا شنودة الثالث الذى يحظى باحترام كافة مسيحيين مصر ومسلميها، فرأينا أقلامًا باهتة تارة ترسل انذارًا لتحذر البابا بحبسه فى حالة الامتناع عن تنفيذ هذا الحكم وتارة اخرى تصفه بالمتصلب وانه دولة داخل دولة .

 

– أن هذا الحكم قد أثار حفيظة ملايين المسيحيين فى الداخل والخارج وانعكس ذلك فى شكل مظاهرات وكتابات حيث اصيبوا فى اعز ما لديهم هو عقيدتهم وكتابهم المقدس وخلط بين امورًا مدنية وامورًا دينية وروحية.

 

…………….

 

وفي نفس اليوم أصدرت محكمة القضاء الإداري حكماً بأحقية الجامعات في منع المنقبات من دخول الامتحانات.

 

قولوا لي:

 

الكلمة النهائية في مصر للقضاء أم للدين (إسلامي أو مسيحي) أم للذراع والفتونة ؟

 

قولوا لي:

ألا يوجد اتحاد مصري لحقوق المسلمين يصدر بياناً مشابهاً… يتحدث عن الاعتداء اليومي السافر والمستمر من الشرطة والقضاء والتعليم والإعلام والصحة على: "أعمال تدخل فى صميم الأعمال الدينية من الشريعة الإسلامية".

 

مصر على المحك.

ولا أحد يستطيع أن يجزم…

إلى أين يمكن أن يقودها قطار التغيير.

 

إلى أين أنت تتجهين يا مصر؟!!

……………………

 

 

Advertisements