القصة بدأت عام 1992 عندما تقدم الدكتور نصر أبو زيد بمجموعة من أعماله للحصول على الترقية لدرجة أستاذ، وأوقعه حظه العاثر أمام الدكتور عبد الصبور شاهين أستاذ علم اللغة بكلية دار العلوم، الذي كتب تقريراً غلب عليه الحدة والانفعال والاستفزاز، جاء فيه إن كتب المرشح تتضمن: "العداوة الشديدة لنصوص القرآن والسنة والدعوة لرفضهما. والهجوم على  الصحابة، وإنكار المصدر الإلهي للقرآن الكريم، والدفاع عن الماركسية والعلمانية وعن سلمان رشدى وروايته (آيات شيطانية) مع ما حفلت به من متن لا أدبي, وعفونة خرجت من أحشاء كافر مرتد ". وهي لغة ليست معتادة في البحث العلمي، لكنها ليست مستغربة في ظل الظروف التي أريد بها تمرير الترقية.
وقد نشر الدكتور أبو زيد نص التقرير كاملاً في كتابه: "التفكير في زمن التكفير"، كما نشره في مقدمة الطبعة الثانية من كتابه "نقد الخطاب الديني" ، ولم يكن في التقرير كلمة واحدة تشير إلى كفر أو تكفير أبو زيد، كما شاع بعد ذلك وكرره نصر حامد نفسه. وإنما خلاصة ما جاء به أن أبحاثه بها "الكثير من الأخطاء التاريخية والعلمية، وأنه يجعل العقل الغيبي غارقا في الخرافة والأسطورة، مع أن الغيب أساس الإيمان. وأنه ينعي على الخطاب الديني أن يرد كل شيء في العالم إلى علة أولى هي "الله" ويرى أن ذلك إحلال ل "الله" في الواقع ونفي لل "إنسان" كما أنه إلغاء للقوانين الطبيعية والاجتماعية. وهو يدافع بحرارة عن الماركسية الفكر الغارب ويبرئها من تهمة الإلحاد، بل ويقول بخطأ تأويل الماركسية بالإلحاد والمادية، ولعله يتصور أن ماركس كان مؤمنا روحاني النزعة". وختم الدكتور شاهين تقريره  بقوله: "إن أبحاثهجدلية تضرب في جدلية لتخرج بجدلية تلد جدلية تحمل في أحشائها جنيناً جدلياًمتجادلاً بذاته مع ذاته- إن صح التصور أو التعبير. وليست هذه سخرية، ولكنها كانت النتيجة التي يخرج بها قارئالكتاب غير المنشور حتى الآن".
وقد كان الرجل محقاً في هذا الوصف، فالدكتور أبو زيد كمفكر مجتهد يفكر أسرع مما يكتب، ولا يستقر به الحال عند فكرة إلا لحقها بما يناقضها، وما أودعه في كتابه "مفهوم النص" كان يحتاج منه إلى كثير من المراجعة قبل أن يخرج بالصورة التي خرج عليها، والتي أمكن بسهولة للمتربصين به (أو الياحثين عن العفريت بتعبيره)  أن يقتطعوا منها العديد من الفقرات ليحاكموه بشأنها، فقد بحثوا عن العفريت (التجاوزات) فطلع لهم، فأخذوها إلى المحكمة، فحكمت لصالحهم في الاستئناف والنقض، ورغم أنه حاول الدفاع بعد ذلك عن آرائه، وتوضيح ما قصده بكتابته عبر الندوات الخاصة واللقاءات التليفزيونية ولكن ذلك كان بعد فوات الأوان.
لا يفوتني هنا أن أشير إلى الصراع المستمر وغير المعلن بين كلية دار العلوم وكلية الآداب، و هو صراع يعود إلى أيام طه حسين. أو قل هو صراع بين ممثلي الفكر الإسلامي والعلمانيين في الجامعات المصرية خاصة في أقسام الفلسفة واللغة العربية والتاريخ. وقوانين الترقية لدرجة أستاذ تستلزم أن يكون هناك مقيم خارجي أي من خارج الكلية التي تقدم منها المرشح بأبحاثه. ومثل هذا القانون كان يستهدف الموضوعية في التقييم والبعد عن المجاملة، لكنه انتهى إلى سيف مسلط في أيدي الأساتذة الكبار من الفريقين يستخدمونه في تصفية الحسابات والمقايضة وتحقيق الانتصارات، وأعرف عدداً من الأساتذة من المحسوبين على التيار الإسلامي الذين دفعوا ثمن هذا الصراع عبر تعنت أسماء مثل جابر عصفور وعاطف العراقي ومراد وهبة وحسن حنفي وغيرهم من الكبار فتأخرت ترقياتهم شهوراً وسنوات، ولم تجد معهم الشكاوى ولا الاعتراضات. ولا زال الصراع مستمراً ولم يستطيع حله وزراء التعليم العالي المتعاقبون ولا المجلس الأعلى للجامعات، وظل أحد الأدوات التي تستخدمها السلطة من أجل إبقاء التوتر قائماً وهو ما يحتفظ لها بدور الحكم دائماً والحكيم أحياناً.
كان من الممكن رأب الصدع بسهولة، وتكرر هذا في عشرات الحالات السابقة. ولم يكن للدكتور عبد الصبور شاهين أن يقبل أن يضع اسمه على تقرير يجيز ترقية أستاذ يختلف معه فكرياً إلى حد النقيض، خاصة مع ما ترشح من اتهامات من أبو زيد لشاهين في مسألة توظيف الأموال وعلاقته بالريان. واقترح الدكتور مأمون سلامة رئيس جامعة القاهرة حينذاك – وهو رجل منصف وحكيم- أن يتم اختيار مقيم آخر غير الدكتور شاهين والقبول بتقريره، وهو ما يعني عملياً اختيار مقيم من الجناح الآخر من الأساتذة الذي سينتهي بتقرير إيجابي وتحل المشكلة، وكاد الدكتور أبو زيد يقبل غير أن أصدقاءه نصحوه بالرفض والتصعيد، وأوهموه أن الحق معه… ولعلهم أرادوا بهذا التصعيد أن يبعدوا الدكتور شاهين من الجامعة، فانقلب السحر على الساحر.
تولى الصحفي اليساري لطفي الخولي مهمة التصعيد في صفحة الحوار القومي بالأهرام التي كان يشرف عليها في الأهرام، وأتاح الفرصة لعدد من المدافعين عن موقف أبو زيد للتعبير عن رأيهم والتباكي على ما انتهى إليه حال حرية البحث العلمي في الجامعات المصرية، وفي المقابل انبرى فهمي هويدي في صفحته بالأهرام ومحمد عمارة في جريدة الشعب وآخرون للدفاع عن موقف شاهين، ورفض التطاول على المقدسات باسم البحث العلمي النزيه. وخرجت المعركة عن حدود السيطرة.
اعتبر الدكتور شاهين القضية ماسة بالعقيدة، وأن أي تهاون فيها هو ثغرة يمكن أن ينفذ منها العلمانيون لاحتلال المزيد من المواقع في جامعة القاهرة، وتدريس الفكر المادي للطلبة (وكأن أبو زيد هو الوحيد الذي يقوم بذلك)، وأصدر كتاباً بهذا المعنى جعل في عنوانه: "انحسار العلمانية عن جامعة القاهرة"، وخرجت المسألة من قبة الجامعة إلى منبر جامع عمرو بن العاص الذي كان يلقي فيه خطبة الجمعة، ثم منابر بعض المساجد في الهرم التي كان يخطب فيها عدد من تلامذته.
ومع اشتعال الحملة اقترح المرحوم الأستاذ/ صميدة محمد صميدة المحامي والمستشار السابق أن يرفع دعوى قضائية ضد الدكتور أبو زيد للمزيد من الضغط عليه. و كقانوني ضليع عرف أن كتابات أبو زيد لن تسعفه في استخدام المواد 160 و 161 من قانون العقوبات والتي تجرم "ازدراء الأديان" (بالمناسبة كان المقصود بالأديان عند وضع هذه المواد: الشيوعية)، فاختار طريقاً شائكاً وهو رفع دعوى حسبة للتفريق بين الدكتور أبو زيد وزوجته بعد أن قدم من الأوراق والدراسات والعبارات الصريحة من كتابات الدكتور أبو زيد ما يؤكد أنه يستحق هذا الوصف.
وفي حديث أجراه الدكتور شاهين مع جريدة الدستور قبل عدة أشهر نفى أن يكون له أي دخل بالقضية، كما نفى أنه قد صرح بكفر نصر أبو زيد وهو يعلم خطورة التكفير (فقد باء بها أحدهما)، وعلى الجانب الآخر فقد سئل الدكتور أبو زيد في لقاء مع أيمن عبد الرسول مراسل جريدة الأزمة عن رأيه في عبد الصبور شاهين: فقال عنه: رجل طيب. وقد تعرض الدكتور عبد الصبور شاهين لاتهام مشابه بالتكفير حين نشر كتابه "أبي آدم" الذي رأي فيه أن هناك جنساً آخر قبل الإنسان اسمه: البشر، وأن آدم عليه السلام وإن كان أبو الإنسان، فهو ليس أبو البشر. ولكن قضيته مرت بسلام، على الرغم من توصية مجمع البحوث بمصادرة الكتاب ومنعه من التداول.
أما ما جاء في نص حكم محكمة النقض عن أسباب حكمه بردة نصر أبو زيد، ووجوب تفريقه عن زوجته فقد كان حاسماً ومشفوعاً بالعديد من الاستشهادات الشرعية كأنه بحث أكاديمي كتبه أزهري قديم، وقد خلا تماماً من أية إحالات إلى مواد في القانون المصري، لأنه استند إلى مادة في القانون تتيح للقاضي في الأحوال الشخصية إذا لم يجد نصاً في القانون يؤيد ما ذهب إليه أن يعود إلى أصول مذهب الإمام أبي حنيفة، ويبدو أن هذا كان مخططاً ممن رفع الدعوى وممن ترافع فيها. هذا وقد صدر حكم النقض في أغسطس 1996 يعد قرابة عام من هجرة الدكتور أبو زيد مع زوجته إلى هولندا في أكتوبر عام 1995، وهو ما يفسر الهدوء الذي تلقى به النبأ، وكأنه تحصيل حاصل.
لاحظت أن المحكمة لم تسأل نفسها إن كانت زوجته تؤمن بأفكاره أم لا؟ فإن كانت تفعل فلا محل للتفريق بينهما فكلاهما غير مسلم، كما أن المحكمة لم تعلق على رأيها في حكم المئات إن لم يكن الألوف الذين يؤمنون بأفكاره ويروجون لها.!!
غداً بإذن الله تعالى، ننشر مقتطفات من حكم محكمة النقض البات والنهائي.
Advertisements