فى يوم الاثنين الموافق 20من ربيع أول سنة 1417 هـــ الموافق 5 من أغسطس 1996 م  أصدرت محكمة النقض- الدائرة المدنية والتجارية والأحوال الشخصية، حكمها في قضية تفريق نصر أبو زيد وزوجته، وبعد مقدمة طويلة استعرضت فيها أوراق الدعوى، والطعون الثلاثة المقدمة، ومنها طعن من النيابة على الحكم، أشارت المحكمة في مقدمة ضافية إلى أهمية مرجعية الكتاب والسنة، واستعرضت العديد من الأدلة من الكتاب والسنة التي تؤكد على أن النص القطعي لا يجوز الخروج عليه أو الانفلات منه بدعوى تأويله، ثم قالت بالنص:
ومن المقرر لدى فقهاء الشريعة الإسلامية أن الردة هي الرجوع عن دين الإسلام وركنها التصريح بالكفر إما بلفظ أو فعل يتضمنه. ويعتبر كافراً من استخف بالقرآن الكريم والسنة النبوية أو استهزأ بهما أو جحدهما أو كذبهما، أو أثبت أو نفى خلاف ما جاء بهما مع علمه بذلك عناداً أو مكابرة أو تشكك في شي من ذلك، أو عبد أحداً غير الله أو شرك معه غيره،أو أنكر وجود الله أو أياً من خلقه مما أخبر عنه الله فى القرآن الكريم، بأن أنكر الجنة أو النار أو القيامة أو الغيب والبعث والحساب أو الملائكة أو الجن والشياطين أو العرش والكرسى،أو جحد نبوة محمد صلى الله عليه وسلم أو بعموم رسالته للناس كافة، أوشك فى صدقه، أو أتى المحرمات مستحلاً لها دون شبهه أو أمتنع عن إتيان فعل يوجبه الإسلام إذا أنكر هذا الفعل أو جحد أو استحل عدم إتيانه كأن يمتنع عن أداء الصلاة أو الزكاة أو الحج جاحداً منكراً ويعتبر الممتنع أو الجاحد كافراً إذا كان ممن لا يجهل مثله الحكم الشرعى، فإن كان  ممن لا يعرف مثله ذلك كحديث العهد بالإسلام فإنه لا يعد كافراً.
وكذلك الحكم فى إنكار مبادئ الإسلام كلها،لأن أدلة وجودها لا تكاد تخفى والكتاب والسنة ذاخران بأدلتها والإجماع منعقد عليها فلا يجحدها إلا معاند للإسلام ممتنع عن إلتزام أحكامه غير قابل لكتاب الله تعالى وسنة رسوله وإجماع أمته.
ويعتبر خروجاً عن الإسلام الجهر بأن القرآن من عند غير الله أو أنه من نظم البشر أو أن الشريعة الإسلامية لا تصلح للتطبيق فى هذا العصر أو أن فى تطبيقها تأخر المسلمين وأنه لا ينصلح حالهم إلا بالتخلص من أحكامها، وإن كان الاعتقاد المجرد بما سلف لا يعتبر ردة، إلا أنه يعد كذلك إذا تجسد فى قول أو عمل ويكفى عند جمهور الفقهاء ومنهم الحنفية لاعتبار الشخص مرتداً أن يتعمد إتيان الفعل أو القول الكفرى مادام قد صدر عنه بقصد الاستخفاف أو التحقير أو العناد أو الاستهزاء ولا يندفع حكم الردة إذا تحقق ما تقدم وإن ادعى المرتد أنه مسلم لإتخاذه موقفاً يتنافى مع الإسلام،لأن الزنديق يموه بكفره ويروج عقيدته الفاسدة ويبطن الكفر ويدعى الإسلام .
 لما كان ذلك، وكان الثابت مما أبداه الطاعن الأول فى مصنفاته المبينة بالأوراق أنها تضمنت –وفقاً لصريح دلالتها وما لا احتمال معه لأى تأويل –  جحداً لآيات القرآن الكريم القاطعة بأن القرآن كلام الله، إذ وصفه بأنه " منتج ثقافي" وأن الإيمان بوجود ميتافيزيقى يطمس هذة الحقيقة ويعكر الفهم العلمي للنصوص، وينكر سابقة وجوده فى اللوح المحفوظ ويعتبره مجرد نص لغوى ويصفه بأنه يتنمي إلى ثقافة البشر وأنه تحول إلى نص إنسانى "متانس" منحياً عنه صفه القدسية استهزاء بقيمته، وينكر أن الله تعالى هو الذى سمى القرآن بهذا الاسم جاحداً للآيات القرآنية التى صرحت بذلك مع كثرتها.
وذكر فى أبحاثه أن الإسلام ليس له مفهوم موضوعى محدد منذ عهد النبوة إلى يومنا هذا، وهو قول هدف به إلى تجريد الإسلام من اى قيمة أو معنى ووصفه بأنه دين عربي لينفى عنه عالميته وأنه للناس كافة، ووصف علوم القرآن بأنها تراث رجعى، وهاجم تطبيق الشريعة ونعت ذلك بالتخلف والرجعية زاعماً أن الشريعة هى السبب فى تخلف المسلمين وانحطاطهم،ويصف العقل الذي يؤمن بالغيب بأنه غارق فى الخرافة، وصرح بأن الوقوف عند النصوص الشرعية يتنافى مع الحضارة والتقدم ويعطل مسيرة الحياة.
ويتهم النهج الإلهى بتصادمه مع العقل بقوله: "معركة تقودها قوى الخرافة والأسطورة باسم الدين والمعانى الحرفية للنصوص الدينية وتحاول قوى التقدم العقلانية أن تنازل الخرافة أحياناً على أرضها " وهذا من الكفر الصريح، وكشف الله عنه بقوله تعالى "وإن يروا كل آية لا يؤمنوا بها حتى إذا جاءوك يجادلونك يقول اللذين كفروا إن هذا إلا اساطير الأولين " والأساطير معناها الأباطيل أو الأحاديث التى لا نظام لها ومفردها أسطورة، وهو ما نعت به الطاعن الدين والنصوص الدينية زاعماً أنهما ينطويان على خرافة،
ويقول إن تثبيت القرآن فى قراءة قريش كان لتحقيق السيادة القرشية التى سعى الإسلام لتحقيقها، وكأن القرآن لم ينزل إلا لتحقيق سيادة قريش، ويهزأ برسول الله صلى الله عليه وسلم ويلمزه بقوله " موقف العصبية العربية القرشية التى كانت حريصة على نزع صفات البشرية عن محمد وإلباسه قدسية إلهيه تجعل منه مشرعاً "  وينكر حجية السنة النبوية وأن الإسلام دين الوسطية، ويدعو إلى المروق من النصوص الشرعية بقوله: "لقد آن أوان المراجعة والإنتقال إلى مرحلة التحرر لا من سلطة النصوص وحدها قبل أن يجرفنا الطوفان "،
وأبحاثه فيها اتهام للقرآن والسنة والصحابة والأئمة ومنهم الشافعى وأبو حنيفة بالعصبية الجاهلية، فحارب الإسلام فى نصوصه ومبادئه ورموزه واعترض على نصيب البنات فى الميراث راداً بذلك  ما ورد بالقرآن الكريم بنصوص قطعية محكمة فى هذا الصدد،
وتمادى فى غلوه بالدعوة إلى التحرر من النصوص الشرعية بزعم أنه ليس فيها عناصر جوهرية ثابتة وأنها لا تعبر إلا عن مرحلة تاريخية قد ولت، وهذا رمى لشرع الله بأنه غير صالح لكل الأزمنة،
ويصف إتباع النصوص الشرعية بالعبودية، وينكر أن السنة وحى من عند الله ويدعى أنها ليست مصدراً للتشريع متحدياً بذلك الآيات القرآنية العديدة التى وردت فى هذا الشأن على خلاف إجماع الأمة،
وسخر من أحكام الجزية وملك  اليمين مصوراً الإسلام بالتسلط رغم تسامحه وحضه على عتق الرقاب،
وأنكر أن الله ذو العرش العظيم وأنه تعالى وسع كرسيه السموات والأرض وأن من خلقه الجنة والنار والملائكة والجان رغم ورود آيات القرآن الكريم قاطعة الدلالة فى ذلك، متجاهلاً هذا، وسخر من نصوص الكتاب العزيز مستخفاً به بقوله " النص القرآنى حوَّل الشياطين إلى قوة معوقه وجعل السحر أحد أدواتها " بما معناه أن القرآن الكريم حوى كثيراً من الأباطيل،
وسار على هذا النهج المضاد للإسلام فى مقاصده وعقائده وأصوله بجرأة وغلو وتجريح نافياً عن مصادره الرئيسية ما لها من قداسة، ولم يتورع فى سبيل ذلك أن يخالف الحقائق الثابتة حتى التاريخية منها، وكان هذا هو منهجه، وهو مدرك لحقيقته وفحواه فى ميزان الشريعة، إذ أنه نشا مسلماً فى مجتمع إسلامى ويعمل أستاذاً للغة العربية والدراسات الإسلامية بكلية الآداب جامعة القاهرة ويقوم بتدريس علوم القرآن ومثله لا تخفى عليه أحكام الإسلام وأركانه وأصوله وعقائده، بل إنه يدعى الفقه والعلم، وذلك حجة عليه،
وإذ أنكر ما هو معلوم من الدين بالضرورة بالنسبة لأى مسلم لم ينل حظاً من التعليم أو الثقافة الدينية، فإنه يعد مرتداً عن دين الإسلام، لإظهاره الكفر بعد الإيمان، وما تذرع به من أن ما صدر عنه من قبيل التأويل، فهو مردود، وذلك بأن التأويل لا يخرج الباحث عن أصول الشريعة والعقيدة ومقاصدها وأركانها ومبانيها،والتأويل له ضوابط ومعايير أوردها علماء أصول الفقه، وإلا كان سبيلاً لأصحاب الهوى للمروق من شرع الله والإنفلات من كل نص شرعى وتشريع بما لم يأذن به الله بما يفضى إلى الضلال والإضلال، وليس من التأويل مهاجمة النصوص الشرعية والاستهزاء بها وإهدارها بقصد النيل منها ووصف الالتزام بأحكامها بالتخلف والدعوة إلى ترك شرع الله إلى ما سواه وإنكار ما هو معلوم من الدين بالضرورة.
 لما كان ما تقدم وكان من المقرر فى قضاء هذه المحكمة -أن لمحكمة الموضوع السلطة التامة فى فهم الواقع وتقدير الأدلة ومنها المستندات المقدمة فيها والموازنة بينها وترجيح ما تطمئن إليه منها وتراه متفقاً مع واقع الحال فى الدعوى، وإذ خلص الحكم المطعون فيه على ما حصله مما ورد بأبحاث الطاعن الأول التى – لم ينكر صدروها عنه – أن ما عناه بمدلول النصوص على النحو الذى ذكره بها – نصوص القرآن الكريم والسنة النبوية وأن آراءه التى ضمنها مؤلفاته وأحصى الحكم بعضاً منها بمدوناته هى من الكفر الصريح الذى يخرجه عن الملة بما يعد معه مرتداً عن الدين الإسلامى ويوجب التفريق بينه وبين زوجه.
…………………..
وفي معرض ردها على طعن النيابة قالت المحكمة:
حيث إن الطعن أقيم على سببين تنعى بهما النيابة العامة على الحكم المطعون فيه الخطأ فى تطبيق الشريعة الإسلامية والفساد فى الاستدلال، وفى بيان ذلك تقول: إن نطق الشخص بالشهادتين كاف شرعاً لاعتباره مسلماً وأن المسلم لا يعتبر مرتداً إلا إذا انشرح صدره بالكفر وأتى من الأقوال والأفعال ما يعد كفراً بما لا احتمال معه لتأويل، وما يحتمل الكفر والإيمان يحمل على الإيمان فقد يكون الرجوع عن الإسلام مرده شكوك أو شبهات تساور النفس فيجب الإمهال لإزالة تلك الشكوك والشبهات، وما جاء بمؤلفات المطعون ضده الأول يمكن حمله على الإيمان فقد فرق بين الدين والفكر الدينى وأورد أقوال الفقهاء فى تقسيم مرويات السنة بما لا يصح معه القضاء بردته، وإذ قضى الحكم المطعون فيه بتكفيره ولم ينزل ما قد يكون عرض له من شبهة وهو ما يستوجب نقضه.
وحيث إن هذا النعى مردود، بما سلف بيانه، من أن المطعون ضده الأول قد أفصح بمؤلفاته عما يعد من الكفر الصريح وأن استتابه المرتد مستحبة وغير واجبه على الراجح فى المذهب الحنفى وأن أثر هذه الاستتابة يتعلق بتوقيع حد الردة ولا يؤثر فى القضاء بالفرقة التى تقع على الفور بمجرد الردة بين المرتد وزوجه، وأن الحكم المطعون فيه قد انتهى إلى قضاء صحيح، ومن ثم فإن النعى يكون على غير أساس. ولما تقدم يتعين رفض الطعون الثلاثة."
لــذلك
رفضت المحكمة الطعون الثلاثة وألزمت الطاعنين فى الطعنين رقمى 475، 481 لسنة 65 ق أحوال شخصية المصرفات ثلاثين جنيهاً مقابل أتعاب المحاماة مع مصادرة الكفالة
أمين السر                        نائب رئيس المحكمة
,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,
انتهى حكم المحكمة، وطويت صفحته، ولا مجال للتعليق عليه… ولكن الأمانة تحتم النظر إلى ما كتبه د. أبو زيد…. لا بغرض التعرض لعقيدته وشخصه، وإنما بغرض التعرف على أفكاره وآرائه، ولماذا كانت هذه الهجمة الشرسة عليه هو بالذات أكثر من غيره دوناً عن بقية العلمانيين الذين يدورون حول نفس هذه الأفكار ويرددونها وينشرونها في طول البلاد وعرضها….
وهو ما نقوم به بإذن الله تعالى في الحلقات القادمة.  
…………………
,,,,,,,,,,,,,
……..
Advertisements