هذه حكاية نصر حامد أبو زيد، وهذه هي خلاصة آرائه "المقبولة" جمعتها وعرضتها ليس من وجهة نظر باحث عن الإنصاف والحقيقة (فقد دفنت مع صاحبها)، وإنما من وجهة نظر باحث عن المشترك بيننا –كإسلاميين- وبينه، ويشهد الله أنه كثير، إذا قرأنا الرجل بقلب مفتوح وعقل يقظ. 

في تاريخ 13/4/1993 نشرت جريدة الشعب المصرية الصادرة عن حزب العمل (الإسلامي) كاريكاتيراً يصور شخصاً مكتوباً على رأسه "نصر أبو زيد" يمسك خنجراً يطعن به المصحف فتسيل من المصحف الدماء، هذا عن يمين الرسم، أما الجانب الأيسر منه فيحتله وجه امرأة محجبة ذات ملامح هادئة وضاءة وفي وسط الرسم شخص مزدوج الوجه: وجه باسم ينظر إلى جهة اليمين – نصر أبو زيد والمصحف الذي يسل منه الدماء- ، قائلاً : "حرية رأي"، والوجه الآخر عابس متجهم ينظر إلى المرأة في اليسار قائلاً: "تطرف". مكتوب على الصورة المزدوجة الوجه في منتصف المسهد الكاريكاتوري: "العلمانيون". والمعنى الذي يشير إليه الكاريكاتير صحيح، فكثير من غلاة العلمانيين يرون الطعن في المقدسات الإسلامية حرية رأي، بينما يرون الالتزام بتعاليم الدين تطرفاُ وجموداً. غير أن الإشارة إلى نصر أبو زيد في هذا السياق فيه تسرع إن لم يكن تجنياً.

لماذا يشق علينا أن نستوعب أن نصر حامد أبو زيد وغيره ليس شيطاناً ولا ملاكاً. لماذا نلزم أنفسنا بما لم يلزمنا به أحد من الحكم على الرجل بأنه أتى ب"نواقض الإيمان"، بينما يصر متطرفون على الجانب الآخر على  أنه رسول العقل ونبي الحرية؟!! ما الصعوبة في التعامل مع الحقيقة مجردة، وهي أن للرجل ما له وعليه ما عليه؟  وأنه اجتهد فأصاب وأخطأ؟!! لماذا نصر على أنه "مسيلمة الكذاب" (والتعبير سمعته من أحد الأصدقاء) رغم أن الرجل لم يقل إنه أتى بدين جديد ولا قرآن آخر؟!!

……………..

وفي الأسابيع القادمة ستمتلئ مصر بحفلات التأبين للمفكر الراحل، وستتم –علناً- سرقة جهوده – بحلوها ومرها-  و سيتم تضخيم إنجازه باعتبار أنه أتى بما لم تستطعه الأوائل و سيعتبره الماركسيون رسولهم الجديد، وسيتم وضع كافة الأفكار المهاجمة للإسلام وللدين على لسانه قال بها أم لم يقل،  وسيعاد استخدام اسمه –ميتاً- كما استخدم حياً في تصفية حسابات قديمة لا دخل للرجل بها. و في مقابل ذلك فسيضطر الإسلاميون للتعبير عن غضبهم وضيقهم واستفزازهم من هذا الهجوم والعداء، فيعيدون التفتيش في كتب الرجل عما يرونه مخالفات للعقيدة والمعلوم من الدين بالضرورة، ومن يبحث عن العفريت فسيجده، ثم يعيدون محاكمة الرجل إلكترونياً (عبر المدونات أو المنتديات) والتشهير به بحيث لا يجرؤ أن يدافع عنه أحد وإلا كان هو الآخر مارقاً. وهكذا تظل المعركة دائرة والوقود مشتعلاً والحقيقة ضائعة، ويظل التصالح والتفهم الواجبان حلماً عصياً على التحقيق.

لقد بلغ الاستقطاب حداً سحب معه بعض الشباب تأيدهم لمطالب البرادعي للتغيير بعد أن شاع أنه دافع عن "الكافر المرتد" الذين لا يعرفون عنه أكثر من اسمه، واعتبر بعض الإسلاميين في الكويت دخوله إليها مسألة حياة أو موت أما دخول شاكيرا وهيفاء وهبي ففن وثقافة، وخاف مكرم محمد أحمد نقيب الصحفيين من استضافته في مجلس النقابة، فعقد له الندوة في حديقة النقابة الصحفي الإسلامي الشجاع محمد عبد القدوس، و أرسل لي أحدهم بعد أن قرأ هذه المقالات أنه قرر أن يقاطع ما أكتبه بعد أن اكتشف حقيقة انتمائي، ولا أدري ما الذي أي جرم فعله الرجل من أجل هذا كله، بينما المستحقون فعلاً للكشف والتشهير والمتطاولون على الذات العلية والمهرجون يمرحون في طول البلاد وعرضها، ويحتلون قمة المناصب الصحفية والثقافية بلا رادع من قانون أو ضمير. 

………………

وأنا أعترف أنه كان شاقاً علي استخراج هذه الأفكار و"تنقيتها" من كتابات الرجل المتعددة والصعبة والمليئة بالعبارات المثيرة للجدل، وأعترف أيضاً بأنه كان سهلاً أن أبحث عن الأخطاء والزلات والعثرات المقصودة وغير المقصودة. و كان أسهل بكثير أن أركب موجة التكفير أو التخوين وأقف على رأسها. كانت مغامرة أن أسبح عكس التيار وأقول يا جماعة الخير احذروا أن تصيبوا قوماً بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين. كانت مغامرة غير محسوبة ولكني غير نادم علي خوضها أياً كانت النتائج، فقد أرضيت ضميري، وحسابي على الله، وأنا على استعداد لتصحيح ما أسأت فهمه، فلست مديناً إلا لربي بما من علي به من عقل وإيمان، ولا يعنيني إلا رضاه.

إنني أنظر إلى ما يتم تناقله عبر صفحات المنتديات بسطحية بالغة، وجهل مستفز عن الرجل وكتاباته، وكأننا ننقل "حظك اليوم" أو "مقادير وجبة الغداء". لقد قرأت بأسى ما كتبه أحدهم – وانتشر كالنار في الهشيم- عن كفر "الهرمنيوطيقا" و ضلال "السيميولوجي" التي "ينتهجها" نصر أبو زيد في كتاباته. و يا سادتي النقلة المغيبين اعلموا أن الهرمنيوطيقا ليست أكثر من الكلمة اللاتينية للمصطلح اللاهوتي المناظر لعلم "التأويل" الإسلامي. أما السيميولوجي فهو علم الدلالة أو العلامات. ولا أحد يتهم العلوم (كالحساب والجبر والهندسة والنحو والبلاغة) بالكفر أو الإيمان. لا يوجد طب فاسق ولا محاسبة كافرة، ولكن يوجد أطباء يسيئون استخدام الطب والعلوم، ويوجد محاسبون مرتشون، فلا تحملوا أخطاء سوء التطبيق على العلم، وإنما على من يطبقه.

ولعلكم لاحظتم أن الأفكار التي عرضتها للدكتور أبو زيد تتفق في كثير منها مع ما يقول به الإصلاحيون الإسلاميون، ولو كان الوقت يسمح لعرضت شواهد مشابهة لهذه الأفكار من كتابات القدامى والمعاصرين. وإن ما نعاه على الخطاب الديني قال مثله وعانى منه وأكثر الشيخ محمد الغزالي والشيخ القرضاوي والشيخ البوطي والشيخ علي جمعة ومحمد عمارة وكمال أبو المجد وفهمي هويدي وعبد الحليم أبو شقة وغيرهم. أما كلامه عن العلمانية وتاريخية النص فربما يحتاج مزيداً من الوقت والجهد والشرح والتفصيل والتنقيح حتى يقتنع الإسلاميون أنه لا يخالف العقيدة ولا يعارض الشريعة.

ومع ذلك فأنا أقول للشباب لا تقرؤوا للرجل – ولا لغيره- وقد وضعتم عقلكم في الصندوق. وأقول لهم إن كل إنسان يؤخذ منه ويرد عليه. وهذا رجل يؤخذ منه الكثير، ويرد عليه أكثر. و أقول لهم اقبلوا منه أو ارفضوا ما يتفق مع ثقافتكم ومبادئكم وقناعاتكم، ولكن تحلوا بالشجاعة وأنتم تقرأون التجارب المختلفة، ولا تغلقوا على أنفسكم باب العلم خوفاً من الزلل، ولا تشغلوا أنفسكم بالرد على ما لا يعجبكم في كلامه أو كلام سواه، وإنما اشغلوها بما يمكن أن تفيدوه مما تأخذوه منه.

…………….

لعالم اللغة الكبير نعوم تشومسكي نظرية يميز فيها بين ثلاثة مستويات ل"اللغة" أو "الخطاب" أو "الكلام". فهناك الكلام الذي أريد أن أقوله وهو ما يتردد في ذهني قبل النطق به، وهناك العبارات التي صدرت على لساني أو بقلمي، ثم هناك المعاني التي وصلت للمتلقي حول ما قلته. وحسب تشومسكي فإنه في الخطاب الإنساني قد يحدث ما يمكن أن يسمى "الانحراف" عن المعنى وهو ينتقل من مستوى لمستوى، فلا تكون العبارات معبرة بدقة عما يحتويه الضمير (والصوفية يقولون كلما اتسعت الرؤى ضاقت العبارة، ولذلك فهم يعانون من مشكلة دائمة في فهم أفكارهم ومشاعرهم لعجز اللغة عن التعبير عنها)، كما قد لا يكون ما فهمه المتلقي متفقاً تماماً مع ما أراده المتكلم.

لا أدري إن كان نصر أبو زيد يعرف هذه النظرية كما كان طه حسين يعرف نظرية مرجليوث أم لا، حين قال بأن قصص القرآن ليس لها بالضرورة أصل تاريخي صحيح. ولكن خلاصة ما قاله أبو زيد هو تطبيق لهذه النظرية على القرآن الكريم، فهو يرى أن القرآن المقدس هو الذي في اللوح المحفوظ، ولكن ما بين أيدينا هو "الصيغة العربية" منه، ويجب أن نتعامل معها على هذا الأساس، ثم هناك مرحلة ثانية هي مرحلة فهم هذا الخطاب، وهي ما ينبغي أن يكون عليه التركيز في البحث والتحليل.

و ما قاله أبو زيد هو نظرية وفكرة قد نتفق معه فيها أو نختلف، لكني لا أرى لها أي تطبيق عملي في نتائجه التالية… بمعنى أنني لو كنت مكانه، ورأيت "إجماعاً" من علماء المسلمين على مخالفتها لصحيح العقيدة – وهو ما لا أظنه – لما وجدت حرجاً في التنازل عنها لأنها لا تؤثر في البناء الكلي للفكرة. خاصة أن نصر أبو زيد أكد بوضوح وفي أكثر من مناسبة أن المستوى الأول (الوحي) أو انتقال القرآن من مصدره الإلهي إلى صيغته اللغوية هو قضية إيمانية لا مجال للبحث العلمي فيها، وبالتالي فهو لا يتعرض لها موافقة أو إنكاراً. وإنما كل ما يهتم به ويعنيه هو جانب "المتلقي" وكيف نعظم من فهمه لمراد النص.

إنني لا أنظر إلى محاولة نصر أبو زيد للاستفادة من إنجازات العلوم اللغوية الحديثة في مجال دراسة النصوص، بعد تجريدها من بعدها الإيماني باعتبارها وسيلة للانتصار للبعد المادي على حساب البعد الإلهي الإيماني، ولا باعتبارها خطة خبيثة لمركسة الإسلام ومكوناته الثقافية، ولا محاولة منظمة لهدم الدين والطعن في الثوابت، وإنما أراها خطوة علمية هامة ورائدة ومتأخرة للتجديد في البنية التحتية للعلوم الإسلامية التي توقفت عند أصول الفقه القديمة وعلوم الكلام.  وهي ككل جميع المحاولات الرائدة قد لا تكون كاملة أو دقيقة أو مستوعبة لجميع العناصر والمكونات… لكنها تظل مفيدة ويصلح البناء عليها نقداً (لا نقضاً) وتطويراً وتنقيحاً وتهذيباً حتى تحدث نقلة نوعية في مجال الدراسات الدينية.

وهذه المحاولة من ناحية تشبه إلى حد كبير استفادة اللغويين والمفسرين وعلماء الكلام القدامى من الثقافة الإغريقية. ومن المؤسف أننا طوال القرون الأخيرة عدمنا دراسات ثقيلة وعميقة وحقيقية ومؤسسة لعلوم جديدة في مستوى الشافعي والجرجاني والشاطبي والغزالي وابن خلدون. ولا أدري ماذا يفعل أساتذة الدراسات الإسلامية في الجامعات وهم بالمئات، ولا على أي أساس يحصلون على درجاتهم العلمية العالية. ومن ناحية أخرى فهذه المحاولة تتشابه مع الدراسات العلمية في الجيولوجيا والكيمياء والأحياء وغيرها من حيث تناولها لظاهرة طبيعية مجردة بدون تأثير الأيدلوجية أو القناعات الإيمانية. ونحن لم ننهض كمسلمين، ولم ينهض غيرنا إلا بالتحول عن الخطاب الإنشائي الوصفي عن الأشياء والظواهر إلى البحث التحليلي التنظيري فيها.

إننا كمسلمين نؤمن بأن الله تعالى هو خالق الجبال والمحيطات والأنهار، ونرى عظمته واضحة في مخلوقاته. ولكن هذه القناعة الإيمانية الشخصية لا تتدخل بالسلب أو الإيجاب في تحليلنا للظواهر الطبيعية، ولا علاقة لها بمعداتنا للقياس ولا بتصميم الأجهزة في معاملنا، ولا بالنظريات التي نتداولها كعلماء للجيولوجيا ونقر بها جميعاً مؤمنين وكفار، وما يتم تدريسه في الجامعات لا يشترط ديناً معيناً ولا يختلف بين جنسية وأخرى. وطالب الجيولوجيا سينجح إذا ذاكر من كتب الجيولوجيا، وسيرسب إذا ذاكر الجيولوجيا من القرآن الكريم، ولا يضر هذا القرآن الكريم، وإنما يضر الطالب الفاشل.

مثل هذا هو الذي ينادي به نصر أبو زيد في التعامل مع النصوص الدينية. أن آخذ خطوة إضافية إلى الأمام في مجال التفسير والتأويل، كما أخذها من قبل الخليل بن أحمد في مجال وضع القواعد العلمية للنحو، والجرجاني في وضع القواعد العلمية للبلاغة، والشافعي في وضع القواعد العلمية لأصول الفقه، واين الصلاح في وضع القواعد العلمية لمصطلح الحديث، وابن خلدون في وضع القواعد العلمية لدراسة التاريخ، والغزالي في وضع القواعد العلمية لدراسة التصوف، وهكذا… ومع وجود ذخيرة علمية ضخمة من الدراسات في علوم القرآن، فإن أحداً لم يهتم أو لم يجرؤ أو لم يتمكن في وضع القواعد العلمية لتفسير القرآن الكريم، وفهم مراد الله منه.

وبعض الإسلاميين يتهمون أبو زيد بأنه مغرض، وأنه ماركسي له أجندة خاصة يريد بمحاولته هذه أن يحول "التنزيل" الإلهي المقدس إلى "نص إنساني" وهو ما يتيح له أن ينقد وينتقد ويزيف كيف يشاء في النص ودلالاته.  وأنا أريد كمسلم معتز بديني وفخور بانتمائي له أن أكون أكثر مكراً من الماركسيين، و أن أستفيد من هذا التمييز والفصل بين الإيماني والعلمي في دراسة النص الديني لا من أجل إنكار الخالق أو إنكار الوحي، ولكن من أجل أن أخرج بنتائج موضوعية يتفق معي فيها غير المؤمنين بديني، ولكنها تؤكد على إعجاز القرآن وعظمته ليس من خلال شهادة مجروحة مني كمتحيز معجب، وإنما من خلال شهادة محايد موضوعي منصف.

قد لا يكون الأمر بهذه البساطة في التطبيق،

وقد تكون هناك نظريات وتطبيقات "كونية" في العلوم والهندسة تصلح للجميع، أما الدراسات الإنسانية فتظل ابنة حضارتها وبيئتها التي نشأت فيها وخرجت منها،

وقد أكتشف أنه لا يمكن فهم القرآن إلا من خلال الإيمان بقدسيته أولاً، وأن نور الله –فعلاً- لا يهدى لعاصي،

وقد أكتشف أن هذا التنازل الذي قدمته للمستشرقين حتى أتحدث لغتهم وأقترب منهم لن يجعلهم منصفين ولا موضوعيين ولن يجعلني أكثر فهماً لنصي وديني،

وقد أكتشف أن في هذا المنهج تكريساً لعدم سماوية النص وهدية مجانية للقائلين بانتحاله،

وقد أكتشف أنني لا يمكن أن أتفاعل مع النص بموضوعية علمية دون أن أحترم النص وأتواضع له قبلاً مؤمناً بأنه "التنزيل"،

وقد أكتشف أن هذه النظرية التي تفرط في التفاؤل فتتصور أنه يمكن أن تكون هناك ماكينة لغوية Linguistic machine  تضع فيها "النص" من جانب، فتخرج لك من الجانب الآخر التفسير والتأوبل، قد تكون هذه النظرية أو هذه الماكينة التي يبشر بها نصر أبو زيد هي مجرد وهم غير صالح للتطبيق،

وقد أكتشف أن في منهجياتي وأدواتي التراثية من علوم القرآن والقراءات والبلاغة وأصول الفقه، غناء عن هذه المغامرة والبحث في علوم الخطاب واللسان والتفكيك والبنيوية والسيميولوجي والهيرمونطيقا وغيرها وأن كل ما علي هو أن أنفض عنها الغبار وأجيد استخدامها وأطورها بدل البحث عن البديل الغربي الذي قد لا تنبت بذرته في أرضي،

قد يحدث هذا كله أو بعضه، ولكني لا أستطيع أن أجزم بحدوثه وأنا جالس على الشاطيء، ولا سبيل أمامي للحكم النزيه والموضوعي إلا بخوض غمار التجربة والتعرض لمخاطرها. ولا يمكنني استباق النتائج والحكم المسبق بالفشل بغير محاولة، ولا خطر من المحاولة والتجريب ما دام يقيني بالله يقيني.

…………..

وبقيت كلمة ختامية أؤجلها خشية مزيد من الإطالة، وفي انتظار تعليقاتكم وملاحظاتكم.

 

Advertisements