رد الاعتبار

استهدفت الحلقات السابقة رد الاعتبار إلى الرجل. وفصل الشخصي عن الموضوعي. وهي أحد آفات الخطاب العربي المعاصر (ديني وغير ديني). وعلينا أن نتعلم كيف نفصل بين رأينا في الشخص أو اعتراضنا على بعض مواقفه أو آرائه وبين حكمنا على مكانته في مجال تخصصه. إن اختلافنا مع نجيب محفوظ حول موقفه المؤيد من كامب ديفيد لم يؤثر على كونه عميد الرواية العربية بغير منازع. وعدم رضانا عن النتائج التي وصل إليها نصر حامد أبو زيد لا ينبغي أن تكون مبرراً لاتهامه باتهام مريع بالكفر والردة. خاصة مع وجود الحديث الشريف: "من قال لأخيه يا كافر فقد بها أحدهما"، ومن يحب أن يضع نفسه في هذا الموقف، خاصة بعد أن رحل الرجل؟!!

وتعتبر قضية نصر حامد أبو زيد نموذجاً صارخاً للاستقطاب الذي أتحدث عنه، فثمة فريق يصر على اتهامه بالكفر (وكأن ثبوت التهمة عليه سيحل جمع مشاكلنا)، ويستشهد بحكم محكمة الاستئناف ثم النقض، وكأن هذا الحكم – معاذ الله – سيكون أحد أوراق الدعوى أمام الله تعالى وهو يحاسبه، و فريق آخر يصر على أنه المفكر المجدد العلامة ويرد على حكم المحكمة بحكم الاستشكال بوقف تنفيذ الحكم الذي نجحت في الحصول عليه خلسة المحامية  منى ذو الفقار ومكتب المحامي علي الشلقاني. ولكن قليلين هم اللذين يحاولون أن يقتربوا من كتب الرجل ومحاضراته وتصرفاته ليتعرفوا عليه حقيقة بعيداً عن الأحكام الصادرة بناء على الأوراق، ولا تحمل تحليلاً صادقاً لعقيدة الرجل الذي رفض أن ينطق أمام المحكمة بالشهادتين رغم إلحاح محاميه الإسلامي عادل عيد، واستجاب لنصيحة أصدقائه ليعيش دور الشهيد.

في نهاية كتاب الدكتور محمد عمارة "التفسير الماركسي للإسلام" الذي كتبه في الرد على نصر أبو زيد، طالبه بمراجعة أفكاره التي صدمت المجتمع العلمي الإسلامي، و"تجاوزت دائرة ما أجمع عليه المؤمنون بالإسلام"، وذكره بعدد من المفكرين الذين قاموا بهذه المراجعات معتبراً نفسه (محمد عمارة) واحداً منهم، وضرب أمثلة بما فعله منصور فهمي وطه حسين ومحمد حسين هيكل.

ومن يتابع مواقف الرجل في السنوات الخمس عشرة التالية الصادرة على هذا الحكم،  ومحاولاته المتكررة لشرح غوامض أفكاره ونزع الالتباس عن بعض عباراته، وإعادة صياغة بعض آرائه بل وتطورها، مثل تطور مفهومه عن القرآن باعتباره "نصاً سردياً" إلى اعتباره "خطاباً تواصليا"، ثم ما رشح من مواقفه المشرفة في هولندا للدفاع عن الإسلام والقضية الفلسطينية، ومحاولته مد جذور التعاون العلمي مع الإسلاميين … هذا كله وغيره في نظري مراجعة جادة من الدكتور نصر لمواقفه، دون أن يتنازل عن آرائه الخاصة بضعف الخطاب الديني المعاصر، وهو ما يتفق عليه فيها كثيرون.

استمعت لمحاضرات للرجل في مكتبة الإسكندرية عام 2008 تحت عنوان: "إعادة تعريف القرآن"،  وهي نموذج للتواضع والإيمان واحترام القرآن والرسول صلى الله عليه وسلم بخلاف محاضرات لآخرين تنضح منهم رائحة العداء للدين والسخرية من الرسول صلى الله عليه وسلم.  ولا يعني هذا أنني أتفق مع كل ما جاء بها، لكنه خلاف يبقى في إطار المقبول، ويبقى مكانه في إطار المجالس العلمية لا ساحات المحاكم.

وقابله أحدهم وشد على يديه بحرارة مهنئاً على كتابه مفهوم النص، وقال له: أخيراً وجدنا من يقول بصراحة: إن محمداً هو كاتب القرآن. فسحب نصر أبو زيد يده وقال له: ولكني لم أقل هذا ولا أريد أن أقوله، وإذا كان هذا هو رأيك فاكتبه أنت، وأعد من فضلك قراءة الكتاب فيبدو أنك لم تفهمه.

وحين اشتكت زوجته بعد صدور الحكم من ضعف الحراسة، قال لها بتلقائية: "الحارس ربنا"، وحين عاد إلى القاهرة عام 2003 ليؤدي واجب العزاء في ابن عمه الكبير الذي كان بمثابة والده، واستق القطار إلى طنطا رفض الحراسة وقال: تحموني من أهلي وأقاربي (بينهن 3 منتقبات)؟!! وفي مجلس العزاء أخطأ المقريء في آية فكان هو الوحيد بين الجلوس الذي صححها للشيخ.

كان يعرف أن توجهه للدراسات الإسلامية في آداب القاهرة صعب، فليست هناك مدرسة علمية حقيقية من طلبة وأساتذة يمكن أن يتحاور ويتناقش معهم فينبهونه لما يغيب عنه من مراجع أو قضايا أو مفاهيم، واقترح على أساتذته في الكلية أن يسمحوا لخريجي الأزهر بالالتحاق بالقسم للاستفادة من عمق صلتهم بالتراث فرفضوا واعتبروا ذلك عيباً، وظل يعاني طوال دراسته الشاقة من هذه المسألة، لكنه اجتهد وحاول وتقدم. وعندما التقى بعد ذلك ببعض خريجي الأزهر الذين كانوا يدرسون في جامعة ليدن في هولندا حيث كان يعمل شهد بتفوقهم وتميزهم على أقرانهم بفضل قوة صلتهم بالتراث الإسلامي.

في أحد محاضراته العامة قال الدكتور نصر:

"البحث مغامرة. وحين نفقد مفهوم المغامرة نفقد قوة البحث العلمي ونفقد قوة الإبداع الأدبي. كسر التوقع وسيلة بلاغية لإحداث الدهشة وأحياناً إحداث الصدمة."

"والخطاب العام للأسف الشديد في هذه الأيام يجنح إلى النفور من المغامرة لأن المغامرة قرينة إمكانية الوقوع في الخطأ. والوقوع في الخطأ الآن لم يعد كما كان في التراث العربي، وكما هي في كل مكان في الفكر الإنساني هو الوسيلة الوحيدة إلى الصواب. أما الخطأ في تصورنا الراهن فهو الوسيلة إلى الهلاك."

"أنا باحث أكثر مني صاحب مشروع فكري. أمارس النقد الذاتي كجزء من النقد المعرفي. ولا أزعم أن ما أنتجه هو الصواب الكامل، ولا أزعم أنني سأصل إلى حل لأسئلتي. تلامذتي هم الذين سيصلون إلى ذلك بنقد أعمالي. أنا فخور بأنني معلم… أعلم تلامذتي كيف يفكرون لا كيف يتلقون المعرفة الجاهزة حتى مني. إذا لم يكن من طلابي من هو قادر على تجاوز أفكاري فهذا فشل مروع من جانبي. وهذا هو الفشل الذي تعيشه الآن مؤسساتنا الأكاديمية في مجتمعاتنا العربية."

"ليس لدي مشروع فكري.. وليس لدي مهمة رسولية… لا أدعي هذا. ربما بعد أن أنتقل إلى ملكوت الله يجد طلابي فيما كتبت مقدمة لمشروع فكري."

"إن اليقين يقع بين شكين. شك يؤدي إلى اليقين، ثم يقين لابد من الشك فيه أيضاً. وهكذا تتطور المعرفة. النظرية العلمية هي النظرية القابلة للدحض."

………………

الآن بعد هذه المحاولة الواجبة لرد الاعتبار إلى الراحل الكريم، أدعو لوقف هذا السجال السخيف حول إيمان الرجل وكفره…. وأعتقد أن من الحق المجتمع العلمي المصري أن ينظر إلى مقولات الدكتور نصر أبو زيد بعين ناقدة، وهو ما سأحاوله في الأيام القادمة بإذن الله تعالى حين أتناول تهافت نظرياته العلمية (القابلة للدحض)، خاصة المتعلقة ب: سلطة النص، وجدل النص والواقع، وأخطاء التطبيق، ووهم الموضوعية والحياد، ومستقبل هذه النظريات.

وسأفعل ذلك في سلسلة مستقلة، لأنها الآن أكبر من نصر أبو زيد، الذي أدعو الله له بالرحمة والمغفرة جزاء ما قدم من علم ينتفع به (ويختلف فيه)، كما أدعو كل من يقرأ له أو عنه أن يخرج من الإطار الضيق للحديث عن شخص أفضى إلى خالقه، إلى الحديث عن قضايا علمية وفكرية محورية، وأسئلة مفصلية طرحها الرجل في كتاباته ولا زالت تبحث عن إجابات، والإجابة عليها  خطوة في الطريق إلى الخروج من الأزمة، ومواجهة الدنيا بعقل مفتوح وقلب مضيء بنور الإيمان.

……………..

……….

 

Advertisements