هذه أكبر إجازة لي من سنوات. قضيت شهر رمضان كله وعدة أيام قبله وأخرى بعده في مصر بين القاهرة وبلدتي أوليلة في الدقهلية، كما قضيت أياماً في مدن القناة، وهذه بعض ملاحظاتي العابرة والسريعة، وهي ملاحظات شخصية لا أملك الجرأة على تعميمها، حتى يؤكدها لي المقيمون في مصر:

 
1-   النت غير الشارع
هذه أول ملاحظة، وربما أهم ملاحظة للمهتمين بالشأن السياسي.
 
ما يحدث على الإنترنت، وتقارير الصحفيين الأجانب التي ينشرونها عن الاستقرار السياسي في مصر بعيدة إلى حد كبير عما يحدث على الأرض… لا زال هم المرشحين الأكبر للانتخابات القادمة هو أن يترشحوا على قوائم الحزب الوطني لضمان المقعد… ولا زالت القناعة السائدة لدى كثيرين هو أن مرشح الحزب ناجح ناجح…. والاستثناءات هذه المرة ستكون محدودة ومحسوبة، لأن المجلس القادم هو مجلس الرئاسة الجديدة.
 
والناس – فيما رأيت- ليست قلقة على مصر من شخصية الرئيس القادم، وهي تشعر بحالة من الاسترخاء والرحرحة… وكأن معركة الرئاسة القادمة ستجري في دولة أخرى، أو ستجري على رئاسة مركز شباب أو وحدة محلية.
 
والذين حضروا زيارة جمال مبارك لقرية دماص المجاورة لقريتنا التي تحولت بعدها إلى مدينة، وشاهدوا ما جرى في الكواليس بينه وبين وزراء الحكومة وطريقة معاملته لهم، ومعاملتهم له… أكدوا لي أن جمال مبارك ليس هو الرئيس القادم… وإنما هو الرئيس الحالي، وأنه يمارس – بتفويض أو بغير تفويض- الكثير من سلطات الرئيس حالياً خاصة في الشأن الداخلي…. وأن المسألة مسألة وقت… ولا ينقصها إلا مزيد من التربيطات والعيديات للكبار.
 
والنت يا "إخواننا" غير الشارع.
……………
 
2-   الناس معاها فلوس
لا أدري من أين أتت هذه النقود…ولكنها كثيرة وفي أيدي الناس حتى البسطاء منهم. والنقود في القاهرة أكثر بكثير منها في القرى. بحسبة بسيطة.. حجم المبيعات في كارفور المعادي يتجاوز عدة ملايين جنيه يومياً… لا يجد العمال وقتاً لإفراغ البضاعة من الكراتين… فيدعون هذه المهمة للمشترين..
 
في لقطة أخرى هممت في زيارة لأحد أقاربي أن أضع في جيبه مائة جنيه مساعدة… فإذا به يبدأ حديثه بأنه أجل عملية الليزك إلى ما بعد العيد.. وقال آخر إنه اشترى شقة في ميت غمر ب 300 ألف جنيه، ووصل سعر متر المباني في قريتنا (المتر وليس القيراط: 175 متر) إلى 3000 جنيه، وبيعت قطعة أرض بحوالي 3 مليون جنيه كاش، ويتعامل الناس مع الخمسة جنيه كأنها شلن (خمسة قروش)، وطبيب الكبد الكشف ب 400 جنيه الساعة 7 صباحاً، وسألت عن رسوم مدرسة ابتدائي في التجمع الخامس فقال مديرها: 20 ألف جنيه، فلما استكثرت الرقم أشار من الشباك إلى المدرسة التي أمامه، ووصلت فيها الرسوم إلى 120 ألف جنيه في السنة للطفل في الابتدائي.
 
ووصلت تكلفة الحج مع بعض الشركات إلى 120 ألف جنيه للفرد (حتى أن الشيخ حسين يعقوب انفعل على الحجاج حين طالبوه بإصدار فتوى تبيح لهم التخلف عن رمي الجمرات ودفع الفدية، فقال لهم: انتوا هاتشتروا ربنا بفلوسكم)، ويشتري موظفون عاديون الحذاء ب 200 و 300 جنيه، ومتوسط تكلفة الحملة الانتخابية (للي عايز ينجح هذه المرة) لن تقل عن 10 مليون جنيه.
 
الناس معاها فلوس هذا يعني أشياء كثيرة منها:
1-   هناك اقتصاد خفي ضخم جداَ،
2-   النقود الكثيرة في أيدي الناس ليست دليل ثراء وإنما دليل سفه واستعراض
3-   من حق الشباب أن يتساءل إذا كان فلان أصبح مليونيراً في سنوات، فلماذا لا أكون مثله، والنتيجة مزيد من الفساد والانحراف،
4-   إذا كثرت النقود في يد طبقة، فهذا يعني أنها قلت أو انعدمت في يد طبقات،
5-   عندما يصبح المال (قلته أو كثرته) هو موضوع الحديث الأول فكيف يمكن أن تتحدث عن القيم أو المباديء أو الأخلاق،
6-   ما هو الحد الأدني للمرتب الذي يمكن أن يعيش به شاب يبدأ حياته؟
7-   هل لا زال العمل في الخليج مغريا؟!!
8-   المال مثل ماء البحر، كلما ازددت شرباً ازددت عطشاَ!!
………………
 
3-   الضمير في إجازة
التعميم هنا لا يصح… لكن أمثلته كثيرة. ضمير بعض العاملين في المهن الحرفية غائب، ويرى الجميع العيب والخطأ والحرام فلا ينكرونه. وضمير بعض موظفي الحكومة غائب… وسأضرب مثلين:
 
نبني مسجداً كبيراً في القرية… قالوا لي: الوسيلة الوحيدة لتشارك وزارة الأوقاف في تكاليف البناء، هي أن تدفع… قلت لمن؟ قالوا: للمسئولين عن المساجد. لم أستطع أن أتخيل كلمة رشوة ومسجد في جملة واحدة… قلت سأشتكي للوزير… قالوا: لا تفعل… غيرك اشتكى ثم دفع.
 
المثل الثاني لصديق لديه أرض زراعية، طلب موظف مبلغ 2000 جنيه للتوقيع على ورقة من هيئة استصلاح الأراضي، رفض الصديق… فأمسك الموظف المرتشي بالتليفون المحمول وقال لصديقي: يا باشا… فيه حاجة في الفقه والدين – وانت سيد العارفين- اسمها: ما عمت به البلوى… والرشوة يا باشا مما عمت به البلوى… فهي مش حرام. لم يقتنع صديقي بفتوى الموظف المرتشي، فدخل في قضايا مع الهيئة من سنوات كلفته أكثر من مائتي ألف جنيه… سألته بخبث أيهما أفضل: القضاء أم ما عمت به البلوى؟ فابتسم في انكسار وقال: حتى القضاء أصبح مما عمت به البلوى.
 
4-   الشباب متلخبط
أرثى لحال الشباب… فالطريق أمامه ملتبس تماماً فكرياً واجتماعياً واقتصادياً ومهنياً. يحب الشاب أن يختار لنفسه طريقاً فكرياً وسياسياً يجد فيه نفسه ويعبر فيه عن أحلامه وطموحاته… لكنه يفتقد القدوة ويفتقد الإرشاد. وهناك من التشويه من كل جماعة وفرقة وجمعية وحزب للآخرين ما يفقد الناس الثقة في الجميع… حتى أن المتابع يحسب أنه لم يبق في البلد رجل شريف.
 
يقترب الشباب قليلاً من البرادعي فتظهر صورة ابنته بلباس البحر ومتزوجة من بريطاني (قالوا بعد ذلك أنه مسلم ولكن بعد أن خسر البرادعي اندفاع المتحمسين)، ويعجب الشباب بالشيخ محمد حسان فتظهر قضية ابنه أحمد التي ثبت بعد ذلك أنها مقصودة للتشويه، ويناصر بعضهم أيمن نور وينادي به زعيماً… فيرسل لي أحدهم صورة له وهو يقبل يد أحمد فتحي سرور ويتودد له عندما كان نائباً في البرلمان، ويعلو شأن مرشحي الإخوان فيحول النائب العام 6 منهم للمحاكمة في قضايا علاج الدولة.
 
الحكومة ترسل رسائل واضحة لكل الطموحين سياسياً… ابتعدوا عن الطريق وإلا شوهتكم وطاردتكم وكسرت أعينكم، ولا كبير لدي.
 
وعلى الجانب الاقتصادي والمهني لا يعرف الشباب ماذا يعمل، ومن سيساعده في توفير فرصة العمل؟ وهل يبقى أم يسافر أم يهاجر أم ينتحر؟ وكله في النهاية انتحار.
 
من جهة أخرى فالشباب متخبط فكرياً… وهو لا يستطيع أن يستوعب كيف يمكن أن ينتمي لمصر وللإسلام وللعروبة في نفس الوقت. ولا يصدق كيف أنه لا يستطيع أن يحقق التغيير الذي يحلم به دون أن يدفع الثمن.
 
والشباب يظنون أن أمثالي ممن ينادون بتغيير النفس أولاً هم مجرد متواطئين مع الحزب الوطنى. والكثير منهم متسرع في أحكامه على الأشخاص وعلى المواقف، ولا يستمع لصوت المواءمة والمرونة… دون أن يقدم بديلاً…
 
إنهم يريدون أن نشتم الحكومة صباح مساء في المنتديات وعلى صفحات الجرائد وخطب الجمعة… وسب الحكومة لن يسقطها ولا يزعجها، كما أنني لا أعتقد أن الله خلقني لأسب الحكومة… وإنما لأحمل رسالة الإصلاح، وأنير مصباح الأمل.
 
5-   الحكومة رفعت إيدها
لم يعد الأمر الآن محل جدل أو تشكيك. كنا نظن الخصخصة هي أقصى ما يمكن أن يصدر من حكومة تجاه الأموال العامة… لكن الخصخصة أصبحت كلمة مهذبة جداً لما جرى ويجري في مصر المحروسة.
 
دخلنا بسرعة عصر "ما بعد الدول"… لا بأس أن ندخله ونحن مستعدين، ولكننا ندخله ونحن عرايا من ملابسنا وقيمنا وتاريخنا ومبادئنا.
 
كانت الحكومة ترفع يدها عن كل شيء بالتدريج وعلى استحياء، ثم صار ذلك جملة واحدة وبغير حياء أو خجل.
 
مرة أخرى ونحن نبني المسجد، وقع أحد سكان الحي على إقرار مطبوع من وزارة الأوقاف يقول فيه: "إنه سيتحمل وحده كافة نفقات البناء والتشييد وليس له أن يعود على الوزارة ليطالبها بأية مبالغ تخص البناء أو التجهيز على أن تؤول كافة المنشئات بعد إتمامها لتصبح ملكية كاملة للوزارة". حتى وزارة الأوقاف المسئولة عن المساجد تطبع على ورقها ما يؤكد أنها ليست مسئولة عن المساجد. حتى الوزارة تشحذ.
 
سألت مدير الأوقاف بالمنطقة عن ميزانية الوزارة ماذا تصرفون منها على المساجد؟ قال: المساحات والفنيك. انعقد لساني، فأكد ما قاله: لا تكفى الميزانية للصرف على أكثر من صرف المطهرات لتنظيف دورات المياه. حتى مصاريف الإنارة والتهوية والنظافة نطلبها الآن من رواد المساجد.
 
مقاعد الدراسة وزجاج الشبابيك وعلم مصر في المدارس يقدمها أولياء الأمور، وأدوات الإسعاف والضمادات والأدوية يقدمها المرضى في المستشفيات، حتى وصلات المجاري يوصلها الأفراد للخط الرئيسي، و مؤخراً كانت الحكومة تقول للمصريين – عبر حملات انقطاع الكهرباء اليومية- حتى الكهرباء انتظروا أن تعتمدوا فيها على أنفسكم.
 
أرجوك لا تسألني عن خطة الحكومة تجاه الدعم. فخلال سنوات قليلة سيصبح "الدعم" خبراً من الماضي مثله مثل الطربوش والساقية والقرش تعريفة.
 
ولم يكن عقد مدينتي إلا نموذجاً لرفع الحكومة يدها عن مسئوليتاها. ومؤخراً قال رئيس الحكومة: لا فساد في عقود أرض مدينتي وإنما خطأ إداري. نعم خطأ إداري بسيط خسرت معه الدولة، وخسرنا نحن أيضاً 600 مليار جنيه.
 
6-   الاستهلاك والاتكال
هناك صفتان مهلكتان سيطرا على المشهد في مصر المحروسة. هما الاستهلاك والاتكالية. أنا أفهم انتشار مثل هذه الصفات في الدول المتقدمة التي تتمتع بقدر كبير من الرخاء الاقتصادي… لكني لا أفهمه في دولة تصنف وفق أكثر التصنيفات تفاؤلاً في منتصف القاع أو في قاع المنتصف.
 
لا يمكن لمن تغلب عليه صفة الاستهلاك المقيتة أن يتوفر لديه الحد الأدنى من التوفير اللازم لإحداث النهضة. وإذا اعتدت على ركوب التاكسي فلا تمني نفسك أبداً بركوب سيارة… أما ركاب الأتوبيس ففرصتهم في توفير ثمن السيارة أكبر.
 
لا بأس أن تكون كريماً… لكن الكرم يختلف عن السفه. إذا ارتفع سعر الدقيق فلا داعي لكعك العيد، وإذا أردت شراء غسالة فليس مهماً أن تكون أتوماتيكية إذا لم تكن قادراً على دفع ثمن المسحوق، وإلا صدأت من قلة الاستخدام.
 
الغريب أن هذه النزعة الاستهلاكية المهلكة لم تخلق لدى الناس حباً للعمل والبذل والعطاء والتضحية، وإنما صاحبتها إتكالية مستفزة. الكل في انتظار أفضل وظيفة وأفضل دخل وأفضل حياة. وماذا قدم من أجل ذلك… لا شيء سوى الانتظار… انتظار عضو مجلس شعب، انتظار قريب مسافر، انتظار تغيير سياسي إلى المجهول….
 
وإذا اجتمعت النزعة الاستهلاكية مع البطالة الاتكالية… فإن عجز الناس عن توفير احتياجاتهم سيدفعهم بغير شك إلى الجريمة. بدءاً من الرشوة وحتى الخطف والقتل، وصفحة الحوادث في الجرائد اليومية خير شاهد ودليل.
 
 
شكرني البعض لأني ساعدتهم في الحصول على عمل، واعتبروني بطلاً قومياً، ورأتني الأكثرية خائناً ومتخاذلاً لأنهم لم يحصلوا على وظيفة.
 
لم أكره في حياتي كلمة أكثر من "شغلني"… لأنني لا أملك شركة ولا جمعية للتوظيف… لا أملك إلا قلمي ولساني. أما من وفقوا في الحصول على عمل عن طريقي فأعترف أنني لم أفعل لهم شيئاً، كل ما هنالك أنني دخلت على الإنترنت… وبحثت عن الوظائف الخالية (وهي كثيرة)، وقلت لهم اذهبوا إلى شركة كذا … وكذا، وقدموا… وعندما فعلوا حصلوا على الوظيفة، أما من لم يكلف نفسه أن يبحث، أو أن يذهب للمقابلة… فقبل أن يتهم الآخرين بالتخاذل عن مساعدته… عليه أن يسأل نفسه ماذا فعل هو ليساعد نفسه؟!!
………………….
 
وغداّ نواصل بإذن الله.
Advertisements